في زمن الخوارزميات.. من يوجه وعي الشباب المسلم؟
بين فرص لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ومحتوى يصل إلى الهاتف من دون أن يبحث عنه صاحبه، يواجه الشاب المسلم سؤالا يتجاوز ما يشاهده على الشاشة: كيف يختار ما يؤمن به والطريق الذي يريد أن يسلكه وسط أصوات لا تنقطع ومقارنات تلاحقه كل يوم؟
سؤال "من يوجه وعي الشباب المسلم اليوم؟" حضر بقوة في النسخة الثانية من مؤتمر "قيادة: تطلعات وتنمية الشباب المسلم في قطر"، الذي نظمته مؤسسة قطر يومي 25 و26 سبتمبر/أيلول، تحت شعار "بهدى الإيمان نزدهر في عالم متغيّر".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 فقد بصره.. ما قصة الخيط الذي يقود مسنا كرديا إلى المسجد؟
* list 2 of 2 "العالم يرى إسرائيل بعيون فلسطينية".. تحولات في الصورة والموقف end of list
وبحسب المؤسسة، شارك في انطلاق المؤتمر أكثر من 1300 شاب من مختلف أنحاء قطر، ويستهدف برنامجه الفئة العمرية من 17 إلى 24 عاما، عبر جلسات وورش عمل تناقش الإيمان والهوية والقيادة في عالم سريع التغير.
يرى الطالب عبد الله محمد البري، من مدرسة عمر بن الخطاب الثانوية، في حديث للجزيرة نت، أن الهاتف قد يكون أكثر تأثيرا فيه من الأشخاص المحيطين به. فهو يدرك أثر أهله وأصدقائه، لكنه لا ينتبه دائما إلى الأفكار التي تصل إليه عبر الشاشة. ويقول "أحيانا لا أخاف مما أختاره في الهاتف، بل مما يختار الهاتف أن يعرضه لي".
ولا يقتصر قلقه على طبيعة المحتوى، بل يمتد إلى الوقت الذي يمضيه معه. فأكثر ما يخشاه أن تمر خمس سنوات ويكتشف أنه كان يملك الوقت والقدرة على البدء في أمر مهم، لكنه أنفقهما فيما لم يكن يستحق. ويتساءل البري كم من الأشياء يفعلها لمجرد أن الهاتف أمامه، وكم من الوقت كان يمكن أن يعيشه بدلا من أن يشاهد ما يعرضه الآخرون.
مصدر الصورة
صنع الأثر
لكن العالم الرقمي لا يعني الضغط وحده، لذلك تقول الطالبة هيام عادل أحمد عبيد، من مدرسة الثمامة الثانوية للبنات، للجزيرة نت إن التطور الرقمي أتاح لجيلها فرصا للتعلم واكتشاف مجالات جديدة ومشاركة الأفكار، بل وصنع لها أثرا وهي لا تزال طالبة، وفي المقابل، تجعلها كثرة ما تراه تشعر أحيانا بأن عليها أن تكون متفوقة ومبدعة وقائدة في مجالات عدة دفعة واحدة. وتقول إن التحدي الحقيقي هو معرفة "أي الخيارات فعلا تمثلنا وتستحق وقتنا".
وتجد أن الأصعب من تحديد الطريق هو الاستمرار فيه من دون مقارنة النفس بالآخرين، فمشاهدة إنجازاتهم يوميا قد تجعلها تتساءل إن كانت قد تأخرت أو اختارت مسارا خاطئا، رغم اقتناعها به. وتشير إلى أن ما يعرض على المنصات ليس الحياة كاملة، بل الجزء الذي اختار أصحابه إظهاره منها؛ لذلك، كما تقول، "اختلاف التوقيت لا يعني اختلاف القيمة".
وتتمنى الطالبة هيام أن يدرك الجيل الأكبر أن سهولة الوصول إلى المعلومات والفرص لم تجعل حياة الشباب سهلة بالضرورة. فمع اتساع الفرص، اتسعت المقارنات واشتد الضغط لإثبات الذات. وتؤكد أن تجربة طرق مختلفة لا تعني رفض ما تعلمه الشباب ممن سبقوهم، بل محاولة البناء عليه في عالم يتغير.
