تنطلق الباحثة عبير ياسين، الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في دراستها "تصريحات نتنياهو: خطاب قديم في واقع جديد"، من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في 9 أغسطس/آب، لكنها لا تتعامل معها باعتبارها إعلانًا عن تحول جديد في مواقفه تجاه الفلسطينيين وقطاع غزة، بل باعتبارها إعادة تقديم لمواقف قديمة في سياق سياسي وأمني جديد منحها وظائف مختلفة. فالجديد، بحسب الدراسة، ليس بالضرورة ما يقال للمرة الأولى، وإنما قد يكون موقفًا قديمًا وجد ظرفًا جديدًا يسمح بإعادة طرحه وتوظيفه بصورة مختلفة
وجاءت تصريحات نتنياهو في وقت تتركز فيه الجهود على الانتقال إلى المرحلة الثانية من ترتيبات وقف الحرب في قطاع غزة، وبعد التوصل إلى اتفاق القاهرة في نهاية يوليو/تموز 2026 بشأن ترتيبات تنفيذ هذه المرحلة، ولا سيما نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل القطاع. ورفض نتنياهو وثيقة النقاط الخمس عشرة الخاصة بالقطاع، وأكد أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، كما جدد رفض قيام دولة فلسطينية، معلنًا أنه لن يسمح بذلك ما دام رئيسًا للوزراء.
تقوم الفكرة المركزية للدراسة على أن نتنياهو لا يقدم مواقف جديدة بقدر ما يعيد استخدام مجموعة من المواقف التي عبر عنها في مراحل سابقة، سواء قبل 7 أكتوبر أو بعده مباشرة. ومن بينها رفض الدولة الفلسطينية، وعدم الثقة في ترتيبات أمنية لا تمنح إسرائيل القدرة على التدخل، والتحفظ على الانسحاب من غزة، والسعي إلى القضاء على حماس، ورفض أي ترتيب فلسطيني قد يتحول من وجهة النظر الإسرائيلية إلى مصدر تهديد جديد.
لكن السياق الذي يعاد فيه طرح هذه المواقف تغير. فما كان قبل 7 أكتوبر محل خلاف سياسي وأمني بشأن التسوية والدولة الفلسطينية، أصبح بعد الهجوم قابلًا للتقديم بوصفه "ضرورة أمنية". وما كان يقدم باعتباره خطرًا محتملًا أصبح، في خطاب نتنياهو، خطرًا أثبتت تجربة غزة إمكان وقوعه. ومن هنا تستخدم الدراسة صورة "النبيذ القديم" الذي لم يتغير، بينما تغيرت المائدة والظروف والوظيفة التي يقدم من أجلها.
وينطبق ذلك كذلك على صورة نتنياهو بوصفه "رجل الأمن". فبعد أن أصاب هجوم 7 أكتوبر هذه الصورة في الصميم، لم يعد في إمكانه إعادة بنائها على أساس أنه الرجل الذي منع الخطر، وإنما على أساس أنه السياسي الذي يعرف المخاطر أكثر من غيره ويملك الخبرة والقدرة على منع تكرارها إذا استمر رئيسًا للوزراء.
تعود الدراسة إلى مسار موقف نتنياهو من الدولة الفلسطينية لتبين أن رفضه الحالي ليس وليد الحرب. ففي خطاب جامعة بار إيلان في يونيو/حزيران 2009، تحدث للمرة الأولى عن قبول دولة فلسطينية منزوعة السلاح ضمن ترتيبات أمنية محددة. وكان تصوره آنذاك يقوم على أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في فكرة الدولة ذاتها، وإنما في طبيعتها وفي قدرتها المحتملة على أن تصبح مصدرًا للتهديد، وهو ما جعل سؤال الأمن مقدمًا على السيادة الفلسطينية.
لكن نتنياهو تراجع عن هذا الموقف في 2015، وأكد خلال حملته الانتخابية أن الدولة الفلسطينية لن تقوم ما دام رئيسًا للوزراء، كما أعلن الليكود أن خطاب بار إيلان أصبح لاغيًا وأن مسيرة نتنياهو السياسية تمثل كفاحًا ضد إقامة دولة فلسطينية.
بعد 7 أكتوبر، اكتسب الموقف القديم وظيفة جديدة. ففي فبراير/شباط 2024 ربط نتنياهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية بما اعتبره مكافأة للإرهاب، واستند إلى تجربة غزة لتأكيد خطورة الترتيبات التي لا تقوم على ضمانات أمنية إسرائيلية. وفي سبتمبر/أيلول 2025 كرر أن إقامة دولة فلسطينية ستعرض أمن إسرائيل للخطر وتشكل "جائزة عبثية للإرهاب".
وترى الدراسة أن التحول الأساسي هنا ليس مجرد زيادة تشدد نتنياهو، وإنما تغير وظيفة الموقف. فرفض الدولة الذي كان يمكن قبل 7 أكتوبر تقديمه باعتباره اختيارًا سياسيًا وأمنيًا داخل الخلاف الإسرائيلي بشأن التسوية، أصبح بعد الهجوم يقدم باعتباره نتيجة مباشرة لدرس أمني أثبتته تجربة غزة.
وبذلك، لم ينتج 7 أكتوبر موقف نتنياهو من الدولة الفلسطينية، وإنما منحه إطارًا جديدًا لتبريره وسردية أكثر قوة لإعادة تقديمه. فالأحداث الجديدة، في هذا المنطق، لا تستبدل بالضرورة أفكار نتنياهو السابقة، وإنما تمنحها أحيانًا لغة جديدة وقدرة سياسية أكبر على إعادة التوظيف.
تنتقل الدراسة إلى مستقبل قطاع غزة، وتعود إلى عبارة نتنياهو التي استخدمها في ديسمبر/كانون الأول 2023: "لا حماسستان ولا فتحستان"، في معرض رفض تصور لليوم التالي يقوم على استبدال السلطة الفلسطينية بحركة حماس في إدارة القطاع.
وتكشف العبارة، في قراءة الدراسة، مشكلة أوسع من مجرد رفض بديلين. فرفض حماس مفهوم في إطار التصور الإسرائيلي باعتبارها قوة مسلحة، لكن رفض "فتحستان" يعني أن السلطة الفلسطينية لا تصبح بديلًا مقبولًا لمجرد أنها تمثل الطرف الفلسطيني الرسمي.
وتتداخل هنا ثلاثة أسئلة: من يحكم غزة؟ ومن يملك السلاح؟ وإلى أي نتيجة سياسية يمكن أن يقود الحكم الجديد؟ فالسؤال الأول يتعلق بإدارة القطاع، والثاني بالأمن، والثالث بمستقبل الصراع، لكن نتنياهو لا يفصل بينها عندما تكون إحدى النتائج المحتملة لترتيبات ما بعد الحرب فتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية التي يعمل على منع قيامها.
وتلفت الدراسة إلى أن هدف القضاء على حماس نفسه يظل بحاجة إلى تحديد: فهل يعني إسقاط سلطتها الإدارية، أم إنهاء حكمها، أم تفكيك قدراتها العسكرية؟ وإذا كان المقصود تفكيك القدرات العسكرية، فمن يقرر أن هذا الهدف تحقق؟ وما السلطة التي يمكن أن تتشكل بعد ذلك من دون أن تتحول إلى خطوة باتجاه الدولة الفلسطينية؟
وهنا تظهر نقطة أساسية في رؤية نتنياهو، هي عدم وجود حد فاصل واضح بين الأمن والسياسة؛ فالأمن يرسم المجال الذي يسمح للسياسة بالتحرك داخله. وإذا كان أي ترتيب سياسي يمكن أن ينتج خطرًا أمنيًا جديدًا، يصبح تقييده مسبقًا بالشروط الأمنية أمرًا مشروعًا في منطقه.
ولهذا لا تحل الإطاحة بحماس مشكلة "اليوم التالي". فإذا كانت حماس غير مقبولة، والسلطة الفلسطينية غير مقبولة إذا كان وجودها قد يفتح طريقًا نحو الدولة، فما الشكل السياسي الذي يمكن أن يستقر عليه القطاع؟ وترى الدراسة أن نتنياهو لا يقدم إجابة واضحة بقدر ما تؤدي مواقفه إلى تضييق مجال الإجابة الممكنة.
