تستند إلى أسطورة ملحمية تاريخية، وتتألف من 7 طبقات بكلفة 3.6 مليار دولار، ويأتي إقرارها في سياق تموضعات وتحالفات عسكرية جديدة تمس آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ولكن ما الذي يغري أثينا في استدعاء التاريخ وهي تتأهب لحرب، ما دامت "درع أخيل" لم تمنعه من تلقي سهم قاتل في "طروادة" التي تخضع اليوم لسيادة تركيا، وما دام محمد الفاتح حطم لاحقاً أسوار بيزنطة وأزالها من التداول الحضاري لتحل مكانها إسطنبول؟
في ديسمبر/كانون الأول الماضي وصف وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس تركيا بأنها "التهديد الأول والرئيسي" لبلاده، خلال مناقشة البرلمان حول موازنة الدولة لعام 2026.
ولم يكن هذا التصريح نادرا من نوعه، فكثيراً ما يطغى "ألم الماضي" على تصريحات المسؤولين اليونانيين إزاء تركيا، بحيث يبدو وكأن لديهم رغبة في الانتقام أحياناً، ورهبة من هزيمة أخرى تلوح في الأفق في بعض الأحيان.
وأمام البرلمان، قال نيكوس ديندياس إن الإنفاق الدفاعي التركي يبلغ نحو 34 مليار دولار مقارنة بـ 7 مليارات دولار لليونان.
ووفق ديندياس فإن التهديد التركي لبلاده "ليس نظرياً أو مجرداً، بل هو تهديد معلن. ويرافقه تهديد بالحرب وتحدٍ يومي للسيادة اليونانية، ونزعة مراجعة للواقع القائم في بحر إيجه، وسياسة عدائية تجاه قبرص اليونانية".
انشغال اليونان بجراح الماضي التقى مؤخراً بخوف إسرائيل من المستقبل، فتمخضت عنهما "درع أخيل" واتفاقات ومناورات عسكرية كلها تتحسب لمواجهة مع أحفاد السلطان محمد الفاتح.
وبالفعل وقعت اليونان، الاثنين، اتفاق استيراد أنظمة دفاعية من إسرائيل بنحو 3.6 مليار دولار، ليكون هذا أكبر مبلغ تحصل عليه إسرائيل جراء صفقة تسليح.
يهدف الاتفاق لإنشاء شبكة دفاع متكاملة ومتعددة الطبقات تسمى "درع أخيل" لمواجهة الطائرات والصواريخ والمسيرات، وذلك عبر ربط قدرات الرصد والإنذار ووسائل الاعتراض ضمن منظومة واحدة.
وخلال الكشف عن المشروع، صرح ديندياس بأن البنية "الدفاعية" تتكون من سبع طبقات متكاملة، وستوفر إجراءات لمواجهة الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية والطائرات المسيّرة والسفن الحربية والغواصات.
والجزء الأكبر من قيمة العقد سيذهب إلى شركة رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة، حيث ستزود اليونان بمنظومات مقلاع داود (David’s Sling) المصممة لاعتراض الصواريخ الثقيلة والصواريخ الباليستية، ومنظومات SPYDER المتحركة المخصصة للتصدي للطائرات المسيّرة.
كما ستوفر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) منظومة Barak MX المصممة للدفاع ضد الطائرات والصواريخ.
ووفق التفاصيل المنشورة، سيتم التركيز على نشر بطاريات "سبايدر" في الجزر اليونانية القريبة من تركيا للحد من التفوق التركي الحاسم في مجال الطائرات المسيرة.
تندرج هذه الصفقة ضمن برنامج أوسع لتحديث القوات المسلحة اليونانية تصل قيمته إلى 32 مليار دولار حتى عام 2036.
ويأتي الإعلان عن الصفقة وسط تصريحات تؤكد اتفاق إسرائيل واليونان على اعتبار تركيا تهديداً وجودياً للبلدين بحكم تعاظم قوتها في الحاضر وسوابقها التاريخية في إخضاع الدول.
فبعد يوم من قصف إسرائيل قاعدة جوية عسكرية في شمال غربي سوريا، شدد بنيامين نتنياهو على أن تل أبيب لن تتسامح مع حشد عسكري تركي "يمتد جنوباً لأنه يهددنا".
وقال نتنياهو لشبكة "سي إن إن" إن تركيا "لديها طموحات عدوانية"، و"ليست قوة سلام وأمن"، وإن امتلاكها طائرات F-35 من شأنه أن "يدمر توازن القوى" في المنطقة.
وبرأي نتنياهو فإن "تركيا دولة عظيمة، لكنها تحتل نصف قبرص وتهدد اليونان بشكل متكرر. وتُحكم من قبل رجل يدعو علناً إلى تدمير إسرائيل."
وفي تصريحات جديدة نقلتها الصحافة الإسرائيلية، ذكر نتنياهو أن "وزير خارجية أردوغان قال إنه لا مكان للدولة اليهودية بين البشر، وإنه ينبغي، في جوهر الأمر، محوها من الوجود.. أما وزير داخليته فقال إنه يتطلع إلى أن يصبح حاكم القدس".
ومثل اليونان، تنظر إسرائيل إلى الماضي أيضاً، لكونها قامت عام 1948 على أرض فلسطين التي كانت تخضع للدولة العثمانية حتى عام 1917.
وفي مقال كتبه في صحيفة "جيروزاليم بوست"، أشار المحلل هيرب كينون إلى أن نتنياهو أمضى سنوات في تطوير تحالف في شرق المتوسط مع اليونان وقبرص بوصفه وسيلة لموازنة تركيا.
لكن "الشكوى ليست خطة عمل"، بحسب تعبير مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيور آيلاند الذي رأى أن تركيا تبدو مهتمة بصورة متزايدة ببناء حلقة نار سنية حول إسرائيل.
والآن بدأت خطة العمل بالفعل، حيث تعكس "درع أخيل" تمرد اليونان على التروي الأوروبي الأمريكي حول استعداء الأتراك.
ويرى الخبير العسكري التركي مراد أصلان أن اليونان أسيرة وهم أنها تستعد لسيناريوهات "كابوسية" متخيلة.
وفي ورقة منشورة على موقع المركز التركي للأبحاث الاستراتيجية SETA، اعتبر أصلان أن رئيس وزراء اليونان ووزير دفاعه "يقودان شعبهما تدريجياً نحو الكارثة، حيث فتحا الأراضي اليونانية أمام القواعد العسكرية التابعة لدول أخرى، ووضعا اليونان في صف إسرائيل فيما يتعلق بقضيتي غزة وإيران".
ويرى أصلان أن "هوس وزير الدفاع ديندياس بتركيا" يخلق معضلة أمنية جديدة، ويدفع اليونان نحو الصراع بدلاً من تحسين علاقاتها مع تركيا والتركيز على الازدهار، "ويُعد مشروع درع أخيل أحد أبرز تجليات هذا الهوس".
ولا يتوقف الخبير الأمني عند هذا الحد، بل يعتقد أن إسرائيل قادرة على تنفيذ سيناريوهات قد تستخدم فيها اليونان كقوة بالوكالة لخدمة أهداف طويلة المدى.
أما صحيفة "ألغماينر" الأمريكية المهتمة بالشأن الإسرائيلي فتتحدث عن شبكة أمنية أوسع تضم اليونان وقبرص وإسرائيل والولايات المتحدة بهدف تعزيز مواقعها الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط.
وتقول إنه في ظل التوجه المتزايد نحو تعاون عسكري أوثق بين إسرائيل واليونان، تستعد تركيا لسيناريوهات تمتد من تصاعد التوترات إلى اندلاع حرب محتملة.
وإذا كانت مقاربات اليونانيين والإسرائيليين إزاء تركيا يحكمها الهوس بعودة الماضي، فإنه من المناسب الحديث عن حجم قوة الدول الثلاث في الوقت الحاضر:
يتميز الجيش الإسرائيلي بالتفوق النوعي في مجالي التكنولوجيا والاستخبارات، ويضم 170 ألف جندي في الخدمة و435 ألفاً في الاحتياط.
ووفق موقع Global Firepower، يحتل الجيش الإسرائيلي المرتبة 15 عالمياً، ويمتلك أسراباً من المقاتلات الأمريكية المتطورة وكماً هائلاً من الدبابات والمدرعات، وأنظمة دفاع متطورة مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود.
لكن الجيش الإسرائيلي يعمل بقوة دفع خارجية، حيث يعتمد بنسبة 100% على المقاتلات الأمريكية فيما يتعلق بسلاح الجو، كما يتلقى من واشنطن الأسلحة المتطورة والذخائر والقنابل الخارقة للتحصينات.
وتعمل واشنطن على اعتراض الصواريخ التي ترسلها إيران لإسرائيل، وتزودها بالذخائر والأسلحة التي تستخدمها في ضرب المدن الفلسطينية المحتلة.
ووفق خبراء، يصعب تصور صمود إسرائيل في معركة دون دعم كلي من الولايات المتحدة التي تعمل أيضاً على تخليص إسرائيل من تبعات ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة وتمنحها غطاءً سياسياً في المحافل الدولية.
أما الجيش اليوناني فيحتل المرتبة 30 عالمياً، ويبلغ تعداده نحو 140 ألف جندي في الخدمة و200 ألف في الاحتياط، ولديه مقاتلات من طراز إف-16 الأمريكية ورافال الفرنسية.
وهذا الجيش الذي يُعتبر عضواً رئيسياً في حلف الناتو دخل حالة استنفار دائمة منذ سنوات بحكم التوترات في شرق المتوسط، ويمتلك أسطولاً بحرياً قوياً ودفاعات جوية غربية وروسية، ويرتبط بشراكات عسكرية مع الولايات المتحدة وفرنسا.
لكن الحالة التركية تختلف عن سابقتيها، حيث يعمل "جيش المحمديين" بقوة دفع ذاتية، معتمداً على صناعة محلية متطورة تغطي مختلف الأنشطة العسكرية.
يحتل الجيش التركي المرتبة 9 عالمياً والأولى في الشرق الأوسط والثانية في حلف الناتو، ويبلغ تعداده نحو 480 ألف جندي في الخدمة الفعلية ونحو 380 ألفاً في الاحتياط.
تمتلك تركيا أسراباً من مقاتلات إف-16 الأمريكية المحدثة، وأعلنت عن إنتاج KAAN وهي مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، ثنائية المحرك وقادرة على العمل في جميع الأحوال الجوية، وقد صُممت لتكون العمود الفقري لأسطول الطيران التكتيكي في سلاح الجو التركي.
وبشكل عام يمتلك سلاح الجو التركي 1000 طائرة عسكرية، وأنظمة دفاع عديدة إلى جانب ترسانة ضخمة من المسيرات المتطورة من طرز بيرقدار وأكينجي والعنقاء.
وفي الجانب البري، يمتلك الجيش التركي آلافاً من الدبابات والمدرعات وأنظمة المدفعية والصواريخ وجحافل من المقاتلين تتوزع على مختلف أرجاء البلاد.
أما البحرية التركية فتضم 180 قطعة نشطة، بينها حاملة الطائرات الوطنية المستقبلية (MUGEM) وحاملة الطائرات المسيرة (TCG Anadolu) و15 فرقاطة وعشرات الزوارق الهجومية و11 كاسحة ألغام و12 غواضة و35 سفينة تزود بالوقود.
وتُشكل المعدات والأسلحة المصنّعة محلياً حالياً أكثر من 80% من إجمالي تسليح الجيش التركي.
وهذه القوة الهائلة، جواً وبراً وبحراً، تستند إلى خبرة 700 سنة من القتال المتواصل، ما يعني أن المخاوف اليونانية والإسرائيلية لم تأتِ من فراغ.
ومؤخراً، حذر وزير الخارجية اليوناني جورجيوس جيرابيتريتيس تركيا من أن مرحلة ما سماه "الجمود الدبلوماسي السلبي" لليونان قد انتهت، مؤكداً أن بلاده "مستعدة بالكامل لأي سيناريو".
وقال: "أي محاولة للمساس بحقوقنا السيادية ستواجَه بكل الوسائل المتاحة لدينا. سنفعل كل ما يلزم، وسنرد على الاستفزازات من موقع القوة."
في المقابل، قال وزير الدفاع التركي يشار غولر -في رسالة مسربة لنائب بالبرلمان- إن الاستعدادات لمواجهة "أزمات وتوترات وحروب محتملة" في المنطقة المحيطة بتركيا مستمرة بالتنسيق الوثيق بين جميع مؤسسات الدولة المعنية.
وفي تحول لافت في التخطيط الاستراتيجي التركي، ربط غولر الاستعدادات لاحتمال نشوب حرب بالمخاوف المتزايدة بشأن توسع التعاون العسكري بين اليونان وإسرائيل، والذي تنظر إليه أنقرة باعتباره تحداً لمصالحها الأمنية في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط.
ووفقاً لغولر، تتابع تركيا باستمرار الأنشطة اليونانية في بحر إيجه وشرق المتوسط التي ترى أنها تنتهك "حقوق تركيا ومصالحها ومخاوفها" وتخالف القانون الدولي، مؤكداً أن أنقرة ستتخذ ما تراه مناسباً من خطوات ردّاً على ذلك.
كما أشار غولر في رسالته إلى أن التغيرات الجارية في جوار تركيا قد تخلق فرصاً جديدة لتعزيز المصالح الوطنية التركية، من دون أن يوضح طبيعة تلك الفرص.
ضباط من البحرية اليونانية يسيرون خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لحرب الاستقلال اليونانية، في أثينا (رويترز)والأربعاء الماضي، أكد أردوغان أن تركيا يجب أن تبقى قوية ومتحدة في مواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة، محذراً من أن بلاده لن تنحرف عن مسارها بسبب ما وصفه بالاستفزازات الخارجية
وأضاف "عندما تقتضي الحاجة يمكننا تأجيل كل شيء آخر، لكن عندما يتعلق الأمر بوطننا ومستقبل دولتنا وأمتنا فإننا لا ننحني لأحد. ليس أمامنا خيار سوى أن نبقى أقوياء ومتحدين ومتضامنين."
من وجهة النظر التركية، لم يعد الخلاف مع اليونان في بحر إيجه قضية ثنائية فحسب، بل أصبح جزءاً من إعادة اصطفاف أمني إقليمي أوسع، مع ازدياد اعتماد أثينا على التكنولوجيا والأسلحة الإسرائيلية، بالتزامن مع احتدام التنافس التركي الإسرائيلي في ملفات متعددة تمتد من شرق المتوسط إلى سوريا.
ووفقاً لتقرير نشرته وسيلة الإعلام اليونانية برو نيوز (Pro News)، فإن إسرائيل تدرس حتى سيناريوهات قد تمتد فيها أي مواجهة محتملة مع تركيا إلى شرق المتوسط وتشمل قبرص.
وزعم التقرير أن إسرائيل تقيّم خيارات لاستهداف مواقع عسكرية تركية في شمال قبرص، إذا رأت أن الوجود العسكري التركي هناك يشكل تهديداً لمصالحها.
وقد وصف نتنياهو الأسبوع الماضي أردوغان بأنه "ديكتاتور معادٍ للسامية"، وذلك بعد إعلان تركيا نيتها السعي لاستصدار مذكرة توقيف دولية بحقه على خلفية الإبادة الجماعية في غزة.
وبالإضافة إلى تحصين اليونان بـ "درع أخيل"، حصلت أيضاً قبرص على منظومة Barak MX الإسرائيلية لتعزيز قدراتها في الدفاع الجوي، في اصطفاف واضح بين الدول الثلاث ضد تركيا.
ووفق الخبير أصلان فإن هوس وزير الدفاع اليوناني بتركيا يدفع أثينا نحو الصراع "ويُعد مشروع درع أخيل مثالاً على هذا النهج".
جانب من مراسم توقيع اتفاقية مكة المكرمة بين قادة السعودية وباكستان وتركيا (رويترز)ورغم أن درع أخيل كانت قيد التفاوض منذ 3 سنوات، فإن الإسراع في تنفيذها يأتي وسط تطورات عسكرية لافتة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد وقّعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك، في 7 أغسطس/آب الماضي، فكانت حدثاً قوي الدلالة من حيث المكان والأطراف.
وإذا كانت إسرائيل واليونان وقعتا الاثنين اتفاقية درع أخيل، فإن إسطنبول استضافت الاثنين أيضاً الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الإستراتيجية المنبثقة عن " اتفاقية مكة للدفاع المشترك" وذلك بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان في الدول الثلاث.
ومكة المكرمة هي عاصمة العالم الإسلامي وأقدس بقاع الأرض، وباكستان دولة نووية وفي سجلها سوابق حربية، وتركيا القوة الأولى في الشرق الأوسط، والسعودية من أبرز الفاعلين في المنطقة وأكبر منتج للنفط في العالم.
ولعل هذا ما يشير إليه آيلاند بحلقة النار السنية، التي تثير مخاوف نتنياهو من عودة الوالي العثماني للقدس بالتزامن مع قلق ديندياس من تحطيم أسوار بيزنطة جديدة في عمق اليونان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة