آخر الأخبار

تفاصيل جديدة تكشف أسرار عملية البيجر.. كيف خدع الموساد حزب الله بخطة عمرها 20 عاماً؟

شارك

حتى بعد بدء الانفجارات بدقائق، لم يكن الموساد يعرف مدى نجاح العملية، إذ لم تكن لديه وسيلة للتتبع عن بُعد لمراقبة ما كان يحدث على الأرض.

كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية عن تفاصيل جديدة بشأن عملية تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي التي استهدفت عناصر من حزب الله في سبتمبر 2024.

وأشارت الصحيفة إلى أن العملية كانت ثمرة سنوات من التخطيط الإسرائيلي، وباغتت الحزب وأذهلت واشنطن، في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية جرأة في التاريخ الحديث، وفق تحقيق للصحيفة.

وبحسب التحقيق، بدأت أجهزة البيجر عند الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر 17 سبتمبر 2024 بإصدار أصوات التنبيه والاهتزاز في بيروت ومناطق مختلفة من لبنان، لتنبه عناصر حزب الله إلى وصول رسالة من قيادتهم.

لكن الرسالة، وفق "جيروزاليم بوست"، لم تكن من حسن نصر الله أو أي مسؤول آخر في التنظيم. وبعد أقل من عشر ثوانٍ، انفجرت الأجهزة، ما أحدث حالة من الهلع في صفوف حزب الله ولبنان وإيران، ووصلت تداعياتها إلى البيت الأبيض.

وتروي الصحيفة أن الانفجارات باغتت عناصر حزب الله، فسقط بعضهم عن دراجاتهم النارية، بينما انهار آخرون داخل متاجر كبرى وهم يتلوون من الألم، فيما تصاعد دخان من جيوبهم أو أحزمتهم أو بين أصابعهم. وسرعان ما اتضح أن الأمر يتعلق بعملية تخريب واسعة النطاق.

ويقدّر تحقيق "جيروزاليم بوست" أن تفجير أجهزة البيجر أدى إلى مقتل أو إصابة نحو 3500 من عناصر حزب الله، إلى جانب مقتل ما بين طفلين وأربعة أطفال وإصابة عدد آخر من المدنيين. غير أن ما أثار انتباه معظم المراقبين، بحسب الصحيفة، كان مستوى الدقة في استهداف العملية لعناصر الحزب.

وقال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، للصحيفة إن العملية كانت "أكثر عمليات استهداف سلسلة الإمداد إثارة للإعجاب في تاريخ الاستخبارات الحديثة، وربما في التاريخ كله"، معتبرًا أن إصابة هذا العدد الكبير من عناصر حزب الله مع إلحاق أذى محدود بالآخرين كان أمرًا غير مسبوق بالنسبة إلى عملية بهذا الحجم.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للصحيفة إن الأشخاص الذين يحملون أجهزة البيجر يكونون عادة من العناصر المهمين، ولا سيما العاملين في مواقع القيادة والسيطرة، "ولهذا السبب يحتاجون إلى أجهزة البيجر".

وفي اليوم التالي، وبينما كان حزب الله يحاول استعادة توازنه والبحث عن وسيلة اتصال بديلة، شهد لبنان موجة جديدة من الانفجارات استهدفت أجهزة اللاسلكي والهواتف المحمولة وأجهزة أخرى، وأصابت نحو 500 عنصر إضافي، وفق التحقيق.

وترى "جيروزاليم بوست" أن هذه التطورات شكّلت تحولًا كبيرًا بالنسبة إلى حزب الله، الذي كان يعتقد، قبل يوم واحد فقط، أنه يتمتع بدرجة كبيرة من الحصانة بفضل ترسانته الصاروخية الضخمة، وأنه نجح في ردع إسرائيل.

توتر في مقر الموساد

وبحسب التحقيق، كان التوتر يسود مقر الموساد في تل أبيب قبل عشر دقائق من الموعد المحدد لانفجار أجهزة البيجر، في الوقت الذي كانت فيه الشاشات الكبيرة مهيأة لاستقبال صور الأقمار الصناعية والتحديثات المباشرة من الميدان. وكان فشل العملية، وفق الصحيفة، يهدد بتقويض الثقة بالموساد، بعد استثمار أموال ضخمة وسنوات طويلة من العمل فيها.

كما كان أي خطأ قد يضع إسرائيل أمام خطر الانزلاق إلى حرب وصفها التحقيق بأنها قد تكون الأكثر تكلفة بالنسبة إليها منذ حرب الاستقلال.

وحتى بعد بدء الانفجارات بدقائق، لم يكن الموساد يعرف مدى نجاح العملية، إذ لم تكن لديه وسيلة للتتبع عن بُعد لمراقبة ما كان يحدث على الأرض. وفي تلك الأثناء، كان مدير الموساد دافيد برنياع، المعروف بهدوئه، يواجه لحظات من التوتر، بحسب الصحيفة.

ولم يبدأ عناصر الموساد في التقاط أنفاسهم إلا بعد وصول تقارير إعلامية عن وقوع انفجارات في بيروت ومناطق أخرى من لبنان، وصولًا إلى سهل البقاع، معقل حزب الله.

ومع اتضاح اتساع نطاق الانفجارات، بدا أن العملية تسير وفق المخطط وأن الحزب تلقى ضربة قوية. وقال نتنياهو للصحيفة: "كنا نُعد لهم مفاجأة. لم يكونوا يعرفون ما الذي أصابهم".

إبلاغ واشنطن بالعملية

كانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ، بحسب التحقيق، مصدومة من العملية بقدر حزب الله تقريبًا.

وقال دان شابيرو، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والسفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل في عهد باراك أوباما، إن المسؤولين الأمريكيين تلقوا في 17 سبتمبر 2024 طلبًا لإجراء اتصال هاتفي عاجل.

وأوضح شابيرو للصحيفة أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت أبلغ نظيره الأمريكي لويد أوستن بأن إسرائيل تمتلك "قدرة خاصة" تعتزم استخدامها في لبنان، دون كشف تفاصيل هذه القدرة أو كيفية عملها، واكتفى بإطلاع أوستن عليها مسبقًا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى مقرّب من نتنياهو قوله في يوم تفجير أجهزة البيجر: "كان الهدف الأمريكي منذ البداية هو خفض التصعيد. أما هدفنا فهو الفوز بالحرب".

وأضاف شابيرو أن غالانت ظل متحفظًا بشأن تفاصيل العملية حتى اللحظة الأخيرة.

وقال: "عندما انتهى الاتصال، كنا لا نزال في حالة من الارتباك بشأن ما كان يصفه لنا. لكن بعد أقل من 30 دقيقة، بدأنا نشاهد تقارير على شبكة CNN ومحطات تلفزيونية أخرى عن وقوع انفجارات في لبنان".

وبهذه الطريقة، عرف المسؤولون الأمريكيون طبيعة "القدرة الخاصة" الإسرائيلية، مثلهم مثل بقية العالم، من خلال متابعة الأخبار.

ووصف شابيرو العملية بأنها "غير معتادة"، معتبرًا أنها كانت في بعض جوانبها "مذهلة". وقال إن فريق بايدن شعر بقلق حقيقي من احتمال أن تؤدي العملية إلى تصعيد، لكنه أبدى في الوقت نفسه إعجابًا بطريقة تنفيذها.

وأوضح أن المسؤولين الأمريكيون أعجبوا بـ"الإبداع والابتكار والسرية والدقة في استهداف عناصر حزب الله، بما يضمن عدم تأثر المدنيين".

هجوم أغسطس الحاسم

ويعود التحول في حسابات نتنياهو بشأن الجبهة الشمالية، وفق "جيروزاليم بوست"، إلى 25 أغسطس 2024، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من تفجير أجهزة البيجر.

ففي ذلك اليوم، كان حزب الله يخطط لإطلاق عدة مئات من الصواريخ، وربما ما يصل إلى ألف صاروخ، بينها صواريخ تستهدف مقار للاستخبارات الإسرائيلية شمال تل أبيب.

لكن الجيش الإسرائيلي، بحسب التحقيق، تمكن من إحباط الهجوم وتدمير معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي كان الحزب يعتزم استخدامها، إضافة إلى آلاف الأسلحة الأخرى، قبل إطلاقها. وأدى ذلك إلى تعزيز ثقة نتنياهو بقدرة إسرائيل على استغلال تفوقها العسكري، وفق الصحيفة.

وتقول "جيروزاليم بوست" إن نتنياهو بدأ يفكر في إمكانية تجنب خسائر بشرية إسرائيلية كبيرة في حال اندلاع حرب شاملة، عبر تدمير عدد كبير من صواريخ حزب الله ومنصات إطلاقها بشكل استباقي، بما يقلص حجم الخسائر الإسرائيلية.

