آخر الأخبار

كيف تربط واشنطن بين فنزويلا وإيران ولبنان

شارك
من فنزويلا إلى إيران وصولا إلى لبنان ، تتقدم السياسة الأميركية اليوم كمسار واحد متصل، لا كسلسلة ملفات منفصلة. فالمشهد، عند النظر إليه من زاوية أوسع، يكشف عن محاولة متكاملة لإعادة تشكيل الإقليم عبر الضغط على الأنظمة المرتبطة بمحور واحد، مستفيدة من أزماتها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، أكثر من اعتمادها على المواجهة العسكرية المباشرة، التي باتت تدار كخيار أخير لا كأداة أولى.

في فنزويلا، يبدو هذا المسار أكثر وضوحا وصراحة. واشنطن، بحسب مصادر أميركية، لا تتعامل مع كاراكاس كدولة بعيدة عن صراعات الشرق الأوسط ، بل كنقطة اشتباك غير مباشرة مع إيران وحزب الله. التركيز على مرحلة انتقالية محتملة، والاستمرار في خنق قطاع النفط، وفتح ملفات قضائية بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تتصل بتجارة المخدرات وتهريب الأموال والعلاقات مع طهران، يعكس مقاربة تقوم على تفكيك الشبكات الإقليمية قبل إسقاط الأنظمة نفسها. ورغم بقاء الخيار العسكري حاضراً في الخطاب، إلا أن الرهان الحقيقي يبقى على إنهاك الداخل ودفعه إلى لحظة تصدع. ومع ذلك، تدرك واشنطن أن هذا النموذج، على قسوته، لا يمكن استنساخه بحذافيره في الحالة الإيرانية .

إيران تقف اليوم عند تقاطع بالغ الحساسية. الاحتجاجات المتصاعدة، ولا سيما في الأسواق وبين التجار، لا يمكن فصلها عن الانهيار الاقتصادي العميق، وتراجع العملة الوطنية، واضطراب سوق الصرف، وتآكل ثقة شرائح واسعة بقدرة الدولة على ضبط التوازنات. النظام، وعلى رأسه المرشد علي خامنئي، حاول احتواء المشهد عبر الجمع بين خطابين متوازيين: اتهام أطراف خارجية باستغلال المطالب المعيشية وتحويلها إلى أدوات تخريب، والاعتراف في الوقت نفسه بصحة الشكاوى الاقتصادية. وهذا التناقض لا يعكس مرونة سياسية بقدر ما يكشف حجم المأزق، إذ إن أي تنازل جدي قد يقرأ كضعف، فيما قد يؤدي القمع المفرط إلى توسيع دائرة الغضب بدل احتوائه.

في هذا السياق، جاء دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الاحتجاجات كجزء من تصعيد سياسي محسوب، لا يقتصر على الدعم الرمزي للمتظاهرين، بل يحمل رسالة مباشرة للنظام الإيراني . فانتقاده لإدارات أميركية سابقة لا سيما ادارة الرئيس براك أوباما بتهمة التخلي عن الإيرانيين، يندرج، بحسب المصادر، ضمن رؤية تعتبر أن جذور أزمات الشرق الأوسط تبدأ من طهران، وأن استمرار هذا النظام يشكل عامل عدم استقرار إقليمي دائم. وهذا الموقف الأميركي تلاقى مع خطاب إسرائيلي مشابه، عبّر عنه بنيامين نتنياهو بوصف اللحظة الراهنة فرصة قد تكون حاسمة أمام الإيرانيين لتقرير مصيرهم.

غير أن هذا الدعم الخارجي، مهما بدا صريحا، يحمل في طياته إشكالية كبرى. فإيران ليست دولة قابلة للتغيير السريع من دون كلفة عالية، في ظل تركيبتها القومية الحساسة. وأي اختلال غير مضبوط في ميزان القوة قد لا يفضي إلى انتقال سياسي منظم، بل إلى تفكك الدولة نفسها، وهو سيناريو لا تبدو تداعياته محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل مرشحة للتمدّد إقليميًا.

لبنان، في هذا المشهد، لا يقف على الهامش، بل يتلقّى ارتدادات الصراع الأميركي–الإيراني عبر بوابة حزب الله . فالضغط المتزايد على طهران يترجم عمليا في تشديد الخناق على سلاح الحزب، ولا سيما في جنوب الليطاني.وإعلان الجيش إنجاز مسح المنطقة من السلاح وضع الحكومة أمام مأزق سياسي ثقيل، إذ إن إسرائيل ترفض الاعتراف بهذه الخطوة، لأن أي اعتراف سيلزمها بالانسحاب من النقاط الخمس المتبقية. أما الموقف الأميركي، فلا يبدو في وارد تسهيل هذا المسار، ما يضع الحكومة اللبنانية بين التزامات دولية صارمة وواقع ميداني لا تملك أدوات فرضه.

هذا المأزق يزداد تعقيدا مع عمل لجنة الآلية، التي يفترض أن تشرف على تنفيذ الترتيبات جنوبا. فغياب إعلان واضح من قبلها بأن الجنوب خالٍ من السلاح سيحول عمل اللجنة إلى عبء إضافي على الحكومة، ويفتح الباب أمام تصعيد إسرائيلي محتمل. في هذا السياق، يبدو الحديث عن ضوء أخضر أميركي لتحرك عسكري إسرائيلي، وإن كان مؤجلا، جزءا من سياسة الضغط المتدرج، حيث لا يلغى التصعيد بل يدار توقيته. فالاجتماع المرتقب للجنة الآلية بطابع عسكري بحت، وتأجيل البحث السياسي، يعكسان هذا الاختلال في ميزان الضغط، ويجعلان أي تقدم رهينة حسابات خارجية أكثر منها قرارًا سياديًا لبنانيًا.

هكذا، تتقاطع الساحات الثلاث ضمن منطق واحد، عنوانه الضغط المتراكم لا الانفجار المباشر. لكن بين فنزويلا وإيران ولبنان، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا النهج سيقود إلى إعادة ترتيب محسوبة للتوازنات، أم إلى انفلات إقليمي تتجاوز كلفته حسابات جميع اللاعبين، بمن فيهم أولئك الذين يديرون لعبة الضغط من الخارج.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا