من الواضح أن
الولايات المتحدة تمارس ضغطاً متزايداً على
لبنان ، سياسياً واقتصادياً، بهدف فرض شروطها وتغيير التوازنات
الداخلية . إلا أن هذا الضغط لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتجه نحو سيناريو الحرب أو الفوضى الشاملة، إذ أن قراءة المصالح الأميركية في
لبنان توضح أن الإدارة الأميركية لا تزال تتعامل مع هذا البلد كمنصة نفوذ استراتيجية، وليس كساحة معادية بالكامل تستوجب التدمير أو العزل.
أولاً، تمتلك واشنطن شبكة من الحلفاء في الداخل اللبناني، من قوى سياسية وشخصيات نافذة، وهي لا ترغب بخسارة هذا النفوذ عبر تدمير البيئة التي تتحرك فيها هذه الأطراف. أي حرب واسعة أو انهيار شامل سيؤدي إلى إضعاف هؤلاء الحلفاء أو حتى زوالهم من المعادلة، وهذا لا يصب في المصلحة الأميركية. الحفاظ على التوازن القائم، ولو بشكل هش، هو أكثر فائدة لها من إشعال الجبهة
اللبنانية .
ثانياً، النظرة الأميركية للبنان تختلف عن نظرتها لساحات أخرى كغزة أو حتى سوريا. فبينما تُصنَّف تلك المناطق على أنها مناطق خصومة أو مواجهة دائمة، فإن لبنان يُعتبر ساحة نفوذ مهمة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية الأميركية. هذا ما كان عليه الأمر في السابق، وقد ازداد هذا التوجه مؤخراً، مما يجعل من التصعيد الشامل خياراً أقل أولوية.
ثالثاً، من المؤشرات الواضحة على أهمية لبنان بالنسبة لواشنطن، هو العمل على افتتاح أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط على الأراضي
اللبنانية . هذا المشروع الضخم لا يمكن أن يُفسّر إلا كدليل على أن
الولايات المتحدة تريد البقاء والاستثمار في لبنان على المدى البعيد، وبالتالي فهي لا تسعى لتحويله إلى دولة فاشلة أو غارقة في الفوضى.
رابعاً، أي حرب مقبلة لن تكون كسابقاتها، بل ستكون مفتوحة بلا سقوف أو معادلات ثابتة. وهذا ما يجعل خيار الحرب محفوفاً بالمخاطر على الجميع، بما فيهم واشنطن. صحيح أن
حزب الله قد يتعرض لخسائر كبرى، لكن في المقابل قد ينجح في قلب الطاولة وإرباك كل اللاعبين. في مثل هذا السيناريو، لن يكون هناك منتصر، بل الجميع سيكون في موقع الخاسر. لذلك، من المرجح أن تواصل واشنطن الضغوط السياسية والاقتصادية، لكنها ستتجنب دفع الأمور نحو الانفجار الكامل، حرصاً على مصالحها وحلفائها داخل لبنان.