وكان السؤال، وفق التحقيق، يتمثل أيضًا في إمكانية منع الحزب من تنفيذ هجوم فعال للرد على الضربات الإسرائيلية.

وبحسب الصحيفة، كانت هذه الفكرة من العوامل التي غيّرت مسار المواجهة على الجبهة الشمالية.

خطة بدأت قبل نحو عقدين

أما قصة أجهزة البيجر واللاسلكي، فتعود، وفق تحقيق "جيروزاليم بوست"، إلى نحو عقدين، حيث يقول التحقيق إن يوسي كوهين وضع، في عهد رئيس الموساد آنذاك مئير داغان، بين عامي 2002 و2006، الأسس الأولى لهذه الخطة.

وترأس داغان الموساد لمدة تسع سنوات، بين عامي 2002 و2011، وهي فترة طويلة بصورة استثنائية.

وبحسب الصحيفة، أصبح داغان شخصية أسطورية في إسرائيل، ونُسب إليه دور في حملة اغتيالات استهدفت علماء نوويين إيرانيين على مدى سنوات، إلى جانب الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي السوري عام 2007، وهجوم "ستوكسنت" السيبراني على البرنامج النووي الإيراني عامي 2009 و2010، وغيرها من العمليات. أما يوسي كوهين، فتولى لاحقًا رئاسة الموساد بين عامي 2016 و2021.

وبحلول عام 2014، أراد الموساد والاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بحسب التحقيق، توسيع نطاق عمليات المراقبة والتخريب لتشمل أجهزة اللاسلكي التي يستخدمها حزب الله.

وكان تامير باردو يرأس الموساد آنذاك، فيما كان هرتسي هاليفي على رأس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وعمل الاثنان على خطة تتيح استخدام أجهزة اللاسلكي أداة للمراقبة، وتحويلها في الوقت نفسه إلى سلاح يمكن استخدامه في حال اندلاع حرب شاملة بين الطرفين.

وقال عميل سابق في الموساد، استخدمت الصحيفة اسم "مايكل" للإشارة إليه، خلال مقابلة مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة CBS: "كان جهاز اللاسلكي سلاحًا، مثل الرصاصة أو الصاروخ أو قذيفة الهاون".

وكشف العميل السابق أن الجهاز كان يحتوي على بطارية مصنّعة في إسرائيل داخل منشأة تابعة للموساد، وتتضمن عبوة متفجرة.

وصُممت أجهزة اللاسلكي بحيث توضع في الجيب الصدري للسترة العسكرية التي يرتديها مقاتلو حزب الله. وبحسب المصدر الذي تحدثت إليه الصحيفة، اشترى الحزب أكثر من 15 ألف جهاز منها.

وقال "مايكل" بسخرية: "لقد حصلوا على سعر جيد"، مضيفًا أن السعر لم يكن من الممكن أن يكون منخفضًا جدًا، لأن ذلك كان قد يثير شكوك حزب الله.

لكن أجهزة اللاسلكي كانت تعاني من محدودية مهمة، إذ كان مقاتلو حزب الله، وفق التحقيق، يُتوقع منهم حملها فقط أثناء الحرب أو التدريبات العسكرية، ما يعني أنها كانت في معظم الأيام متوقفة داخل الثكنات.

وبالنسبة إلى الموساد، لم يكن ذلك كافيًا، إذ أراد الجهاز زرع أجهزة لدى عناصر حزب الله يحملونها معهم طوال الوقت.

الهواتف المحمولة لم تكن خيارًا

أما الهواتف المحمولة فلم تكن خيارًا مناسبًا، وفق التحقيق، إذ كان حسن نصر الله يحذر عناصر حزب الله من أن إسرائيل تستخدم شبكات الهاتف المحمول لتعقبهم، ويدعوهم إلى العودة إلى وسائل اتصال بدائية لتجنب الرصد.

ونقل التحقيق عن نصر الله قوله لأنصار الحزب: "تسألني أين العميل؟ أقول لك إن الهاتف الذي في يدك هو العميل". وأضاف: "ادفنه، ضعه في صندوق حديدي وأغلقه".

وكان نصر الله يفضل أجهزة البيجر لأنها تتيح استقبال الرسائل من دون الكشف عن موقع مستخدمها، وكان يعتقد أنها أكثر أمانًا.

لكن، بحسب تحقيق "جيروزاليم بوست"، شكّل هذا الاعتقاد تحديدًا الثغرة التي كان الموساد يبحث عنها.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا