آخر الأخبار

من تحت الركام إلى قاعات الطب.. كيف أنقذت جامعة تركية مستقبل أطباء من غزة؟

شارك

لم تكن الحرب في غزة تهدد حياة المدنيين والمنظومة الصحية فحسب، بل امتدت آثارها إلى طلاب الطب الذين وجدوا أنفسهم أمام سؤال قاس: كيف يواصلون تعليمهم وسط الدمار والنزوح وانهيار المستشفيات؟

في إسطنبول، حاولت جامعة "مدنيات إسطنبول" أن تقدم إجابة مختلفة، عبر برنامج أكاديمي استضاف طلاب الطب والأطباء الخريجين من غزة، ومنحهم فرصة لاستكمال تعليمهم وتدريبهم، بعدما قطعت الحرب الطريق أمام كثير منهم.

ويقود البرنامج البروفيسور أورهان عالم أوغلو، رئيس قسم الجراحة العامة بكلية الطب في الجامعة، الذي بدأت علاقته بالقطاع الصحي في غزة قبل أكثر من عقد، وتحديدا عام 2014، عقب الحرب التي استمرت 51 يوما، وأوقعت آلاف الجرحى وألحقت أضرارا واسعة بالمنظومة الصحية.

في ذلك الوقت، ساهم أوغلو في نقل حالات حرجة من غزة إلى تركيا للعلاج، ونسج علاقات مع أطباء ومؤسسات صحية وأكاديمية في القطاع. وعندما اندلعت الحرب الأخيرة، تحولت تلك العلاقة إلى مشروع لإنقاذ مسارات أكاديمية كان يهددها الانقطاع.

من النزوح إلى مقاعد الدراسة

مع اشتداد الحرب، نزح طلاب الطب من مناطقهم، وانقطعت سبل وصولهم إلى جامعاتهم وتدريبهم العملي، فيما واجهت المؤسسات التي حاولت مساعدتهم عقبات مالية وبيروقراطية وتنظيمية. لكن فريق الجامعة، بالتعاون مع مؤسسات وداعمين، تمكن من تجاوز تلك العقبات وتأمين وصول الطلاب وإقامتهم في تركيا، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى داخل قاعات الدراسة والمختبرات والمستشفيات، بدلا من الخيام ومراكز النزوح.

ويقول أوغلو إن رؤية الطلاب يصلون إلى الحرم الجامعي كانت من أسعد لحظات حياته، وإن حفل تخرج أول دفعة كان لحظة استثنائية من الفخر والسعادة، رغم أن عائلات الخريجين في غزة لم تستطع مشاركتهم فرحتهم إلا عبر شاشات الفيديو. وكانت أول دفعة تضم 16 طبيبا فلسطينيا، فيما ينتظر أن يتخرج 17 طالبا آخرين بنهاية العام الحالي.

100 طبيب لغزة

لكن المبادرة لا تتوقف عند إنقاذ سنوات الدراسة الضائعة، إذ يضع القائمون عليها هدفا أكبر يتمثل في تخريج ما لا يقل عن 100 طبيب غزي، ثم مساعدتهم في الحصول على التدريب والتخصصات الطبية التي تحتاج إليها المنظومة الصحية الفلسطينية.

إعلان

ويقول أوغلو إن الهدف هو بناء كوادر قادرة مستقبلا على المساهمة في إعادة تأسيس نظام صحي مستدام داخل غزة، مؤكدا أن التعافي الإنساني للقطاع لا يمكن أن يتحقق من دون استعادة قدرته الصحية. ويضيف أن المشروع لا يركز فقط على التعليم الطبي الأساسي، بل يريد أيضا فتح الطريق أمام الأطباء للحصول على تخصصات دقيقة، بما يضمن وجود خدمات صحية ذات جودة عندما تبدأ مرحلة إعادة بناء القطاع.

طبيبة تتخرج بعيدا عن غزة

بالنسبة إلى الدكتورة نورة بوعقلين، إحدى خريجات كلية طب فلسطين في غزة، جاءت الحرب في اللحظة التي كانت تقترب فيها من نهاية رحلتها الجامعية. كانت السنة الدراسية الأخيرة قد بدأت، قبل أن تقلب الحرب كل شيء، فتواصلت مع جامعات عدة بحثا عن فرصة لاستكمال دراستها، إلى أن وجدت الاستجابة لدى البروفيسور أوغلو وجامعة "مدنيات إسطنبول".

لكن الوصول إلى لحظة التخرج لم يكن نهاية كاملة للمعاناة؛ ففرحتها بقيت ممزوجة بالحسرة لأنها لم تستطع ارتداء ثوب التخرج في غزة، بين أهلها وزملائها الذين كانوا جزءا من سنوات دراستها.

أما الطالب حسين إسماعيل، من جامعة الأزهر في غزة، فيروي رحلة مختلفة لكنها تحمل المصير ذاته. فقد نزح مع زملائه من شمال القطاع إلى جنوبه، وحاولوا مواصلة دورهم الطبي من خلال التطوع والعمل في مستشفيات المنطقة الوسطى، لكن الضغط الهائل الذي تعرضت له المستشفيات حال دون استكمال تدريبهم العملي بالشكل المطلوب.

وبعد ذلك، جرى التنسيق لنقلهم واستضافتهم في تركيا، حيث ساعدت الجامعة في تجاوز عقبات اللغة والتكيف مع النظام الأكاديمي الجديد، ليعودوا إلى مسار التعليم والتدريب الذي كاد أن ينقطع.

فرحة التخرج.. ووجع الغياب

ورغم النجاح الأكاديمي، لم تكن التجربة سهلة على الطلاب الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن عائلاتهم ووطنهم، يحملون فرحة إنجاز شخصي كبير، إلى جانب شعور ثقيل بفقدان الحياة التي كانوا يعرفونها. لكن ما لفت نظر أوغلو، بحسب حديثه، كان إصرار الطلاب وشغفهم بالتعلم رغم كل ما مروا به؛ فهؤلاء الشباب القادمون من قلب الحرب لم يتعاملوا مع التعليم باعتباره ترفا، بل باعتباره طريقا للعودة إلى غزة وخدمة مجتمعهم.

ولا تبدو المبادرة مجرد برنامج جامعي لاستكمال الدراسة، بل محاولة للحفاظ على جيل من الأطباء الذين تحتاج إليهم غزة بشدة، في وقت تضررت فيه مستشفياتها ومنشآتها الصحية وفقد القطاع جزءا من قدرته على تدريب كوادره الطبية.

فبينما دمرت الحرب مباني ومستشفيات، تحاول مبادرة أكاديمية في إسطنبول أن تمنع دمارا من نوع آخر: أن يضيع مستقبل أطباء كان يفترض أن يكونوا جزءا من مستقبل القطاع الصحي.

وبالنسبة إلى هؤلاء الطلاب، قد تكون إسطنبول أنقذت سنواتهم الدراسية، لكن الغاية النهائية تظل العودة إلى غزة، حاملين شهاداتهم وتخصصاتهم، للمشاركة في بناء منظومة صحية تحتاج إلى كل طبيب قادر على إعادة الحياة إلى مستشفياتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا