لا تزال الانتخابات البلدية بين تكهنات بحدوثها ووشوشات عن تأجيلها، بالرغم من إعلان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار الأربعاء دعوة الهيئات الناخبة للانتخابات البلدية في جبل لبنان ، مؤكداً أن الانتخابات قائمة بلا شك بمعزل عما يناقش داخل مجلس النواب.
وكتبت" الاخبار":عشية كل انتخابات بلدية، تسود «النغمة» نفسها حول التقسيم والمناصفة وميثاقية التمثيل في بلدية بيروت. وانطلاقاً من هاجس القوى المسيحية من المسّ بالتوازن الطائفي في البلدية (24 عضواً)، تتعدد الطروحات بين تقسيم بيروت بلدياً بالطريقة نفسها التي يجري تقسيمها في الانتخابات النيابية، وبين أن ينتخب كل حيّ أعضاء يمثلونه في المجلس البلدي. في مقابل طرح ثالث جرى ربطه برئيس الحكومة نواف سلام حول إمكانية تقديم بعض نواب «التغيير» اقتراح قانون يقضي باعتماد لوائح مقفلة في بيروت لضمان عدم التشطيب ضمن اللائحة الواحدة، وبما يحفظ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
مع إعلان وزير
الداخلية أحمد الحجار مواعيد الانتخابات البلدية، بدأت النقاشات في الطريقة الأفضل لخوض انتخابات بيروت في 18 أيار المقبل، بين فريقين:
أول يسعى إلى التوافق وإيجاد أرضية مشتركة تحت عنوان «التعددية»، وأن هدف الاستحقاق البلدي هو «الإنماء»، وبالتالي إن مصلحة أهل بيروت تبيح المحظورات السياسية بين الأحزاب. يضم هذا الفريق تيار المستقبل، «الراعي الرسمي» للمناصفة، وكلاً من «القوات اللبنانية» والتيار الوطني الحر والكتائب والطاشناق وحركة أمل وحزب الله.
لكن هذا «الحلف» ليس كافياً لضمان وصول لائحة بكامل أعضائها، لا سيما أن هناك قوى سنية أخرى (كالجماعة الإسلامية والأحباش والنائبين نبيل بدر وفؤاد مخزومي) قادرة على الخرق بما يوصل إلى ما يخشى منه المسيحيون بعدم وصول أي عضو مسيحي إلى المجلس، أو عضوين كحدّ أقصى. لذلك حصل المفوضان من الحريري، الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري ورئيس جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية أحمد هاشمية، على موافقة مبدئية من هذه الأحزاب والقوى المستقلة على العمل لمصلحة لائحة توافقية.
ويبدو أن الحريري الذي يرغب في لعب دور من خلف الستارة، منح بدر صلاحيات التفاوض مع القوى المسيحية بالنيابة عنه في محاولة لإنضاج «المبادرة الوطنية». فإن نجح، يقدّم الحريري نفسه «عراباً» للمناصفة وضامناً لعدم جنوح العاصمة نحو التطرف؛ وإن فشل بدر يخسر وحيداً.
على المقلب المسيحي، أجمع النواب نقولا الصحناوي ونديم الجميل وهاغوب ترزيان ونواب «القوات» لـ«الأخبار» أن «الأولوية للتوافق، والعمل جارٍ على لائحة تمثل المجتمع والعائلات البيروتية وتعكس صورة العاصمة بكل تناقضاتها.
غير أن هذه الإيجابية لم تصل بعد إلى الحديث حول آلية التمثيل داخل المجلس وحصة كل حزب». وقد يكون هذا التأخير مرتبطاً بإستراتيجية هذه الأحزاب بعدم كشف الأوراق والأسماء إلى ما قبل أيام من الانتخابات، ما ينعكس إيجاباً على التفاوض ويدفع إلى التوافق بسبب ضيق الوقت، أو لقطع الطريق على الخصوم لإيجاد نقاط ضعف في اللائحة باكراً، وكذلك بسبب استمرار بعض الشكوك حول إجراء الانتخابات في موعدها.
في مقابل هذا الفريق، يرى فريق ثانٍ مكوّنٌ من المجتمع المدني ونواب «التغيير» في بيروت أن إيقاظ «بعبع» المناصفة عند كل استحقاق لا يعدو كونه ستاراً لإعادة لمّ شمل المنظومة ضمن حلف واحد في وجه القوى «الإصلاحية».
ويقول النائب إبراهيم منيمنة لـ«الأخبار» إن هذا الخطر «مبالغ فيه من دون إلغاء فرضية وجوده. ولكن بالعودة إلى انتخابات 2016، حين كان هناك لائحة ما يسمونه بالتوافق الوطني مقابل لائحتنا، لم يحصل تشطيب عامودي يستدعي كل هذا الذعر، بل إن الفارق بين الاسم الأول بالتراتبية في لائحة بيروت مدينتي والاسم الأخير لا يتعدى نسبة 10%».
ويضيف أن هذا الهاجس «محقّ، ولكنه لا يبرّر تجاهل كل الهواجس الأخرى، من البرنامج الانتخابي إلى حاجة أهالي بيروت إلى الالتزام بالبرنامج والمحاسبة وكل الأمور الأساسية الأخرى». وعما إذا كانت «قوى التغيير» قد توافقت على برنامج أو مبادى أو لائحة أسماء، يجيب: «لم نصل إلى اتفاق حاسم بعد ولا ننكر أنّ الوقت بات ضيّقاً جداً».
وفي حديث لـ "نداء الوطن" يقول المحامي والمحلل السياسي أمين بشير: "بالنسبة لدعوة الهيئات الناخبة، فهو مصطلح قانوني يطلق على دعوة وزارة الداخلية للمواطنين، ولا سيما الناخبين، إلى ممارسة عملية الاقتراع. وعادة تتم الدعوة قبل شهر من الانتخابات. وهذا إجراء قانوني بحت له مواعيده القانونية، ويجب أن تقوم به وزارة الداخلية.
أي أن الخطوة هي إعلام وإعلان للمواطنين أن الانتخابات ستجرى في التواريخ المحددة في كل منطقة، وتضع أقلام الاقتراع وأين ستكون، وكل مقترع بحسب قيده وأين سيتم اقتراعه".
وعن تأجيل الانتخابات يُذكّر بشير أنه حصل أيام وزير الداخلية السابق القاضي بسام مولوي، حيث تمت دعوة الهيئات الناخبة لانتخابات البلدية قبل شهر، ولكن المجلس النيابي مدّد للمجالس البلدية، وتأجلت الانتخابات لمدة سنة في 2022، تزامناً مع الانتخابات النيابية، ثم جرى تأجيلها في 2023 لعدم توفر الأموال وعدم جهوزية قوى الأمن، كما تجدد التأجيل أثناء الحرب على الجنوب، ما يعكس أن دعوة الهيئات الناخبة لا تعني أن تكون الانتخابات حتمية وهذا القرار بالتالي هو سياسي أكثر منه قانونيّاً، ورأينا اقتراحاً للنائبين وضاح الصادق ومارك ضو بتأجيل تقني حتى تشرين، ولا تزال الأمور مرهونة بقرارات سياسية في البلد".
من وجهة نظره، يتوقع بشير أنه "في ظل انطلاق العهد الجديد ولا سيما حرص رئيس الجمهورية جوزاف عون على تنفيذ التواريخ الانتخابية في وقتها، وقيام الحكومة الجديدة بالتعيينات وإعادة انطلاق عجلة الدولة، على أن تتم الانتخابات في وقتها، لأنها إشارة ودليل مهم لانطلاقة العهد وحسن سير الأمور، وإلا سوف تعتبر نكسة لبداية العهد بتأجيل الاستحقاق الديمقراطي الأساسي المهم، ولا سيما بعد المعاناة التي أصابت البلديات في أغلبية المناطق ووجود الكثير من المشاكل داخلها، بعضها تم حله وبعضها لا".