مصدر الصورة
مصدر جديد للإجابات
ويرى الدكتور عثمان عمرجي، مدير دراسات البيانات العالمية في معهد يقين للبحوث الإسلامية، في حديث للجزيرة نت، أن الأسرة لا تزال صاحبة التأثير الأكبر في تشكيل هوية الشاب المسلم، "لكن عليها أن تفهم ما تغير في العالم وأن تكيف أساليبها التربوية مع العصر الرقمي".
ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يطرح تحديا جديدا أمام الأسر والمجتمعات. فالشباب يحتاجون، بحسب رأيه، إلى مرشدين وأشخاص يتحاورون معهم، بينما بات بإمكانهم الحصول على إجابات فورية عن أسئلتهم من أدوات الذكاء الاصطناعي. ويخشى أن يقلل الاعتماد عليها من تفاعلهم الهادف مع البالغين المهمين في حياتهم، أو أن يؤثر الاعتماد المتزايد عليها في مهارات التفكير النقدي لديهم.
وتكشف ملاحظته عن سؤال يتجاوز سرعة الوصول إلى المعلومة: من يساعد الشاب على مناقشة الإجابة وفهمها ومراجعتها، بدل الاكتفاء بتلقيها؟
مصدر الصورة
علاقات تبحث عن عمق
ومن زاوية العلاقات والمشاعر، تقول الدكتورة حنان القطان، مؤسس ومدير مركز اتزان للاستشارات والتدريب النفسي والتربوي، للجزيرة نت إن اتصال الشاب بمئات الأشخاص لا يعني بالضرورة أن يجد بينهم من يستطيع أن يظهر أمامه على حقيقته. وتدعو للتمييز بين كثرة الاتصال وعمق التواصل، وترى أن الوحدة ترتبط بالفجوة بين العلاقات التي يرجوها الإنسان وتلك التي يعيشها فعلا.
وتحذر القطان من أثر المقارنة المتكررة عبر المنصات؛ فالشاب قد يقيس تفاصيل حياته بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ومع الوقت، قد تتغير نظرته إلى ما أنجزه وإلى ما يملكه، وإن كانت المنصات نفسها قد فتحت له أبوابا للتعلم والتواصل.
وفي تناول القلق والحزن، تدعو القطان إلى الدقة في تسمية المشاعر، فالتعرف إلى الألم وطلب المساعدة عند الحاجة أمران مهمان، لكن وصف كل ضيق عابر بأنه اضطراب نفسي قد يجعل الشاب يقرأ تجربته قراءة لا تعينه على فهمها. وتلخص رؤيتها في الاعتراف بالمشاعر من دون تحويل كل شعور مؤلم إلى تعريف دائم للذات.
ولا تدعو القطان إلى هجر وسائل التواصل، بل إلى استعادة القدرة على تحديد وقت استخدامها، والانتباه إلى أثر ما يتابعه الشاب، وإفساح مكان في يومه لعلاقة حقيقية ووقت بعيد عن الشاشة.
مصدر الصورة
هوية تتيح المشاركة
أما الشيخ علي حمودة، الباحث والمتخصص في نظرية القيادة الإسلامية، فيرى، في حديث للجزيرة نت، أن الحفاظ على المرجعية الدينية لا يقتضي عزلة الشاب عن العالم. وأضاف أن الطريق يبدأ بتعلم الدين وتعزيز الصلة بالله وفهم ما يؤمن به الشاب ولماذا يؤمن به، ثم مخالطة الناس والتعلم من خبراتهم والإسهام في واقعهم. وبهذا، تصبح المرجعية ميزانا لما يقبل ويرفض، لا حاجزا يمنعه من المشاركة.
ويرى حمودة أن الخطاب الديني الموجه إلى الشباب يحتاج إلى تجديد أسلوبه ووسائله، وإلى الإصغاء لما وراء السؤال الظاهر. فقد يسأل الشاب عن حكم شرعي، بينما تتصل حيرته، في العمق، بمعنى الحرية أو العدل أو الغاية. ولذلك يؤكد أهمية أن يجد الشاب مساحة آمنة للسؤال، وشرحا للدليل، وإقرارا بحدود المعرفة حين لا تتضح الإجابة.