لطالما حظي الحديث عن الدعم العسكري الذي قد تتلقاه إيران من روسيا والصين خلال حربها الجارية مع الولايات المتحدة باهتمام واسع على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل تصاعد التكهنات بشأن طبيعة المساندة التي يمكن أن تقدمها كل من موسكو وبكين لطهران، ومدى انعكاسها على مسار المواجهة العسكرية.
وخلال الأيام الماضية، تداولت حسابات على منصة "إكس" مقطع فيديو قيل إنه يوثق ظهور المقاتلة الشبحية الروسية "سوخوي سو-57" داخل قاعدة بندر عباس جنوب إيران.
وربطت هذه الحسابات بين ظهور الطائرة والمواجهة الدائرة، معتبرةً المشهد مؤشرا على حصول طهران على دعم عسكري روسي مباشر، بل وإدخال مقاتلة متقدمة من هذا الطراز إلى أسطولها الجوي.
وأثار الفيديو تفاعلا واسعا، بالنظر إلى القدرات التي تتمتع بها "سو-57" بوصفها مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، وإلى ما قد يعنيه ظهورها في قاعدة إيرانية من دلالات عسكرية وإستراتيجية، خصوصا في ظل المواجهة المتصاعدة مع الولايات المتحدة.
لكن هل ظهرت الطائرة المقاتلة فعلا داخل قاعدة بندر عباس؟ وهل يعود المقطع إلى الفترة الحالية أم أن المشاهد المتداولة تعود إلى سياق آخر، وجرى إسقاط تلك المشاهد على الحرب الحالية بشكل مضلل؟
حظي الفيديو بانتشار واسع، وأثار نقاشا حول القدرات العسكرية الإيرانية وحجم الدعم الذي تتلقاه طهران من موسكو في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة.
وتوسعت الحسابات في تفسير دلالة المشهد، إذ اعتبره كثيرون "رسالة تهديد واضحة للولايات المتحدة وحلفائها"، في حين ذهب آخرون إلى أن مدى الطائرة وقدراتها تمنحها القدرة على الإغارة على أهداف داخل الولايات المتحدة لما تتمتع به من قدرات على التخفي عن أنظمة الرادار.
ورصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة انتشار المقطع على حسابات مزيفة تحمل أسماء شخصيات إيرانية معروفة مثل "المتحدث باسم الحرس الثوري إبراهيم ذو الفقاري"، وبتحليل هذه الحسابات، يتبين أنها تنشط في نشر محتوى ومشاهد دعائية تضخم القدرات العسكرية الإيرانية.
ويكشف تتبع اللقطة المتداولة ومسار تداولها، أنها نشرت لأول مرة عبر حسابات عربية، أولها حساب "صادق المحمداوي" المعروف على نطاق واسع بنشر مقاطع فيديو مضللة خلال الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
ويظهر الفحص الأولي للمشهد أن المقاتلة الظاهرة في الفيديو هي بالفعل من طراز "سوخوي سو 57″، وتتطابق مع الصور الرسمية المنشورة لها، لكن لا تظهر في المشهد أي علامة تؤكد المكان.
وبالبحث العكسي عن المقطع تبين أنه منشور في وقت سابق وتعود النسخة الأولى المتوفرة إلى 20 فبراير/شباط 2025، أي قبل نحو عام ونصف العام.
ويلاحظ في النسخة الأقدم أنها أطول، وبجودة أعلى وهو ما أظهر زي أحد أفراد الطاقم الذين وقفوا لمشاهدة إقلاع الطائرة، وقد كتب عليه: "پایگاه هشتم شکاری شهيد باباي" وهو إشارة لقاعدة جوية إيرانية، ما يرجح أن المشهد التقط في إيران.
وكشف البحث المعمق عن تقارير إيرانية في نفس التوقيت حول ظهور المقاتلة الروسية في مدرج إحدى القواعد العسكرية بالبلاد، ولكن بسياق مختلف تماما.
وأشارت المواقع الإيرانية آنذاك إلى أن المشهد يوثق إقلاعا فعليا للطائرة بعد هبوطها للتزود بالوقود، وذلك خلال رحلتها عائدة من الهند بعد المشاركة في معرض عسكري، وهو إجراء روتيني للمقاتلات في الرحلات الطويلة.
وقادنا البحث إلى أن المعرض أقيم فعلا خلال فبراير/شباط 2025، وهو ما يتوافق مع تاريخ نشر الفيديو، ما يرجح هذه الرواية.
وبالبحث عبر المصادر المفتوحة، وجدنا زوايا تصوير أخرى لوجود الطائرة في إيران، إذ نشر موقع "نور نيوز" الإيراني آنذاك مقطع فيديو قال إنه يظهر لحظة إقلاع مقاتلة من طراز "سوخوي 57" من مدينة بندر عباس.
واستعانت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة بصور الأقمار الصناعية للتأكد من وجود الطائرة في مطار بندر عباس الدولي جنوبي إيران في هذا التوقيت.
وأظهرت صور أقمار التقطتها شركة "بلانت" الأمريكية في 19 فبراير/شباط 2025 المقاتلة الروسية من طراز "سوخوي 57" متوقفة على ساحة لركن الطائرات في مطار بندر عباس الدولي.
كما تظهر إلى جانبها طائرة شحن عسكرية من طراز "إليوشن إي إل-76" تحمل رقم التسجيل الروسي "RA-76373″، إلى جانب طائرات قتالية أخرى متوقفة في الساحة.
وعند تطابق مشهد "نور نيوز" مع بيانات المصادر المفتوحة يلاحظ رقم التسجيل كما هو على جسم الطائرة الظاهرة إلى جانب "سو 57" الروسية، ما يؤكد موقع الطائرة وتاريخ ظهورها داخل إيران.
وبذلك يدحض التحقق البصري والزماني والمكاني رواية الحسابات الإيرانية التي وظّفت المقطع في سياق مضلل، فالمشهد في حقيقته عارض وروتيني ولا علاقة له بشراء المقاتلة أو ضمها للأسطول الجوي الإيراني كما روجت الحسابات في ظل التوترات الجارية بالمنطقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة