في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- باتصال هاتفي من جار لها، بدأت هالة سمعان داود من بلدة الزبابدة، إلى الجنوب الشرقي لمدينة جنين شمال الضفة الغربية، نهارها. إذ أخبرها عن إتمام استعداداته الأخيرة للسفر مع عائلته نهائيا، سعيا إلى الاستقرار في إحدى الدول الأوروبية.
ورغم معرفتها نيته الهجرة مع زوجته وأولاده، تقول هالة، رئيسة بلدية الزبابدة، إنها لم تتوقع أن ينجز إجراءات السفر بهذه الجدية والسرعة.
وهذا الجار، الذي فضل عدم الكشف عن هويته كي لا تتأثر إجراءات سفره، ليس حالة وحيدة في البلدة، بل بات كثيرون هنا يخططون للأمر ذاته، ويعزون ذلك إلى أسباب خارجة عن إرادتهم، أهمها الاحتلال الإسرائيلي وممارساته.
داخل مقر البلدية، حيث توجد هالة، كان زميلها مهندس البلدية وليام عبد الله يشاركها أفكاره عن نيته الهجرة مع زوجته وطفلته، لكنه لا يعلم متى تتحول هذه الأفكار إلى واقع.
يقول وليام -للجزيرة نت- إنه حفظ على هاتفه المحمول إعلانا عبر صفحات منصات التواصل الاجتماعي، لمكتب متخصص في تقديم طلبات الهجرة واللجوء إلى عدة دول أوروبية، لأن فكرة الهجرة إلى بلد آخر باتت تراوده كثيرا، خاصة مع كثرة مثل هذه الإعلانات وسهولة الوصول إليها.
ورغم أنه يمتلك سكنا خاصا، ويعيش في وضع اقتصادي مستقر لأنه يعمل وزوجته في وظيفتين ثابتتين، فإن التفكير في الهجرة لا يقتصر على من يعاني البطالة، لأن الأساس الذي يدفع الناس إلى الهجرة هو ضبابية المستقبل في هذا البلد.
يضيف وليام "الإنسان يمكن أن يتعايش مع تردي الوضع الاقتصادي، ويتحايل عليه ليتدبر أموره بما تيسر، لكنه لا يمكن أن يعتاد الخوف وعدم الأمان وانعدام الأفق". ثم يذكر ابن عمه الضابط في الشرطة الفلسطينية رؤوف إيميل، الذي اعتقله الاحتلال قبل أيام فقط.
ويقول: "للأسف، لا تكاد تخلو اجتماعات الشباب وجلساتهم من تداول فكرة السفر والهجرة والاستقرار في الخارج. في محيطي، أعرف شابين و3 عائلات هاجرت فعلا منذ العام الماضي".
وتُعد الزبابدة أكبر تجمع مسيحي فلسطيني شمال الضفة الغربية، إذ يشكل المسيحيون نحو 67% من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة. ويعمل عدد كبير منهم في الوظائف الحكومية والأعمال التجارية الحرة.
غير أن العدد الأكبر من شبابها اعتمد، حتى وقت طويل، على العمل داخل الخط الأخضر، قبل أن تمنع إسرائيل عمال الضفة الغربية من العمل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في حين يتوزع بضع مئات من المسيحيين في عدة قرى في محافظة جنين، منها برقين، ودير غزالة، وكفر قود.
بحسب بلدية الزبابدة، فإن تراجع الوضع الاقتصادي كثيرا داخل البلدة، إضافة إلى تكرار الاقتحامات الإسرائيلية، وزيادة الخطر المتشكل بفعل إقامة المستوطنات في محيطها، جعل تداول الفكرة في الشارع وبين العائلات أكثر اتساعا.
وعلى مدى الـ20 عاما الماضية، تقول رئيسة البلدية إن الجيل الشاب وحتى عائلاتهم، لم يعيشوا مشاهد تجول المستوطنين في الشوارع المحيطة بالبلدة، أو بجوار المنازل وفي الأراضي الزراعية، "لكننا سجلنا مؤخرا، ومنذ بناء مستوطنة "نوعا" المطلة على البلدة، اقتحام مستوطنين مسلحين وسط البلدة وتجولهم فيها، إضافة إلى توغل الجيش على نحو شبه يومي ومحاولتهم استفزاز الناس".
وتضيف: "أحيانا يتمركزون أمام المسجد، منتظرين خروج المصلين للتعرض لهم، وفي الليل يداهمون المنازل ويتعرضون للأهالي بالاعتداء والاستجواب ويدمرون الممتلكات. كل ذلك خلق شعورا بانعدام الأمن في البلدة، فالكل معرض للاستهداف".
وتُعد الزبابدة حلقة الوصل بين محافظتي جنين و طوباس شمال شرق الضفة الغربية، وتشكل بوابة جنين من الناحية الجنوبية الشرقية، وتقع على ما يُعرف بالشارع الالتفافي الذي يُعد مخرج البلدة إلى القرى المجاورة والمحافظة عموما.
وبعد العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة على منطقة جنين وشمال الضفة تحت عنوان "السور الحديدي" منذ مطلع عام 2025، والتي أدت إلى تهجير أكثر من 21 ألف فلسطيني من مخيم جنين، لجأ ما يقارب 1200 منهم للعيش في بلدة الزبابدة.
وينعكس الواقع الاقتصادي والأمني مباشرة على الحياة اليومية لسكان البلدة، التي شهدت حالات سفر عائلات بعد بيع أملاكها إلى دول مثل فرنسا وألمانيا.
