مع انتهاء عام 2025، وجد
لبنان نفسه أمام لحظة تقييم دقيقة تتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، لتلامس جوهر علاقته بالنظام المالي العالمي. فمنذ إدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF في تشرين الأول 2024، بدا واضحاً أن البلاد تتقدم بخطى بطيئة فوق أرض رخوة، وأن أي تقصير إضافي سيحوّل تعثره إلى انهيار كامل عبر دفعه نحو اللائحة السوداء، وهي المنطقة التي لا يعود بإمكان أي دولة الخروج منها بسهولة، نظراً لما تفرضه من عزلة شبه تامة على تعاملاتها المصرفية والتحويلات المالية والاستثمارات.
ورغم أن لبنان عاش سنة ثقيلة بالضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية، إلا أنه تمكن في نهاية المطاف من تجنّب السقوط في اللائحة السوداء، ليس عبر الإنجازات، بل عبر مزيج معقد من التمديد الدولي، والاعتبارات السياسية، والضغوط المتبادلة، وبعض الخطوات التقنية التي وُضعت كإشارات
التزام أولية. إلا أن هذه النجاة تبقى ظرفية، مشروطة، وقابلة للتبدد مع أول إخفاق جديد.
كيف يعمل تصنيف FATF؟ وما الذي يمنع السقوط في السواد؟
تبدو الحاجة ملحّة لفهم المعايير التي تعتمدها مجموعة FATF في الانتقال من الرمادي إلى الأسود.
وهنا يوضح الخبير بالشأن المالي وليد أبو سليمان الصورة من زاوية تقنية دقيقة، ويقول لـ"لبنان24" إن "البلد لا ينتقل إلى اللائحة السوداء إلا عندما تتوافر ثلاثة شروط بالتوازي: وجود نواقص استراتيجية كبيرة في منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، غياب إرادة سياسية جدية لتنفيذ خطة العمل، واعتبار هذه النواقص خطراً مباشراً على النظام المالي العالمي بما يبرر اتخاذ إجراءات مضادة".
ويضيف أن "لبنان، رغم تعثره الواضح، ما زال يُصنّف دولة متعاونة ولكنها بطيئة، ولم يدخل بعد في خانة الدول غير الراغبة، وهذا ما أعطى المجتمع الدولي سبباً لتأجيل إدراجه على اللائحة السوداء".
تمديد دولي… واستثناءات ظرفية تؤجل الكارثة
ما فعله لبنان خلال 2025 لم يكن كافياً للخروج من الرمادي، لكنه كان كافياً لتأجيل السواد. فقد حصل البلد على تمديد إضافي من مجموعة العمل المالي بفعل الظروف الاستثنائية التي عاشها، بدءاً من التوتر الأمني على الحدود الجنوبية، مروراً بانعكاسات الانهيار النقدي، وصولاً إلى الفراغ الرئاسي
الطويل الذي انتهى مطلع 2025.
هذه الظروف دفعت FATF إلى تقديم مساحة زمنية إضافية، ليس بدافع الثقة، بل بدافع إدراك أن الدولة تعمل في سياق غير طبيعي يجعل التقييم الصارم أكثر تعقيداً.
في المقابل، حاول لبنان إظهار حركة إيجابية عبر تقديم تعهد سياسي واضح بالالتزام بخطة العمل. وقد نفّذ مصرف لبنان سلسلة من الإجراءات التنظيمية، أبرزها التعميم 168 المتعلق بالكشف الإلزامي عن المستفيدين الحقيقيين في الشركات، وهو ملف لطالما شكّل نقطة ضعف مركزية في التقارير الدولية. كما استعادت هيئة التحقيق الخاصة نشاطها، وأعادت تفعيل تعاونها مع الهيئات الدولية، محاولةً تقديم مؤشرات تقدّم ولو محدودة.
لكن وسط هذا السياق، برزت "مهلة الستين يوماً" الأميركية التي أثارت ضجة كبيرة. ومع أن كثيرين ربطوا هذه المهلة بتقييم FATF، إلا أن الحقيقة مختلفة.
وهنا يوضح أبو سليمان لـ"لبنان24" أن "مهلة الستين يوماً ليست جزءاً من آليات FATF، بل هي مهلة سياسية فرضتها
واشنطن بهدف الضغط المباشر على السلطات
اللبنانية ، خصوصاً في الملفات المتعلقة بضبط اقتصاد النقد، وتنظيم قنوات الصرافة والتحويل، واستكمال القوانين الإصلاحية".
ويشير إلى أن
الولايات المتحدة تستطيع اتخاذ إجراءات منفردة من خارج منظومة FATF، قائلاً إن "واشنطن قادرة على تشديد التعاملات المصرفية أو توسيع
العقوبات حتى دون إدراج لبنان على اللائحة السوداء، وهذا ما يزيد تعقيد المرحلة المقبلة".
