في عصر يشهد تطورًا تقنيًا مستمرًا وتتوفر فيه الخدمات عبر الإنترنت، لا يزال لبنان بعيدًا عن تحقيق التحول الرقمي الشامل ف ي مؤسسات الدولة. ما زال المواطنون يواجهون تحديات يومية كبيرة، حيث يعانون من صعوبة الحصول على أبسط المستندات، ويضطرون للتنقل بين المكاتب والدوائر الحكومية في رحلة مرهقة تستنزف وقتهم وجهدهم. كما يعاني المواطنون من الإضرابات المتكررة والإغلاقات المفاجئة للدو ائر، فضلاً عن مواعيد ضيقة لتسليم الطلبات. ولا يمكن تجاهل الفساد المستشري في بعض المؤسسات الحكومية، الذي يفاقم من صعوبة الوضع ويزيد من تعقيد الإجراءات.
وكانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أول من أدخل التحول الرقمي في مؤسسات الدولة من خلال الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2020-2030. وعلى الرغم من التحديات، شهد لبنان تقدمًا في عدة وزارات: حيث أطلقت وزارة العمل في عام 2021 منصة إلكترونية لتقديم طلبات إجازات العمل للأجانب، وأطلقت وزارة الداخلية منصة إلكترونية لخدمة السجل العدلي. كما عملت وزارة العدل على تطوير الخدمات القضائية الإلكترونية، بينما أطلقت وزارة الاقتصاد خدمة جديدة تتيح لمنظمي الأسواق والمعارض التقدم بطلبات الترخيص عبر الإنترنت.
من جهة أخرى، قدمت الحكومة الجديدة، حكومة "الإنقاذ والإصلاح"، وعودًا بالتحول الرقمي الشامل في مؤسسات الدولة. مع إنشاء وزارة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعد الوزير كمال شحادة بتحويل لبنان إلى منصة رقمية. وعلى الرغم من ذلك، لم يشهد المواطن اللبناني أي تطور ملحوظ حتى الآن، ولا يزال الكلام حبرًا على ورق. إذن، ما هي الخطوات المطلوبة لتحقيق هذا التحول الرقمي؟
يشرح وزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات السابق عادل أفيوني، لـ"لبنان 24"، أن "التحوّل الرقمي هو مشروع استراتيجي للمستقبل من شأنه أن يحدث قفزة نوعية في الإدارة العامة، والاقتصاد، وحياة المواطن. وهو فرصة ثمينة للبنان وللشعب اللبناني لتعويض سنوات التراجع الاقتصادي والاجتماعي، واستعادة دور ريادي في النمو والازدهار".
وأكّد أنه "يجب إطلاق مشروع التحول الرقمي على المستوى الوطني ضمن استراتيجية موحدة، عملية وعلمية، تشمل القطاع العام بكل مرافقه وإدارته، ضمن خطة واحدة، ومنصة وتطبيقات وآليات واحدة متجانسة". وأضاف أنه "يجب أن تشمل استراتيجية التحول الرقمي القطاع الخاص كذلك، أي خطة طموحة لتحفيز قطاع التكنولوجيا واقتصاد المعرفة، والنهوض به، ودعم رواد الأعمال، والشركات الناشئة، والشركات المتمرّسة، وتشجيع الإبداع، وتطوير الخدمات التكنولوجية وتصديرها، وذلك عبر سلة متكاملة من الإصلاحات والحوافز، واستقطاب الموارد البشرية والاستثمارات المنتجة". وقال أفيوني : " عندما تم تعييني أول وزير لشؤون التكنولوجيا في عام 2019 ، قدمت خطة علمية وعملية مفصّلة للتحول الرقمي، تهدف إلى النهوض بقطاع التكنولوجيا . اشتملت الخطة على مجموعة شاملة من اقتراحات القوانين، الح وافز، والإصلاحات التي من شأنها تحويل لبنان، في جميع مناطقه، إلى مركز إقليمي مهم للتحول الرقمي واقتصاد المعرفة. كما تهدف إلى جعل التكنولوجيا محركًا رئيسيًا للنمو، وعمادًا للاقتصاد الوطني، وركيزةً لازدهار الشباب".
