القوات الأميركية تكمل انسحابها من العراق اليوم

تكمل القوات الأميركية، الأربعاء، انسحابها من قواعدها المتبقية في العراق، لتطوي بذلك فصلا استمر أكثر من عقدين، وسط تحذيرات من أن هذا الانسحاب قد يخلق فراغا أمنيا يمنح الميليشيات المدعومة من إيران مزيدا من الجرأة، ويفتح الباب أمام عودة تنظيم "داعش".

أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن الولايات المتحدة تمضي في إنهاء ما وصفه منتقدون بـ"حربها الأبدية" في العراق، بعد أكثر من 23 عاما وإنفاق 1.7 تريليون دولار، مع إغلاق آخر قاعدة عسكرية أميركية رئيسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قال خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض في يوليو: "لا نعتقد أننا بحاجة إلى وجود الجيش هناك بعد الآن"، مضيفا: "لدينا بطل رائع، بطل جديد".

جلس الزيدي، رجل الأعمال البالغ 41 عاما، إلى جانب ترامب خلال الزيارة، وأعلن مهلة تنتهي اليوم (الأربعاء)، لتسليم الميليشيات المدعومة من إيران أسلحتها، قائلا: "لا يوجد أي مبرر لوجودها بعد الثلاثين من سبتمبر".

لكن "وول ستريت جورنال" أشارت إلى أن الحرب الأميركية المفتوحة مع إيران تدفع العراق إلى مزيد من الصراع، فيما يترك الانسحاب الأميركي وراءه بلدا لا تزال فيه الميليشيات المسلحة جيدا تعزز قبضتها.

وأفادت الصحيفة بأن مسلحين وقوات إيرانية شنوا أكثر من 600 هجوم على منشآت دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق خلال الشهرين الأولين من الحرب.

وأشارت وكالة رويترز إلى أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، لكن بعضهم يشعر بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد الذي قتل فيه 4500 من أفراد القوات الأميركية خلال حرب استمرت أكثر من 20 عاما.

تحذيرات أمنية متكررة

في مؤشر على حالة مخاوف اهتزاز الاستقرار، ذكرت "وول ستريت جورنال" أن السفارة الأميركية في بغداد ترسل حاليا تحذيرات أمنية متكررة إلى أميركيين وآخرين، يتعلق نحو تحذيرين أسبوعيا بخطر الاختطاف على أيدي مسلحين.

وغادر فريق من الصحيفة بغداد بشكل مفاجئ هذا الشهر، بعدما حذر مسؤولون عراقيون وأميركيون وأوروبيون من تهديد أمني، قال مسؤولون أميركيون لاحقا إنه يتعلق بخطر التعرض للاختطاف على يد الميليشيات.

بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن طهران جددت دعمها للميليشيات منذ أن بدأت الولايات المتحدة حملة القصف على إيران في فبراير.

وقال مسؤول أميركي إن تدفق الأسلحة الخفيفة والطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى وصغيرة القطر من إيران تباطأ في البداية، بينما ركزت طهران على قتال الولايات المتحدة، لكنه تصاعد مجددا هذا الصيف. وأضاف أن الهجمات الأخيرة تضمنت صواريخ وطائرات مسيرة أطول مدى، في إشارة إلى تطوير مقلق للترسانة.

وهذا الشهر، انطلق هجوم بطائرة مسيرة من العراق بالقرب من الحدود مع إيران، على السعودية، وأدى إلى إغلاق مؤقت لخط أنابيب النفط شرق-غرب، كما ألحقت هجمات أخرى أضرارا بمركز دبلوماسي ولوجستي أميركي في مطار بغداد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن، إن الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغ الأمني يمكن أن يكون خطيرا للغاية، بحسب وكالة رويترز.

وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن الزيدي، الذي لم يتول أي منصب عام قبل أن يصبح رئيسا للوزراء في مايو، حظي بقبول إدارة ترامب باعتباره شخصا يمكنها التعامل معه.

وتعول إدارة ترامب على الزيدي لنزع سلاح الميليشيات، التي يبلغ عدد عناصرها عشرات الآلاف.

وقال اللواء سعد معن، المتحدث باسم الجيش العراقي، إن بعض الفصائل المسلحة سلمت أسلحتها، فيما تخطط فصائل أخرى للقيام بذلك، في وقت بدأ الزيدي ونوابه يتحدثون الآن عن تأجيل مهلة نزع السلاح إلى العام المقبل.

فراغ أمني أم "انتصار"؟

غزت القوات الأميركية العراق سنة 2003 ونصبت حكومة تقودها قوى شيعية، وخاضت حربا على المناهضين لها استمرت سنوات، أولا ضد الموالين لصدام حسين ثم ضد تنظيم القاعدة، قبل أن تنسحب في نهاية عام 2011.

ثم عادت القوات الأميركية بعد أقل من 3 سنوات لمساعدة القوات العراقية على إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، في حرب كبرى امتدت من عام 2014 إلى عام 2017.

وقتل في "عملية حرية العراق" ما يقرب من مثلي عدد الأميركيين الذين سقطوا في حرب متزامنة في أفغانستان، والتي انتهت بانسحاب أميركي مفاجئ في عام 2021.

وفي الحرب الأميركية، هذا العام، مع إيران، قتل في العراق 7 من أصل 18 جنديا أميركيا أعلن عن مقتلهم خلال الصراع، آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه أثناء تفجير محكم لطائرة مسيرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو الماضي.

وأشارت وكالة رويترز إلى أن إيران تعتبر انسحاب الولايات المتحدة من العراق انتصارا لما يسمى "محور المقاومة" الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في المنطقة.

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن ما يثير القلق بشكل أكبر ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، بل احتمال أن يشعر حلفاء طهران بنفوذ متزايد في غياب الوجود العسكري الغربي، وإن هذه الجماعات قد تحاول توسيع دورها في تشكيل سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية.

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين، في الحكومة الاتحادية وفي إقليم كردستان، إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضا على خطر منح مقاتلي داعش فرصة جديدة للنشاط، إذ إنهم ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة، رغم هزيمتهم قبل نحو 10 سنوات.

وفي ذروة قوته، سيطر التنظيم المتشدد على ثلث مساحة العراق وقتل آلاف الأشخاص، بمن فيهم مئات أعدمهم مقاتلوه بأنفسهم داخل قاعدة عسكرية أميركية سابقة.

وكانت القوات الأميركية تزود قوات الأمن العراقية بمعلومات استخباراتية حاسمة عن تحركات تنظيم "داعش"، فضلا عن عمليات المراقبة الجوية والاستطلاع.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم، إن السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتطبيق لمرحلة ما بعد التحالف.

وأضاف أن من بين أسوأ السيناريوهات المحتملة أن يحصل التنظيم على طائرات مسيرة مسلحة أو مزودة بعبوات ناسفة بدائية، في وقت لا يزال فيه العراق يفتقر إلى قدرات دفاع جوي كافية لمواجهة مثل هذه التهديدات بفاعلية.