تناقش الدراسة بعد ذلك خطة المرحلة الثانية، التي تسعى إلى نقل غزة من ترتيبات وقف الحرب إلى مرحلة انتقالية تجمع بين نزع سلاح الفصائل وإنهاء حكم حماس والانسحاب الإسرائيلي التدريجي ونشر قوة استقرار دولية وتطوير إدارة فلسطينية انتقالية وإعادة الإعمار.
وتشير إلى وجود مساحة اتفاق بين الخطة والموقف الإسرائيلي؛ فكلاهما ينطلق من عدم العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل 7 أكتوبر، ومن عدم السماح لحماس باستعادة قدراتها العسكرية أو سلطتها السابقة. ولذلك فإن نقطة الخلاف الأساسية لا تبدأ من الهدف الأمني نفسه، وإنما من ترتيب الخطوات والجهة التي تملك حق الحكم على تحقق الأمن.
فنتنياهو يشترط نزع سلاح حماس بالكامل قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي، بينما تقوم الخطة على عملية متزامنة ومرحلية يتداخل فيها نزع السلاح مع الانسحاب والترتيبات الانتقالية.
وقد يبدو الفرق إجرائيًا، لكنه في نظر الدراسة سياسي في جوهره. فالترتيب المرحلي يفترض أن الأمن يمكن أن يتحقق تدريجيًا ضمن آلية دولية متعددة الأطراف، وأن الانسحاب نفسه يمكن أن يكون جزءًا من عملية إنتاج الأمن. أما منطق نتنياهو فيجعل الانسحاب نتيجة لتحقق الأمن، وليس عنصرًا من عناصر عملية تحقيقه.
إذا احتفظت إسرائيل بالوزن الحاسم في الإجابة، فإنها تحتفظ بقدرة كبيرة على التأثير في توقيت تنفيذ المرحلة الثانية وفرص نجاحها. أما إذا انتقل جزء من هذا التقدير إلى آلية دولية أو فلسطينية، فإن جانبًا من تعريف الخطر والحكم على انتهائه يصبح خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وبذلك يستطيع نتنياهو، وفق الدراسة، أن يقبل بعض عناصر الخطة، مثل نزع السلاح وإنهاء حكم حماس ووجود قوة دولية، ثم يضع شرطًا يجعل هذه العناصر غير كافية: ألا تتخلى إسرائيل عن أدوات السيطرة قبل اقتناعها بأن التهديد قد زال.
ترى الدراسة أن هذه الرؤية تكشف حدود الترتيبات الدولية الرامية إلى نقل غزة من الحرب إلى التسوية. فمن الممكن إنشاء إدارة انتقالية وقوة استقرار ونزع السلاح والبدء في إعادة الإعمار، لكن كل ذلك لا يجيب وحده عن سؤال الغاية السياسية النهائية.
فإذا لم يكن مستقبل الوجود الإسرائيلي في غزة وأفق التسوية السياسية واضحين، فقد تتحول ترتيبات وضعت لإنهاء الصراع المسلح إلى صيغة لإدارته.
ولا تقول الدراسة إن مجلس السلام يتبنى بالضرورة مسارًا حتميًا إلى الدولة الفلسطينية، وإنما تركز على السقف الذي يضعه نتنياهو: فالأمن لديه ليس مقدمة للسياسة فحسب، وإنما معيار لتحديد الحدود التي يسمح للسياسة بأن تتحرك داخلها.
تخصص الدراسة محورًا أخيرًا للانتخابات الإسرائيلية، وترى أن فهم إعادة استخدام خطاب نتنياهو القديم يرتبط كذلك بانتخابات الكنيست المقبلة.
فقد بنى نتنياهو جانبًا أساسيًا من هويته السياسية على صورته باعتباره السياسي الأكثر قدرة على فهم المخاطر والتهديدات المحيطة بإسرائيل والتعامل معها. لكن هجوم 7 أكتوبر وضع هذه الصورة أمام مأزق؛ فالرجل الذي قدم نفسه سنوات باعتباره حارس أمن إسرائيل لم يستطع منع الهجوم.
وأتاحت الحرب في المقابل إعادة تعريف هذه الصورة. فلم يعد من السهل تقديم نتنياهو بوصفه من منع الخطر، لكن يمكن تقديمه بوصفه من يعرف طبيعة الخطر ويملك الخبرة والإرادة لمنع تكراره.
ومن هنا تفسر الدراسة تكراره عبارة "ما دمت رئيسًا للوزراء" في ملفات مختلفة؛ فقد استخدمها في يونيو/حزيران 2026 في حديثه عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وربط استمرار الوجود الإسرائيلي في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان بالحاجة إلى حماية الإسرائيليين، ثم كررها في تصريحاته بشأن الدولة الفلسطينية في أغسطس/آب.
فالوظيفة السياسية للعبارة ليست مجرد الزعم بأن نتنياهو وحده يستطيع اتخاذ القرار الأمني، وإنما إقامة علاقة مباشرة بين إدراك الخطر والقيادة: ما دامت التهديدات قائمة ومتعددة الجبهات، فإن استمرار السياسي الذي يملك خبرة التعامل معها يمكن تقديمه باعتباره ضرورة.
ولا تختزل الدراسة تشدد نتنياهو في الرغبة في إرضاء اليمين الأكثر تطرفًا أو في مناورة انتخابية؛ فرغم حضور العاملين، ترى أن نتنياهو يمتلك بالفعل مخزونًا من المواقف السابقة يمكن إعادة توظيفه سياسيًا بعد الحرب. وفي الوقت نفسه، لا يحتكر نتنياهو الخطاب الأمني؛ إذ يستطيع منافسوه تقديم أنفسهم بوصفهم أكثر قدرة على إدارة الحرب أو مواجهة إيران أو الجمع بين الحزم الأمني والدعم الأمريكي. ولذلك تصبح الانتخابات أيضًا صراعًا على تعريف الأمن وعلى من يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه القيادة الأقدر على إدارته.
تنتهي الدراسة إلى أن أهمية تصريحات نتنياهو لا تكمن في عودتها إلى مواقفه القديمة، وإنما في عودة هذه المواقف في لحظة سياسية مختلفة أصبحت فيها قادرة على أداء وظائف جديدة.
فرفض الدولة الفلسطينية يعاد تقديمه بوصفه استنتاجًا أمنيًا من تجربة 7 أكتوبر، والتحفظ على الانسحاب من غزة يتحول إلى شرط لمنع عودة التهديد، ونزع سلاح الفصائل يصبح معيارًا لتحديد اللحظة التي يمكن عندها الانتقال من الحرب إلى المرحلة التالية، فيما يعاد بناء صورة نتنياهو نفسه بوصفه "رجل الأمن".
لكن الدراسة ترى أن المسألة الأعمق تتعلق بالعلاقة بين مفهوم الأمن والمسار السياسي. فإذا كان الأمن وسيلة للوصول إلى ترتيب سياسي، يمكن تحديد شروط تحقيقه وآليات التحقق منه. أما إذا أصبح الأمن معيارًا مفتوحًا لا يحدد شروط الانتقال فقط وإنما يضع سقفًا للنتائج السياسية الممكنة، فيمكن تأجيل الانتقال كلما قاد إلى نتيجة لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
ومن هنا لا يصبح السؤال الأساسي: متى تنسحب إسرائيل من غزة؟ ومتى ينزع سلاح حماس؟ ومن سيدير القطاع؟ بل هل تستطيع ترتيبات ما بعد الحرب الانتقال من إدارة الخطر إلى معالجة الصراع نفسه؟
وتعود الدراسة في نهايتها إلى صورتها التي بدأت بها: النبيذ قديم، لكن المائدة تغيرت. فمواقف نتنياهو القديمة أصبحت قابلة لإعادة الاستخدام في رفض الدولة الفلسطينية، واشتراط الانسحاب من غزة، ومنع عودة حماس، وإعادة بناء صورة القيادة الأمنية. والجديد ليس المواقف نفسها، وإنما السياق الذي يعاد تقديمها فيه والوظائف التي أصبحت قادرة على أدائه
للاطلاع على الدراسة كاملة (اضغط هنا)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة