"لن أهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي".. لماذا أدلى ترامب بهذا التصريح؟
تحليل بقلم ستيفن كولينسون
(CNN)-- مثّل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، بأنه لن يهاجم إيران مجدداً قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل، اعترافاً ضمنياً بالضرر الذي يلحق بآمال الحزب الجمهوري جراء حرب خالفت وعوده بتحقيق نصر سريع .
وتُعد المعارضة لهذا الصراع، والغضب الشعبي من ارتفاع أسعار البنزين والديزل الناجم عنه، سبباً رئيسياً في مواجهة الجمهوريين لسباقات انتخابية صعبة أو متقاربة للكونغرس في ولايات مثل آيوا وأوهايو ونورث كارولينا، وهي ولايات كان ترامب فاز فيها بسهولة قبل عامين .
ومن هذا المنطلق، يبدو أن إيران قد نجحت في مسعاها الواضح لاستغلال انتخابات التجديد النصفي لإلحاق ضرر سياسي بترامب.
ومع ذلك، فقد فشلت في تحويل هذا الضغط إلى تراجع ينهي بموجبه ترامب الحرب وفقاً للشروط الإيرانية؛ وهو أحد الأسباب التي تجعل من المستحيل استبعاد حدوث تصعيد إيراني خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة .
ويُعد إشارة ترامب إلى الجدول الزمني للانتخابات، الخميس، أوضح دليل حتى الآن على إدراكه للتأثير السلبي للحرب على مرشحي حزبه وسط معركة محتدمة للسيطرة على الكونغرس، كما أنها مؤشر لافت على وقوعه في مأزق تورطه في الشرق الأوسط -وهو أمر قد يكون مدمراً لحزبه ولإرثه السياسي- وذلك بعد أن كان قد وعد في خطاب تنصيبه الثاني قبل 20 شهراً فقط بأن نجاحه سيُقاس بـ "الحروب التي لا نخوضها أبداً".
ومن خلال إبقاء خيار استئناف الهجمات مفتوحاً لما بعد انتخابات التجديد النصفي، يقدّم الرئيس الأمريكي توضيحاً جديداً بشأن الكيفية التي قد ينهي بها أخيراً حرباً كان صرّح بأنها ستستمر لأسابيع، لكنها دخلت الآن شهرها الثامن.
وفي الوقت نفسه، فإن احتمال فوز الديمقراطيين بالسيطرة على أحد مجلسي الكونغرس على الأقل في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني يثير احتمالية حدوث مواجهة سياسية أكثر أهمية وتأثيراً في واشنطن حول تمويل الحرب، وكذلك حول الوضع القانوني لترامب في خوضها .
وقد كتب الرئيس على منصة "تروث سوشيال " أن فرضه حصاراً على صادرات النفط والسفن الإيرانية قد أوصل البلاد إلى "وضع سيء للغاية"، مضيفاً: "لن نهاجم إيران في أي وقت قبل انتخابات التجديد النصفي ".
ولم يكن موقف ترامب ثابتاً فيما يتعلق بإيران؛ إذ كثيراً ما غيّر استراتيجيته وتصريحاته، وسعى أحياناً -على ما يبدو- إلى إرباك القادة الإيرانيين.
ولذا، ثمة شكوك حول ما إذا كان كلامه هذه المرة يحمل دلالات غامضة أو متناقضة .
لكنه أعلن علناً عن خططه عقب تقارير نشرتها مجلتا "ذا أتلانتيك" وموقع "أكسيوس" تفيد بأنه يدرس استئناف العمليات القتالية الكبرى قبل انتخابات 3 نوفمبر، وذلك رغبةً منه في إظهار الحزم أمام الناخبين وإقناع الأمريكيين بأن نهاية الحرب وانخفاض أسعار الوقود باتا وشيكين .
ويبدو شنّ ضربات قد يذكّر الأمريكيين بمدى كرههم للحرب استراتيجيةً مثيرة للجدل، لا سيما وأن بعض الجمهوريين الذين يخوضون سباقات انتخابية متقاربة النتائج يرغبون في إنهاء هذه الحرب.
فقد قالمايك روجرز، مرشح الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، في مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي أواخر الشهر الماضي،: "يجب أن تنتهي الحرب في إيران، وأن تنتهي بسرعة".
