في المشهد اللبناني الراهن، يتعامل
حزب الله مع التطورات على قاعدة أن التصعيد الإسـرائيلي ليس مجرد احتمال بعيد، بل واقع مرجّح خلال الأسابيع المقبلة. هذا التقدير بات جزءاً من حساباته اليومية، بحيث ينعكس في خطاباته وخياراته الميدانية وحتى في رسائله غير المعلنة.
غير أن طبيعة هذا التصعيد المحتمل تبقى ضبابية، فلا أحد يعرف إن كان سيأخذ شكل غارات جوية مكثفة تطاول البنية التحتية العسكرية والقرى الحدودية، أو حملة مركزة على الضاحية الجنوبية بعد إنذارات وإخلاءات، أو حتى مغامرة برية محدودة في
البقاع أو جنوب
الليطاني ، وهو سيناريو لا يزال مطروحاً رغم كلفته الباهظة على الجانبين.
في المقابل، يبرز رأي آخر لدى بعض المتابعين يفيد بأن مرور شهر أيلول من دون انفجار عسكري، قد يخفّف نسبياً من احتمالات الحرب على المدى القريب، ويدفع الاستحقاق إلى ما بعد فصل الشتاء. هذه القراءة ترتكز إلى عوامل عدة، أبرزها العودة المتسارعة لسكان
المستوطنات في شمال
فلسطين المحتلة بعد أشهر من النزوح، إضافة إلى بدء العام الدراسي وما يترافق معه من ضغط شعبي على الحكومة
الإسرائيلية لتثبيت مظاهر الاستقرار.
هذه المؤشرات لا تعني انتهاء التهديد، لكنها توحي بأن أي تصعيد قد يؤجَّل إلى توقيت يراه الطرف
الإسرائيلي أكثر ملاءمة من الناحيتين السياسية والعسكرية.
على خط موازٍ، يُظهر حزب الله حذراً لافتاً في التعامل مع الداخل اللبناني. فهو من جهة يتعاطى بجدية تامة مع التهديدات والإشارات العسكرية، فيعيد ترتيب تموضع قواته ويكثّف جهوزيته على الجبهات، ومن جهة أخرى يتجنّب الانخراط في أي مواجهة داخلية قد تستنزفه سياسياً وشعبياً. يدرك "الحزب" أن أي اختبار ميداني في الداخل – سواء كان أمنيا أو سياسيا – سيضعه في موقع حرج في لحظة يحتاج فيها إلى تثبيت الاستقرار، لا سيما وأنه منغمس في عملية إعادة ترميم بعد الحرب الاخيرة .
هذا التوازن بين الاستعداد العسكري والتريث الداخلي يكشف عن معادلة دقيقة يحاول الحزب الحفاظ عليها: مواجهة جدية في الخارج مع تفادي الانجرار إلى معارك استنزاف داخلية. وهو بذلك يسعى إلى تمرير المرحلة الراهنة بأقل الخسائر الممكنة، بانتظار اتضاح المشهد الإقليمي وتبلور القرار النهائي في
تل أبيب بشأن شكل المواجهة المقبلة وتوقيتها.
باختصار، تبدو الأسابيع المقبلة محكومة بمعادلة الانتظار المتوتر: تصعيد محتمل يتعامل معه الحزب كأمر واقع، مقابل حسابات إسرائيلية قد تدفع إلى التأجيل. أما
لبنان ، فمجدداً يجد نفسه على خط التماس بين الاستحقاقات الإقليمية ومتطلبات الاستقرار الداخلي، في معادلة شديدة الحساسية عنوانها الأساسي "تأجيل الانفجار لا إلغاؤه".