يشي البيان الأخير لقيادة الجيش بأنّ المؤسسة العسكرية تحاول التأكيد أن المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني أُنجزت إلى حد كبير، وأن السيطرة العملانية باتت واقعيا بيد الجيش، باستثناء النقاط التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي أو ضمن نطاق المناطق العازلة. هذا الإعلان ليس تقنيًا فحسب، بل يحمل أبعادًا سياسية داخلية وخارجية، إذ يأتي في لحظة دقيقة يتقاطع فيها الضغط الدولي والانقسام الداخلي والتصعيد الإسرائيلي المستمر مع واقع ميداني لا يزال هشا ومفتوحا على احتمالات متعددة.
من الناحية العسكرية، حقق الجيش تقدما ملموسا على مستوى الانتشار، وإقفال المعابر غير الشرعية، وضبط حركة المخيمات جنوب النهر، ومصادرة كميات من الأسلحة والذخائر والمنشآت. وتعكس هذه المعطيات قدرة تنفيذية متنامية للمؤسسة العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بعوائق بنيوية واضحة، أبرزها استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط، وكثافة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق، وتأخر وصول الدعم والقدرات العسكرية الموعودة. وتبقي هذه العوامل السيطرة مكتملة شكليا أكثر منها نهائية، وتبقي هامش المخاطر قائما، ولا سيما في المناطق المتاخمة للاحتكاك المباشر مع
إسرائيل .
سياسيا، ظهر التباين داخل
مجلس الوزراء حول توقيت الانتقال إلى المرحلة الثانية شمال الليطاني. واعتراض وزراء
حزب الله لا ينفصل عن موقف مبدئي رافض لأصل الخطة في شمال الليطاني، لكنه يتغذى أيضا من معطيات واقعية، أبرزها التساؤل حول كيفية الانتقال إلى مرحلة جديدة فيما المرحلة الأولى لم تقفل فعليا بسبب استمرار الاحتلال والنقص في العتاد والعديد. في المقابل، ترى الحكومة أن عرض تقييم شامل في شباط المقبل يفتح الباب أمام نقاش عقلاني للحاجات والمعوقات قبل اتخاذ قرار سياسي كبير، بما يعكس محاولة لإدارة الملف بحذر وتدرّج بدل القفز فوق الوقائع. فالدولة تتحرّك بحذر شديد بين الألغام، محاولة تثبيت ما تحقّق ميدانيًا وتفادي أي انفجار سياسي أو أمني داخلي.
أمّا موقف حزب الله فيبقى ،بحسب أوساط سياسية، محكوما بمعادلة مزدوجة: قبول ضمني بحصر الإجراءات جنوب الليطاني، مقابل الإصرار على أن شمال النهر يجب أن يُبحث ضمن إطار حوار واستراتيجية أمن وطني شاملة، لا عبر قرار أحادي أو ضغط خارجي. ويعكس هذا الموقف إدراكا لحساسية المرحلة، لكنه في الوقت نفسه يضع الدولة أمام معضلة حقيقية: كيف توازن بين متطلبات السيادة وحصرية السلاح من جهة، ومتطلبات الاستقرار الداخلي ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو إقليمية من جهة أخرى.
في الجهة المقابلة، تسعى إسرائيل إلى تقويض بيان الجيش عبر التشكيك في فعالية الإجراءات، والادعاء بأنّ حزب الله لا يزال يحتفظ ببنية تحتية وقدرات قتالية جنوب الليطاني، وصولا إلى اتهام الجيش بالوصول إلى تفاهم مؤقت يقوم على مصادرة السلاح من دون تدميره. ولا يهدف هذا الخطاب الإسرائيلي فقط إلى نفي إنجازات الجيش، بل إلى تبرير استمرار الضغط العسكري والسياسي وتهيئة الرأي العام لأي تصعيد محتمل، ولا سيما مع حديث إعلامهم عن خطوة حقيقية قد تنفذ على الأرض.
اللافت أن المشهد الإقليمي يزيد هذه المعادلة تعقيدا، إذ إن التسريبات الأميركية عن تغاضٍ أميركي.عن تصعيد إسرائيلي تكتيكي، وحديث مصادر غربية عن احتمالات توسيع الضغط جنوبا وشمالا، يوحيان بأنّ الوقت ليس عنصرًا محايدا، بل أداة ضغط بحدّ ذاتها، فيما تبدو إسرائيل كأنها تكسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها.
في المحصلة،
لبنان أمام مسار غير محسوم: إنجازات الجيش جنوب الليطاني حقيقية لكنها غير مكتملة، والانتقال إلى شمال الليطاني سيبقى رهينة توازنات داخلية دقيقة وضغوط خارجية متزايدة. وستتوقف قدرة
الدولة على تحويل التقدّم العسكري إلى استقرار دائم، بحسب مصادر مطلعة، على ثلاثة عناصر مترابطة: استكمال دعم الجيش ماديا ولوجستيا، مواكبة الانتشار العسكري بحضور فعلي لمؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، وإدارة الحوار السياسي حول السلاح والاستراتيجية الدفاعية بعيدا عن منطق الكسر والغلبة. ومن دون ذلك، سيبقى الوضع معلقا على انتظار التطورات الإقليمية، فيما تبقى احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.