وإيران كانت تأمل أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى إجبار ترامب على تغيير مساره.
وسبق وأن لعبت إيران -الدولة التي ساهمت في تقويض رئاسة جيمي كارتر بسبب أزمة الرهائن التي سبقت انتخابات 1980- دوراً في الحملة الانتخابية الحالية من خلال عرقلة إمدادات النفط في مضيق هرمز ومناطق أخرى .
وتُشكل هذه الحرب تهديداً قد يكون مدمراً لبعض المرشحين الجمهوريين؛ لأنها خلقت رابطاً ملموساً بين قرارات ترامب وبين ارتفاع الأسعار الذي يثقل كاهل ميزانيات الأسر.
ففي استطلاع جديد أجرته شبكة CNN ومؤسسة SSRS ، الخميس، أفاد أكثر من 7 من كل 10 ناخبين في ولايتي أيوا وأوهايو -حيث تشهد الولايتان منافسات حاسمة على مقاعد مجلس الشيوخ- بأن سياسات ترامب أدت إلى زيادة تكاليف المعيشة. كما أظهر تقرير جديد لمركز "بيو" للأبحاث صدر الخميس أن 74% من الأمريكيين يشعرون بالقلق إزاء أسعار الوقود والطاقة، مقارنة بـ 43% فقط كانوا يشعرون بذلك قبل اندلاع الحرب .
وسعى ترامب إلى فصل انتخابات التجديد النصفي عن الحرب في محاولة واضحة للحد من نفوذ طهران .
و تمحور السؤال طوال الوقت حول ما إذا كانت قدرة إيران على تحمل المعاناة الناجمة عن الحرب ستفوق قدرة ترامب على تحمل التداعيات السياسية المترتبة على الاضطرابات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة .
وقال ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء في مايو/أيار: "لقد ظنوا أن بإمكانهم الانتظار حتى أتراجع؛ كانوا يقولون: 'سننتظر حتى يضعف موقفه، فلديه انتخابات التجديد النصفي'. لكنني لا أبالي بانتخابات التجديد النصفي ".
وفي أواخر الشهر الماضي، صرح قائلاً: "أعتقد أننا سنبرم اتفاقاً مباشرة بعد الانتخابات، لأنه ليس من المنطقي ألا يفعلوا ذلك". وأضاف: "إنهم ينتظرون ليروا كيف سيكون أدائي في انتخابات التجديد النصفي ".
ونظراً لتراجعه المتكرر عن مواقفه الخطابية والاستراتيجية أثناء الحرب، فاجأ ترامب بعض المراقبين بتمسكه باستراتيجية الحصار التي يفرضها، وذلك في أعقاب موجة العنف الأخيرة التي اندلعت في أواخر أغسطس/آب وأوائل سبتمبر/أيلول .
وتدعم وجهة نظره القائلة بأن الولايات المتحدة تحقق نصراً مؤشراتٌ تفيد بأن قبضة إيران على مضيق هرمز، الذي يُعد مكسبها الاستراتيجي الأهم في هذه الحرب، قد بدأت تضعف؛ إذ عادت تدفقات النفط من دول الخليج (باستثناء إيران) إلى مستوياتها الطبيعية تقريباً بفضل عملية نسّقها الجيش الأمريكي.
غير أن هذا التقدم يظل هشاً؛ فقد أفادت وكالة "رويترز" بأن عدد عمليات عبور المضيق اقتصر على سبع رحلات، الثلاثاء، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من شهرين ، و10 رحلات يوم الأربعاء، وذلك في أعقاب تصاعد الهجمات وأعمال المضايقة التي استهدفت ناقلات النفط .
ورغم تأكيد المسؤولين أن الحصار الأمريكي المفروض على إيران يؤتي ثماره، إلا أنه لم يحقق أي مكاسب سياسية من شأنها دعم المرشحين الجمهوريين .
فلا تزال أسعار البنزين عند مستوى مرتفع وعنيد يبلغ في المتوسط 4.36 دولار للغالون على مستوى البلاد، كما تظل أسعار الديزل باهظة للغاية، رغم تراجعها عن المستويات القياسية التي سجلتها الشهر الماضي .