سيناريو التصعيد: عقوبات، تدقيق مشدد، وخطر خنق مالي تدريجي
في حال لم يحقق لبنان تقدماً فعلياً، فإن السيناريو المتوقع ليس سقوطاً مفاجئاً في اللائحة السوداء، بل تصعيداً تدريجياً يزداد وطأة مع الوقت. ويشرح أبو سليمان هذا السيناريو قائلاً إن "الخطوة الأولى ستكون غالباً عبر توسيع العقوبات على شبكات الصرافة والتحويل، وبعض رجال الأعمال، والمؤسسات المرتبطة بأنشطة غير مشروعة".
ويضيف أن "المصارف المراسلة قد تبدأ بتشديد شروطها، وهو ما سيؤدي إلى رفع كلفة التحويلات وتقليص عدد المصارف الأجنبية المتعاملة مع لبنان، الأمر الذي يضغط مباشرة على التجارة وعلى العمليات الإنسانية". وهذا النوع من الضغوط، كما يؤكد، يمكن أن ينفذ دون أي إدراج رسمي على اللائحة السوداء، ما يعني أن لبنان قد يعيش تبعات السواد حتى وهو ما يزال رسمياً في الرمادي.
في العمق، لم يبقَ لبنان على اللائحة الرمادية لأنه حقق تقدماً، بل لأنه لم يُظهر تراجعاً دراماتيكياً. فالثغرات الأساسية بقيت قائمة: الاقتصاد النقدي ينمو على حساب القطاع المصرفي، واستقلالية
القضاء في الجرائم المالية ما تزال ضعيفة، والقوانين الجوهرية المتعلقة بالشفافية والمساءلة لم تُقر بعد، فيما لم يتم تقديم تقارير مقنعة حول تنفيذ خطة العمل خلال اجتماعات FATF في 2025.
ومع ذلك، وجد المجتمع الدولي أن إبقاء لبنان ضمن الرقابة المشددة أفضل من عزله الكامل في هذه المرحلة.
السياسة أيضاً لعبت دوراً حاسماً. فانتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة جديدة مطلع 2025 قدما إشارة للجهات الدولية بأن لبنان بدأ يستعيد الحد الأدنى من الاستقرار، وأن المؤسسات التنفيذية لم تعد في حالة شلل كامل.
وقد ساعد ذلك على إعادة فتح قنوات التواصل مع صندوق النقد الدولي ومع الهيئات الرقابية الدولية، ما أعطى انطباعاً بأن البلاد قادرة، ولو ببطء شديد، على اتخاذ إجراءات إصلاحية.
ما الذي يريده الخارج؟ خريطة طريق لإنقاذ السمعة المالية
إنّ إنقاذ السمعة المالية لا يتحقق بمجرد استعادة بعض الاستقرار السياسي أو تقديم إشارات أولية عن نية الإصلاح، بل يتطلب مسارًا واضحًا ومترابطًا يُظهر للخارج أن الدولة انتقلت فعلًا من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ.
وهنا يحدد أبو سليمان ما يجب فعله بوضوح، قائلاً إن "الخارج لا يقتنع إلا عندما يرى تقدماً متوازياً على ثلاثة مسارات: مسار تشريعي يشمل إقرار القوانين المرتبطة مباشرة بخطة العمل، ومسار تنفيذي يفرض رقابة فعلية على الصرافين وشركات التحويل وتطبيق سجل شفاف للمالكين الفعليين، ومسار قضائي يتضمن تحقيقات وأحكاماً ومصادرات حقيقية لا شكلية".
وشدّد على أن مصرف لبنان أمام مهمة ضرورية لا يمكن تجاهلها، مضيفاً أن الخطوة الأكثر إلحاحاً هي فرض رقابة صارمة على اقتصاد النقد. يجب تطبيق معايير اعرف عميلك على كل مؤسسات الصرافة، وتسجيل العمليات إلكترونياً فورياً، وتضييق هامش التسويات النقدية الكبيرة، والقيام بحملات تفتيش تنتهي بإغلاق المخالفين. هذا وحده يرسل إشارة جدية للمجتمع الدولي بأن لبنان انتقل من الرقابة الورقية إلى الرقابة الفعلية.
في المحصلة، يمكن القول إن لبنان نجح في 2025 بتفادي الكارثة، لكنه لم ينجُ من الخطر. فالخروج من اللائحة السوداء كان إنقاذاً لخطوط التواصل المالية مع العالم، لكنه لا يعني أن البلاد استعادت ثقة المجتمع الدولي.
بقاء لبنان على اللائحة الرمادية، مع استمرار إدراجه على قائمة
الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر، يعني أن البلاد ما تزال عالقة في منطقة رمادية خانقة، لا هي انهيار كامل ولا هي تعافٍ.
عام 2025 كان عام النجاة من العزلة، لكنه لم يكن عام التعافي. أما عام 2026، فسيكون اختبار الحقيقة: إما تنفيذ الإصلاحات المطلوبة والخروج من التصنيفات السلبية، أو العودة إلى حافة السواد، حيث لا ضمانات بوجود مهلة جديدة أو فرصة ثانية.