وفي ما يتعلق بالعوائق التي حالت دون تحقيق التحول الرقمي حتى الآن، أكد أن السبب يكمن في "غياب الحوكمة والمسؤولية الواضحة في هذا المجال. من المفترض تحديد المسؤوليات المتعلقة بهذا المشروع الاستراتيجي، وتكليف مؤسسة أو وزارة أو مجلس بتنفيذ مشروع التحول الرقمي الوطني. الأهم هو تحديد المسؤولية ونطاق العمل بشكل دقيق، بحيث تتولى هذه الجهة المعنية إدارة المشروع، وتحمل المسؤولية الكاملة عن تنفيذه، وتحديد أولوياتها وخطة عملها، ومحاسبتها إذا لم تحقق الأهداف المحددة". أما بالنسبة للعوائق المادية المتعلقة بالاستثمارات والبنى التحتية والمعدات، فقد أشار أفيوني إلى أ نه "يمكن تجاوزها، إذ أن التحول الرقمي يعد مشروعًا حيويًا ومنتجًا، ويستطيع جذب الاستثمارات والدعم من رأس المال الخاص أو من المؤسسات الدولية، شرط توافر الخطط الشفافة والحوكمة الرشيدة والإرادة السياسية". وفي ما يتعلق بالفوائد التي يعود بها على المواطنين، قال : "التحول الرقمي يحقق قفزة نوعية في النمو الاقتصادي، ويسهم في تسهيل بيئة العمل والمبادرة، وفي توفير فرص نمو للشباب. كما يسهل تعامل المواطن مع الدولة والإدارة، ويوفر الوقت والجهد، ويساعد في محاربة الفساد، ويضع حدًا للهدر والسمسرات". أما عن دور الحكومة الجد يدة في هذا المجال، فقد أوضح أن "دورها محوري في هذا المشروع، وفي وضع خطة التحول الرقمي الوطنية التي تشمل القطاعين العام والخاص. وهي مسؤولة عن إطلاق هذه الخطة ومراقبة تنفيذها، بالإضافة إلى سن القوانين والإصلاحات والحوافز العصرية التي توفر بيئة حاضنة للنمو والازدهار، وتدعم الشباب والشركات ورواد الأعمال، بما يخدم كل مواطنة ومواطن". بدوره، يشير خبير تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي سلوم الدحداح إلى أن التحول الرقمي يشكل ركيزة أساسية في ربط كل القطاعات ببعضها البعض، ويعزز من الابتكار التجاري ويخلق فرصًا للن مو، فضلاً عن تحسين الإيرادات الوطنية. على سبيل المثال، عندما تصل شحنة من الهواتف، يتم فحصها من قبل الجمارك قبل دخولها، وبمجرد دخولها، تصبح تلقائيًا جزءًا من النظام الرقمي للدولة ووزارة الاتصالات.
ويؤكد الدحداح ضرورة ربط النظام المصرفي بالنظام الرقمي للدولة، بحيث يتم مراقبة جميع الحوالات المالية من قبل مصرف لبنان ووزارة المالية. وبذلك، ستكون الدولة على دراية برواتب الموظفين في الشركات، مما يقلل من فرص التهرب الضريبي ويسهم في تحسين الإيرادات العامة.
ويوكد ضرورة ربط الشبكات بين الإدارات والمؤسسات بطريقة آمنة باستخدام بروتوكولات منسقة، لضمان دقة البيانات وسير العمل بكفاءة وسلاسة. إذًا، فوائد التحول الرقمي في لبنان لا تُعد ولا تُحصى، ولكن متى سنرى هذه الفوائد تتحقق على أرض الواقع؟