وقد تجلى بوضوح واقع الحرب متعددة الجبهات — التي قد تتوسع في أي لحظة — مع احتدام القتال بين الحوثيين في اليمن و السعودية، مما أدى إلى ارتفاع سعر خام برنت القياسي بنسبة 4%، الخميس .
ومن المرجح أن يعني هذا مزيداً من المعاناة للأمريكيين عند محطات الوقود، وحتى لو انخفضت الأسعار بطريقة ما قبل يوم الانتخابات، فلن يسترد أحد الأموال الإضافية التي أنفقها على الوقود منذ بداية الحرب .
لذا، يتعين على الإدارة العودة إلى تكرار الوعود بقرب انتهاء الحرب، فقد صرح وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال محادثات مجموعة العشرين في 31 أغسطس قائلاً: "أعتقد أن الأمر قد يستغرق أسابيع أو أشهراً؛ ولا يشترط انهيار الاقتصاد (الإيراني)، بل يكفي أن يعود النظام إلى رشده ".
وقد يفسر هذا الشعور باليقين سبب رفض ترامب للعرض الإيراني -الذي قُدم في أواخر سبتمبر/ أيلول- بإعادة فتح المضيق واستئناف المحادثات النووية مقابل تخفيف الحصار، وهو عرض كان من شأنه أن يمنحه انتصاراً سياسياً قبل انتخابات التجديد النصفي .
وخلال حملته الانتخابية، واجه ترامب صعوبة في إقناع الأمريكيين بجدوى استراتيجيته، رغم أنها تمثل أشد أشكال الضغط الاقتصادي وأكثرها شمولاً واستمرارية مما مارسته الولايات المتحدة ضد إيران على الإطلاق .
ولا شك أن الولايات المتحدة تتسبب في معاناة داخل إيران تفوق بكثير ما تفرضه طهران على الأمريكيين؛ فمعدلات التضخم تتصاعد، والعملة المحلية (الريال) في حالة انهيار.
ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، نقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إيرنا) يوم السبت عن مستشار الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، قوله إن الظروف الراهنة تُعد من أصعب الفترات التي واجهتها البلاد .
لكن حجة ترامب أمام الناخبين -بأن استسلام إيران بات وشيكاً- لا تزال تفتقر إلى المصداقية، ففي يوم الثلاثاء، حذر رضائي من أن إيران لن تستسلم أبداً، وكتب على منصة "إكس": "لم تكن لتوقعات بيسنت الواهمة أي مصداقية من الأساس، كما أن دعايته الأخيرة لن تعمر طويلاً. لقد خسرتم الحرب العسكرية، وستفشلون في الحرب الاقتصادية أيضاً ".
ترامب لم يستبعد شن هجمات جديدة بعد الانتخابات
ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأسبوع الماضي أن الإدارة الأمريكية بصدد إرسال مجموعة ضاربة أخرى تتمركز حول حاملة طائرات، ووحدة استكشافية إضافية من مشاة البحرية (المارينز) إلى الشرق الأوسط.
وأفادت الصحيفة بأن ترامب أبلغ مساعديه مؤخراً بأنه يتوقع استئناف قصف إيران بعد انتخابات التجديد النصفي .
ومن شأن الانتظار إلى ما بعد تصويت الأمريكيينأن يخفف بعض الضغوط السياسية المباشرة الملقاة على عاتق ترامب، حتى وإن أدى ذلك إلى ارتفاع صاروخي جديد في أسعار النفط والبنزين والديزل، مما يسبب استياءً لملايين الأمريكيين .
غير أن فوز الديمقراطيين بأي من مجلسي النواب أو الشيوخ قد يقلص هامش المناورة المتاح أمامه؛ إذ ستندلع مواجهات في العام المقبل حول الصلاحيات الرئاسية المتعلقة بالحرب وتمويل العمليات العسكرية ضد إيران، وهي عمليات بلغت تكلفتها 45 مليار دولار بحلول منتصف سبتمبر .
كما أن موجة جديدة من العمليات العسكرية ستضع ترامب أمام تساؤل مألوف: إذا كانت الضربات الجوية السابقة لم تغير موقف إيران، فلماذا ستكون الموجة الجديدة... هل هناك أي اختلاف؟