في قراءةٍ تحليلية للتصعيد
الإسرائيلي الأخير وخلفياته السياسية والعسكرية، قدّم مصدر عسكري مطّلع مقاربة تفصيلية تشرح دلالات اللغة المستخدمة في البيانات
الإسرائيلية ، وخيارات الأهداف، ورسائل النار الموجّهة إلى الداخل اللبناني والوسطاء، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع نقاشات رسمية لبنانية حول جنوب الليطاني.
يؤكد المصدر العسكري أن إدراج اسم حركة "
حماس " في البيان الإسرائيلي ليس تفصيلاً لغويًا عابرًا، إنما رسالة مركّبة على أكثر من مستوى. فإسرائيل، وفق المصدر، تحاول توسيع مسرح الاتهام وكسر المعادلة التي حُصرت خلال الأشهر الماضية بجبهة
جنوب لبنان و"
حزب الله "، عبر ربط الساحة
اللبنانية بشبكة إقليمية واحدة. هذا الربط يهدف إلى نزع خصوصية "الصراع اللبناني"، تمهيدًا لتبرير ضربات أوسع لاحقًا.
ويضيف المصدر أن ذكر "حماس" موجّه أيضًا إلى
المجتمع الدولي ، إذ إن "الحركة" مصنّفة غربيًا كمنظمة إرهابية، على عكس التعقيد السياسي المحيط بوضع "حزب الله". وعليه، فإن استدعاء اسم "حماس" يهدف إلى استجلاب تعاطف غربي تلقائي، وتوفير غطاء سياسي مسبق لأي خرق محتمل للسيادة اللبنانية تحت شعار "محاربة الإرهاب".
كما يرى المصدر أن هذا الخطاب يشكّل ضغطًا استباقيًا على أي مسار تفاوضي، برسالة غير معلنة مفادها أن
إسرائيل لا تعتبر نفسها مقيّدة بملف واحد أو ساحة واحدة، وأن كل الجبهات متاحة لها. ويصف هذا السلوك بأنه استخدام متعمّد للغة كأداة حرب تمهيدية تسبق الفعل العسكري.
وبحسب المصدر العسكري، فإن استهداف محيط جزين يُرجّح بقوة أن يكون توظيفًا سياسيًا نفسيًا، لا طائفيًا مباشرًا. فالمنطقة لا تُعد هدفًا عسكريًا تقليديًا، واختيارها لم يكن صدفة. جزين، بما تمثّله من رمزية مسيحية وبُعد نسبي عن ساحات الاشتباك النمطية، تحمل رسالة مبطّنة مفادها أن النار لن تبقى محصورة في "الجنوب الشيعي"، وأن كامل الجغرافيا اللبنانية باتت ضمن دائرة الضغط.
ويشير المصدر إلى أن الهدف من ذلك هو احداث شرخ داخلي وزرع شعور لدى بعض البيئات بأن الصراع الذي اعتُبر سابقًا "بعيدًا عنها" قد وصل إليها، ما يدفع لاحقًا نحو ضغوط داخلية على الدولة اللبنانية أو على
المقاومة . ويصف هذا الأسلوب بأنه استغلال فاضح للتنوع اللبناني، يعكس ذهنية استعمارية تتعامل مع المجتمعات كأدوات ضغط لا كشعوب ذات سيادة.
ويعتبر المصدر أن
الغارات على الغازية-صيدا تمثّل جوهر السلوك الإسرائيلي الحالي. فالغازية، وفق توصيفه، ليست رسالة عسكرية بقدر ما هي خطوة سياسية تهدف إلى ضرب مناطق شمال الليطاني، أي كسر "الخط الأحمر" غير المعلن، والإعلان بأن الليطاني لم يعد سقفًا أو حدًا.
ويضيف أن إسرائيل تتصرّف بمنطق "نقصف أولًا ونتفاوض لاحقًا على ما قصفناه"، في تجاهل كامل للقرارات الدولية، وعدم اعتراف بأي وسيط أو لجنة أو آلية، إلا كأغطية شكلية. الرسالة المباشرة للبنان وللوسطاء، بحسب المصدر، هي: لا خطوط ثابتة، لا قواعد اشتباك، ولا احترام مسبق للسيادة أو لحدود التفاوض.
يخلص المصدر العسكري إلى أن ما يجري لا يمكن توصيفه كـ"رد أمني"، بل هو إدارة عدوان وتوسيع اشتباك محسوب، وفرض شروط سياسية بالقوة. فإسرائيل، وفق هذا التقدير، تستخدم اللغة لتجريم الخصوم، والجغرافيا لتفجير الداخل، والنار لرسم خرائط التفاوض، مستفيدة من صمت دولي مريب يمنحها هامشًا واسعًا من الغطرسة والتمادي.
ويأتي ذلك، بحسب المصدر، في توقيت بالغ الدقة، قبل جلسة لمجلس الوزراء المرتقبة يُنتظر أن يعرض خلالها الجيش نتائج ما أنجزه في جنوب الليطاني. وهنا يُطرح السؤال المركزي: إذا أعلن الجيش إنجاز المرحلة الأولى، كيف ستتصرف الحكومة اللبنانية؟ وهل سيتم الانتقال إلى مرحلة ثانية شمال الليطاني، أم أن الحسابات السياسية والأمنية ستفرض مسارًا مختلفًا؟