وتقول رئيسة البلدية: "المشكلة أن فكرة السفر ليست بالسهولة التي يتم الحديث عنها. أحيانا تضطر العائلات إلى الاستغناء عن كل شيء في سبيل مستقبل تعتقد أنه سيكون متوفرا في الخارج، لكنها تصطدم بواقع صعب، ولا تقوى على التحمل، فتعود إلى هنا مرة أخرى، وبذلك تكون قد خسرت أملاكها وزادت أوضاعها تعقيدا".
وتذكر هالة سمعان، وهي محامية أيضا، مثالا على واقع الهجرة التي يُدفع إليها المجتمع الفلسطيني بالضفة الغربية، ولا سيما بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، وبفعل الضغط الاقتصادي خاصة. وتقول إن محافظة جنين وحدها سجلت تراجعا في عدد المحامين في الأعوام الأخيرة، حيث تناقصت أعدادهم من 1200 إلى 800، إذ سافر غالبيتهم إلى الخارج.
وبحسب رئيسة البلدية هالة سمعان، فإن الوجود المسيحي يتغير باستمرار، وخاصة في فترات الأزمات والحروب. فعلى سبيل المثال، تحولت دير غزالة شمال شرقي جنين من قرية مسيحية إلى مسلمة بعد هجرة المسيحيين منها "ولم يتبق فيها سوى 4 مسيحيين فقط"، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
واليوم ترى أن هذا التغيير الديموغرافي ينتقل إلى الزبابدة التي تأثرت على مدى السنوات الماضية، فالشباب المسيحي والعائلات يتلقون تسهيلات معينة، ليس أقلها الإجراءات الميسرة في تقديم طلبات الهجرة للدول الأوروبية.
وأضافت أن العالم يلعب على الوتر الطائفي في المنطقة، "لذا نرى تسهيلات تُقدم للعائلات المسيحية في محاولات لتفريغ فلسطين من الوجود المسيحي. والشباب الذين يوضعون أمام خيارين، إما العيش في ظرف قاهر وإما الهجرة إلى مستوى اقتصادي وأمني أفضل، بكل تأكيد سيختارون الهجرة".
أما راعي الكنيسة الأرثوذكسية في البلدة الأب فراس خوري دياب -وهي واحدة من 4 كنائس تتوزع داخل الزبابدة- فيرى أن الصراع في فلسطين يخص المسيحي والمسلم، وأن إسرائيل لا تفرق بينهما في التعامل والاعتداء.
ويؤكد للجزيرة نت أن قرابة 5 عائلات من رعيته، التي تتكون من 40 عائلة في البلدة، طلبت منه شخصيا مساعدتها في تقديم طلبات للهجرة، مشيرا إلى أنه يعلم بوجود نحو 70 طلبا لعائلات مسيحية من الزبابدة قدمت إلى الجهات المختصة بهدف الهجرة.
ووفقا له، فإن حياة الشباب الصعبة، وتزايد فقدان الأمان، وتقييد الحركة، إضافة إلى إحساسهم بالتهديد الوجودي، كل ذلك يدفعهم إلى خندق ضيق، نهايته الهروب من هذه البيئة الطاردة.
ويضيف أن الاحتلال نجح في تغيير الجغرافيا، وتغيير أسماء المناطق، وسرقة الأرض التي هي مصدر الانتماء، وهو ما يسهم في تغيير هوية الناس هنا، والبحث عن جغرافيا تعطي الشباب الأمان وسبل العيش الكريم.
ويرى دياب أن الوجود المسيحي "يمثل تكذيبا لرواية الاحتلال بأن هذه أرض الميعاد للشعب الإسرائيلي، لذا فهو يتعامل مع هذا الوجود بوصفه عدوا يجب طرده من فلسطين لتسهيل السيطرة عليها ".
عشية النكبة الفلسطينية عام 1948، كان عدد المسيحيين في فلسطين التاريخية، بحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يقارب 145 ألف نسمة، أي نحو 7.6% من مجموع السكان البالغ حينها نحو 1.9 مليون نسمة، وفق تقديرات ديموغرافية لما قبل الاحتلال.
أما اليوم، فوفق التعداد العام للسكان الذي أجراه الجهاز نفسه عام 2017، لا يتجاوز عدد المسيحيين في الضفة الغربية و القدس الشرقية وقطاع غزة مجتمعة 47 ألف نسمة، أي نحو 1% فقط من سكان الأراضي الفلسطينية.
ووفقا للجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، يتركز أغلب المسيحيين في محافظة بيت لحم (22-25 ألفا)، ويليها رام الله والبيرة (نحو 10 آلاف)، ثم القدس (8-10 آلاف)، في حين لم يتجاوز عددهم في غزة بضعة آلاف قبل حرب الإبادة الأخيرة، وتراجع بصورة لافتة مع استمرارها.
وسط بلدة الزبابدة حيث يعيش المسلمون والمسيحيون معا (الجزيرة)المقبرة المسيحية في بلدة الزبابدة (الجزيرة)تراجع أعداد المسيحيين بفلسطين منذ النكبة وحتى اليوم (الجزيرة)كنيسة القديس جاورجيوس في الزبابدة واحدة من 4 كنائس في البلدة (الجزيرة)المسيحيون يشكلون 67% من سكان الزبابدة ويعانون أوضاعا اقتصادية وأمنية صعبة (الجزيرة)كثير من المسيحيين في بلدة الزبابدة باتوا يفكرون جديا بالهجرة مع عائلاتهم وفق مسؤولين محليين (الجزيرة)الوجود المسيحي قديم جدا في الزبابدة لكنه أصبح اليوم مهددا بفعل اتساع دائرة الهجرة (الجزيرة)مبنى الكنيسة الأرثوذكسية بجانب مسجد البلدة حيث يعيش المسلمون والمسيحيون معا في الزبابدة (الجزيرة)عيادة المستشفى الإنجيلي العربي في الزبابدة التي يشكل المسيحيون غالبية سكانها (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة