آخر الأخبار

زيارة الرئيس الصيني.. القاهرة بين رهانات اقتصادية وحسابات النفوذ والمنافسة

شارك

القاهرة- كشف مصدر دبلوماسي مصري للجزيرة نت، على هامش زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة، عما أسماه تنافسا يصل حد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين للاستحواذ على النصيب الأكبر من الاقتصاد الرقمي المصري وصناعة مراكز البيانات.

ولا تبدو زيارة الرئيس الصيني إلى مصر مجرد محطة في مسار العلاقات المتنامية بين القاهرة و بكين، بقدر ما تحمل رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود البلدين، في وقت تتسع فيه المنافسة الصينية الأمريكية على النفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتمثل فيه مصر إحدى الساحات المهمة للتنافس.

مصدر الصورة الرئيس الصيني شي جين بينغ يسير مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي (يمين) لدى وصوله إلى مطار القاهرة الدولي (رويترز)

وقال الدبلوماسي المصري إن "الزيارة مهمة بالطبع، من حيث توقيتها ومجالات التعاون الكبيرة بين البلدين، لكن أهم جانب هذه المرة في المباحثات المعمقة بين الجانبين هو ما يتعلق بالاقتصاد الرقمي، وتحديدا صناعة مراكز البيانات، لما يمثله ذلك من أبعاد اقتصادية، وأخرى متعلقة بأمن المعلومات"، لافتا إلى أن هذا الملف شغل حيزا واسعا من جلسة المباحثات المشتركة الموسعة.

مصدر الصورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ يشهدان توقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة (‎المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

مراكز البيانات

حديث المصدر الدبلوماسي المصري عززه ما جاء في بيان مشترك مصري صيني صادر عقب جلسة المباحثات الموسعة بين الجانبين في قصر الاتحادية بالقاهرة، إذ أوضح البيان المكون من 21 بندا، في بنده السادس، أن الجانبين اتفقا على العمل من أجل تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة التعاون في بناء الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بجانب تشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، في مجالات عدة بينها الاقتصاد الرقمي.

إعلان

من ناحيته، قال الدكتور محمد حجازي، خبير التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل أبعادا إستراتيجية واقتصادية وتكنولوجية متزايدة الأهمية، خصوصا في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على ريادة قطاع التكنولوجيا عالميا، وبصفة خاصة تطوير البنية التحتية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

وأوضح حجازي للجزيرة نت أن تنفيذ مشروعات مشتركة مع الجانب الصيني لإنشاء مراكز البيانات ومراكز المعلومات ومنشآت الحوسبة السحابية في مصر يمكن أن يعزز موقعها بوصفها مركزا إقليميا للبيانات، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومرور أكثر من 18 كابلا بحريا للإنترنت عبر أراضيها، تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويشير الرئيس السابق لمكتب الملكية الفكرية بهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات إلى أن استثمار هذه الميزة يتطلب الانتقال من مجرد كون مصر نقطة عبور للبيانات إلى استضافة البيانات ومعالجتها وتخزينها محليا، بما يرفع القيمة الاقتصادية لهذه البنية التحتية ويعزز مكانة مصر في قطاع تكنولوجيا المعلومات إقليميا.

ويوضح حجازي الفرص الكبيرة خلال المباحثات المصرية الصينية التي جرت على مستوى الرؤساء، لتعزيز التعاون مع الشركات الصينية لنقل تقنيات متطورة إلى السوق المصرية، وتوفير رقائق ومعالجات حديثة تلبي احتياجات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، مضيفا أن هذه الشراكة قد تتيح لمصر الحصول على حلول تكنولوجية متقدمة بتكاليف تنافسية، بالتوازي مع نقل الخبرات والمعرفة الفنية وتطوير مهارات الكوادر المصرية العاملة في القطاع.

مصدر الصورة جلسة مباحثات مصرية صينية بمشاركة كبار المسؤولين في البلدين (‎المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

رهان اقتصادي

من جانبها، ترى الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة بجامعة القاهرة، أن القاهرة تعول كثيرا على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين، في وقت تعمل فيه جاهدة على تجاوز الآثار السلبية للاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية.

وتقول الخبيرة الاقتصادية للجزيرة نت إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل دلالات سياسية واقتصادية إيجابية، ومن المتوقع أن تنعكس نتائجها على أداء الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، خاصة مع توجه الصين إلى نقل عدد من المشروعات والتكنولوجيات المتطورة إلى السوق المصرية، بما يمثل نقلة نوعية في مسار التنمية الاقتصادية.

وأضافت المهدي، في تصريحات للجزيرة نت، أن الاتفاقيات التي أبرمها الرئيس الصيني مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته للقاهرة من شأنها دعم الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، لا سيما في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي انعكست سلبا على أداء الاقتصاد المصري خلال الأشهر الماضية.

وتعتقد المهدي أن زيارة شي جين بينغ يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات المصرية الصينية، تقوم على توسيع نطاق الشراكة الاقتصادية وتعزيز التعاون في القطاعات الإنتاجية والصناعات الحديثة، وهو ما قد ينعكس إيجابا على معدلات النمو الاقتصادي، ويدعم التوسع في الصناعات الجديدة والمتطورة داخل مصر.

إعلان

وفي السياق، يشير الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل والاستثمار، إلى بعد آخر في حرص القاهرة على تعزيز شراكتها الاقتصادية مع بكين، حيث تسعى مصر لتنويع شراكاتها الاقتصادية مع الدول الكبرى بهدف توطين الصناعات الثقيلة والمتوسطة، وهي قطاعات تتمتع فيها الصين بخبرات واسعة، متوقعا خلال حديثه للجزيرة نت أن تسهم زيادة حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في مصر في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات ودعم معدلات النمو خلال الفترة المقبلة.

ونوه بدرة إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20 مليار دولار خلال العام الماضي، متوقعا أن يرتفع هذا الرقم بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة مع تنامي التعاون والاستثمارات بين البلدين، لافتا إلى أن هناك نحو 3 آلاف مصنع صيني داخل مصر، بينها نحو 200 مصنع في المنطقة الاقتصادية بمدينة العين السخنة.

كما يوضح بدرة أن الاتفاقيات الجديدة الموقعة بين الجانبين خلال الزيارة من شأنها دعم الصناعة المصرية وتعزيز قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الأفريقية، خاصة مع التوسع المتوقع في صناعات السيارات والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة.

رسائل سياسية

أكد الجانبان، حسب البيان المشترك، تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر. وجاء في المقدمة تأكيد الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، إذ دعا الجانبان كل دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر.

في المقابل، أكد الجانب المصري رفضه التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، ودعم موقف الجانب الصيني من القضايا التي تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين.

حسابات القاهرة مع واشنطن

في هذا الإطار، لفت أستاذ العلاقات الدولية حامد فارس إلى التعامل المصري الحذر بشأن التقارب مع الصين، نظرا لما يحمله ذلك من حساسية مع الإدارة الأمريكية، قائلا للجزيرة نت إن مصر -وهي تتحرك في هذا الملف- تتحسس خطواتها في وقت هي شديدة الحرص فيه على علاقتها مع واشنطن، مشيرا في الوقت ذاته إلى ملف مهم في العلاقات مع بكين متمثل في التعاون العسكري من أجل تنويع تسليح الجيش المصري.

وأكد فارس أن التعاون العسكري بين مصر والصين أصبح مهما للغاية، خاصة في ظل الخبرات الصينية المتطورة في صناعة الأسلحة، قائلا إن "مصر تسعى إلى تنوع مصادر السلاح بما يمكنها من دعم قواتها المسلحة وجيشها ".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا