في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في المشهد السياسي الأمريكي المحتدم قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يجد الحزب الجمهوري نفسه محاصرا على جبهتين بالغتي الحساسية؛ الأولى اقتصادية تتمثل في الارتفاع الجنوني لأسعار وقود الديزل الذي يثقل كاهل المزارعين والمستهلكين، والثانية أخلاقية وسياسية تتعلق بالنبش المستمر في ملفات الملياردير الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية وتداعياتها المرتبطة بالرئيس دونالد ترمب.

وفي الوقت الذي يسعى فيه البيت الأبيض لاحتواء الغضب الشعبي عبر قرارات سريعة ومناورات سياسية، يستغل الديمقراطيون هذه الثغرات لإعادة رسم خريطة المنافسة الانتخابية وتهديد حظوط الجمهوريين في الاحتفاظ بسيطرتهم على أعلى هيئة تشريعية في الولايات المتحدة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أنفاق وتهريب وحرب هجينة.. مخاوف من "سبتة" جديدة على حدود أوروبا الشرقية
* list 2 of 2 حرب بلا دخان ولا صوت.. سباق إلكتروني يشتعل فوق أوكرانيا end of list

قراءات الصحف الأمريكية

وقد حظي هذا المشهد المتشابك بتغطية لافتة وتحليل من عدد من أبرز الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية، التي تناولت تداعياته من زوايا متكاملة.

فقد ركزت صحيفة واشنطن بوست على التحرك داخل إدارة ترمب لاحتواء أزمة الديزل وانعكاساتها على المزارعين والمرشحين الجمهوريين في ولايات الغرب الأوسط، بينما سلطت وول ستريت جورنال الضوء على جذور أزمة الوقود في اضطراب إمدادات الديزل عالميا وتبعات الحرب مع إيران.

وفي المقابل، تناولت صحيفة بوليتيكو استغلال الحزب الديمقراطي قضية إبستين في دعايته الانتخابية، استنادا إلى بيانات استطلاعية داخلية تقيس أثرها المحتمل في سباقات مجلس الشيوخ.

ومن جانبه، قدم موقع ديلي بيست قراءة تحليلية للتأثيرات المحتملة لقضية إبستين في ترمب شخصيا وفي علاقته بالملف.

ومن خلال جمع هذه المقاربات، تبرز صورة أوسع لمعركة الحزب الجمهوري تتجلى في ضغوط اقتصادية وسياسية متزامنة، في وقت تتحول فيه الانتخابات النصفية إلى اختبار لقدرته على الدفاع عن سجله في الحكم، وإدارة إرث ترمب السياسي في آن واحد.

أزمة الديزل وضغوط المزارعين

تُمثل أسعار الطاقة، وتحديدا وقود الديزل، الشغل الشاغل للناخبين في الولايات الزراعية والوسطى التي تعتمد كليا على النقل والشاحنات الزراعية.

إعلان

وبحسب إحصاءات فدرالية نشرتها صحيفة واشنطن بوست، قفز متوسط سعر غالون الديزل في الغرب الأوسط ليصل إلى 6.53 دولارات في سبتمبر/أيلول المنصرم، مسجلا زيادة حادة قدرها 2.80 دولار مقارنة بالعام السابق، بينما وصل في ولاية مثل كاليفورنيا إلى 8.44 للغالون الواحد وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال.

وتعود جذور الأزمة إلى تداعيات الحرب مع إيران، التي أدت إلى أضرار بالغة في مصافي التكرير الحيوية في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من تعافي تدفقات النفط الخام عبر مضيق هرمز لتصل إلى 10.3 ملايين برميل يوميا (تمثل 76% من مستويات ما قبل الحرب)، فإن شحنات المشتقات المكررة كـالديزل لم تشكل سوى نسبة ضئيلة لا تتعدى 11% من تلك التدفقات، طبقا لبيانات أوردتها وول ستريت جورنال نقلا عن شركة كبلر لتتبع حركة الملاحة البحرية وتجارة السلع الأساسية حول العالم.

مصدر الصورة مرشح الحزب الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أيوا، زاك لان، يلوّح للجمهور قبيل مخاطبته تجمعا انتخابيا الشهر الماضي (رويترز)

وأوضحت واشنطن بوست أن نائب الرئيس جيه دي فانس انخرط شخصيا في جهود وساطة سريعة في محاولة محمومة منه لامتصاص غضب المزارعين والناخبين من أجل تخفيف وطأة أسعار الوقود على االمستهلكين، بعدما أصبحت كلفة الديزل مصدر قلق انتخابي للحزب في ولايات ريفية حاسمة.

وخلال زيارته مؤخرا لولاية أيوا، طلب فانس من مرشح الحزب الجمهوري لمنصب الحاكم، زاك لان، معرفة ما يمكن الإدارة أن تفعله لمساعدة المزارعين؛ فجاء اقتراحه بالسماح باستخدام الديزل المصبوغ، المعفى من الضرائب والمخصص عادة للاستخدام خارج الطرق وللأغراض الزراعية والإنشائية، مع تعليق الضريبة الفدرالية البالغة 24.4 سنتا للغالون حتى نهاية العام.

وقد قدّرت وزارة الزراعة الأمريكية أن هذه الخطوة ستوفر على المزارعين نحو 640 مليون دولار، بينما توقع البيت الأبيض توفير 129 دولارا في كل عملية تعبئة لسائقي الشاحنات، وفقا لما أوردته واشنطن بوست.

وبحسب رواية الصحيفة، لم يبق الأمر في إطار النقاش الانتخابي. فبعد أن وصف فانس الفكرة بأنها "مهمة مثيرة للاهتمام"، بدأ اتصالات مع مستشاريه وأعضاء في الحكومة، ثم وقع ترمب في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أمرا تنفيذيا يوقف بموجبه مؤقتا تطبيق القواعد الفدرالية التي تمنع استخدام هذا الوقود على الطرق حتى نهاية العام.

ورغم هذه التدخلات، يصر الرئيس ترمب على التقليل من شأن هذه الأزمات الاقتصادية، معتبرا في مهرجاناته الانتخابية أن ارتفاع الأسعار هو "ثمن زهيد" لصون أمن الدولة، ومؤكدا أن الاقتصاد الكلي يمر بحالة ازدهار، ومُرجحا أن الأسعار ستتراجع قريبا بانتهاء الحرب على إيران.

المشكلة ليست في الضرائب

غير أن المشكلة التي تواجه الجمهوريين أكبر من مجرد الضرائب. ففي تقريره بصحيفة وول ستريت جورنال، يلفت الكاتب كولين إيتون إلى أن أزمة الديزل مرتبطة بنقص عالمي في المنتجات المكررة، لا بمجرد ارتفاع سعر النفط الخام.

ورغم عودة شحنات النفط الخام عبر مضيق هرمز إلى نحو 76% من مستويات ما قبل الحرب، لا تمثل المنتجات المكررة، ومنها الديزل والبنزين، سوى نحو 11% من الشحنات العابرة للمضيق، مقابل أكثر من 20% قبل الحرب. كما تضررت مصافٍ في دول خليجية عدة بسبب المواجهة العسكرية مع إيران.

إعلان

وهنا تظهر حدود التدخل الجمهوري. فالخبير باتريك دي هان -وفق واشنطن بوست- لخص المشكلة بقوله إن "المشكلة ليست في الضرائب، بل في الإمدادات".

كما صرح محلل النفط آندي ليبوف لوول ستريت جورنال بأن المستهلكين "لا يشترون النفط الخام. إنهم يشترون البنزين ووقود الطائرات والديزل"، في إشارة إلى أن إعادة تدفق الخام لا تعني عودة سريعة للوقود الجاهز للاستهلاك.

ومن ثم، تبدو خطوة ترمب محاولة لتقديم استجابة ملموسة لضغط يشعر به الناخب يوميا، لكنها لا تعالج أصل الاختناق العالمي. وهذا تحديدا ما يجعل أسعار الوقود قضية انتخابية خطرة؛ فهي تنتقل من محطات الوقود والشاحنات إلى أسعار الغذاء والنقل والسلع، أي إلى جوهر ملف كلفة المعيشة الذي يمثل نقطة ضعف للجمهوريين.

مصدر الصورة شبح جيفري إبستين يعود ليخيم على أجواء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي (أسوشيتدبرس)

ملف إبستين قضية انتخابية

على الجانب الآخر، يواجه الجمهوريون ضغوطا واسعة على الجبهة الحقوقية والأخلاقية إثر تجدد الاهتمام بملفات جيفري إبستين.

ففي تقريره بصحيفة بوليتيكو، قال مراسل الشؤون السياسية أندرو هوارد إن لجنة العمل السياسي الديمقراطية الكبرى الخاصة بمجلس الشيوخ "تُغرق وسائل الإعلام بإعلانات تهاجم الجمهوريين فيما يتعلق بجيفري إبستين، الممول الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية. ولديها بيانات تدعم ذلك".

واستند المراسل في ذلك إلى استطلاع داخلي شمل أكثر من 4500 ناخب، أجرته شركة "بلو روز ريسيرش". وأظهر الاستطلاع أن 44% من الناخبين -ونفس النسبة من الناخبين المتأرجحين- يعتبرون قضية إبستين "خطيرة" ويجب محاسبة الجمهوريين عليها.

وتشير بيانات لجنة العمل السياسي للحزب الديمقراطي إلى أن إعلانات الحملات التي تركز على هذا الملف قادرة على قلب نتائج السباقات الانتخابية بمقدار يتراوح بين 3 و6 نقاط لصالح المرشحين الديمقراطيين.

وتأخذ قضية إبستين بُعدا أكثر مباشرة بالنسبة إلى ترمب نفسه. فقد نقل موقع ديلي بيست الإخباري عن المحلل السياسي والإستراتيجي ديفيد روثكوف تفسيره سلوك الرئيس ترمب في دفاعه المستمر عن أشخاص متهمين بالاعتداء الجنسي، معتبرا أن ذلك يرتبط في رأيه بمخاوف الرئيس من عودة الاتهامات المرتبطة بماضيه وعلاقاته بإبستين.

ولفت روثكوف إلى أن ترمب يعلم تماما بوجود ضحايا من النساء قد يدلين بشهاداتهن مستقبلا أمام الكونغرس، مما يدفع فريقه لمحاولة تحصين موقفه السياسي المبكر.

مع تفاقم السخط الشعبي من الجمهوريين جراء أزمة الوقود وقضية إبستين، يراهن الديمقراطيون على تحويل السخط الاقتصادي والقضايا الشخصية المثيرة للجدل إلى ورقة ضغط حاسمة لانتزاع مقاعد إضافية في مجلسي الشيوخ والنواب

الأغلبية الجمهورية في الكونغرس على المحك

المفارقة أن أزمة الديزل وإبستين تعملان بآليتين متناقضتين. الأولى مادية ومعيشية، تتمثل في سعر الوقود المرتفع الذي يزيد مباشرة من كلفة النقل والزراعة والسلع.

والثانية رمزية وسياسية، وهي قضية إبستين تعيد إلى الساحة أسئلة تتعلق بالرئيس ترمب، والشفافية، والمسؤولية السياسية. لكن كلتا الآليتين تتمحوران حول نقطة واحدة: قدرة الجمهوريين على إقناع الناخب بأن الحزب يستحق الاحتفاظ بالأغلبية.

فالمعركة الانتخابية لم تعد مقصورة على البرامج الاقتصادية التقليدية، بل تحولت إلى حرب استنزاف تتقاطع فيها الضغوط المعيشية للمواطنين مع الصراعات الأخلاقية والسياسية.

وفي حين يحاول الجمهوريون بقيادة ترمب وفانس إظهار الاستجابة السريعة لمشاكل الشارع عبر إعفاء الديزل من الضريبة الفدرالية ومخاطبة المزارعين في معاقلهم التقليدية، يراهن الديمقراطيون على تحويل السخط الاقتصادي والقضايا الشخصية المثيرة للجدل إلى ورقة ضغط حاسمة لانتزاع مقاعد إضافية في الشيوخ والنواب.

إعلان