ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات طالت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس واعتُبرت انتقاصا من سيادة هذا البلد. ففي مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات الجزائرية: قال تبون "ما يمسّ تونس يمس الجزائر ، ومن يأتي بالإرهاب إلى حدود تونس نهدم له خيمته."
ورأى البعض أن هناك تباينا واضحا بين خطاب رسمي لطالما تشبث بمبدأ السيادة الوطنية، وصمت إزاء تصريح جزائري تناول التهديدات الأمنية على الحدود التونسية. وتساءل هؤلاء: أين هي حدود الموقف الرسمي حين يتعلق الأمر بالجزائر تحديدًا؟
عبارة تبون كانت قصيرة مقتضبة، لكنها كانت كفيلة بإثارة موجة واسعة من الجدل داخل تونس، إذ اعتبرها عدد من السياسيين والنشطاء والمعلقين تدخلاً في الشأن التونسي، خصوصًا أنها تطرقت إلى طريقة تعامل الجزائر مع أي تهديد قد يطال حدودها الوطنية.
الأغرب في الأمر، بحسب تونسيين، أن هذا الجدل الواسع لم يقابله أي تعليق رسمي من السلطات، فلا وزارة الخارجية أصدرت بيانًا، ولا استُدعي السفير الجزائري، ولا سُجّل أي احتجاج دبلوماسي.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه السلطة بقيادة الرئيس قيس سعيّد ، في مناسبات عديدة، تمسكها بمبدأ السيادة الوطنية ورفضها لأي تدخل خارجي في شؤون البلاد.
استحضر كثيرون، في هذا السياق، موقف الخارجية التونسية قبل أيام من المقابلة التي أجراها الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي مع قناة فرنسية، والتي قال فيها إن "تونس تمر بأزمة سياسية كبرى والوضع على وشك الانفجار."
فبخلاف تعاملها مع تصريح تبون، تحركت الخارجية التونسية بسرعة إزاء تصريحات المرزوقي، إذ استدعت، بتكليف مباشر من رئيس الجمهورية، سفيرة فرنسا لدى تونس آن جيجن، وسلّمتها احتجاجًا وصفته بـ"الشديد اللهجة".
واعتبرت الوزارة، في بيانها، أن المقابلة تضمنت مساسًا بسيادة الدولة التونسية واستهدافًا لأمنها القومي ومؤسساتها، ودعوة إلى الفتنة والاقتتال الداخلي، معبّرة عن استيائها من تكرار استضافة منابر إعلامية فرنسية عمومية لشخصيات تصفها بأنها مطلوبة للعدالة التونسية.
يُذكر أن تصريح الرئيس الجزائري تبون جاء بعد أشهر من كشف صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية عن تسريب وثائق تتعلق باتفاقية موقّعة في 7 أكتوبر 2025 بين تونس والجزائر ، تُجيز لقوات جزائرية أمنية وعسكرية التدخل حتى مسافة 50 كيلومترًا داخل الأراضي التونسية بطلب من السلطة، مع إمكانية الوصول إلى المؤسسات الرسمية، وتحمّل تونس كامل تكاليف هذه العمليات.
وليست هذه المرة الأولى التي يربط فيها الرئيس الجزائري أمن بلاده بأمن تونس، ففي تصريح سابق، قال تبون: "أمن الجزائر يمتد إلى تونس، وأمن تونس جزء لا يتجزأ من أمن الجزائر."
كما كشف، في خطاب موجّه إلى البرلمان الجزائري، عن وجود محاولات تهدف إلى زرع الفتنة بين البلدين، واصفًا هذه المساعي بأنها صادرة عن "عقول ضيقة" تسعى إلى ضرب العلاقات الأخوية بينهما.
في تصريح سابق لـ"يورونيوز"، رأى المحلل السياسي التونسي نضال الخضراوي أن تونس دخلت، منذ إجراءات 25 جويلية 2021، مرحلة سياسية واقتصادية جعلتها أكثر اعتمادًا على دعم شركائها الإقليميين، وفي مقدمتهم الجزائر.
وأوضح أن هذا الدعم شكّل في بداياته عامل استقرار مهمًا في ظل ظرف إقليمي مضطرب، سواء من خلال المساعدات المالية أو إمدادات الطاقة أو التنسيق الأمني، غير أن مسار التعاون بين البلدين تطوّر، وفق تقديره، نحو علاقة "غير متكافئة".
وأضاف الخضراوي أن العلاقة بين تونس والجزائر لم تعد تندرج فقط ضمن إطار التعاون التقليدي بين دولتين جارتين، بل أصبحت مرتبطة بسلسلة من التطورات السياسية والأمنية والدبلوماسية التي يرى أنها تعكس توسعًا متزايدًا للنفوذ الجزائري داخل المجال السيادي التونسي، متسائلًا: أين تنتهي حدود الشراكة المشروعة، وأين يبدأ التأثير في القرار الوطني؟
وبحسب المتحدث، مثّل استقبال تونس لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي عام 2022 "نقطة تحوّل في سياستها الخارجية"، بعدما تسبب في أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، ووضع حدًا لسياسة الحياد التي ميزت الدبلوماسية التونسية لعقود. واعتبر أن هذا الحدث عكس انتقالًا من سياسة عدم الانحياز إلى تموضع إقليمي أقرب إلى الرؤية الجزائرية، ما أضعف، حسب تقديره، استقلالية الدور الدبلوماسي التونسي وأدخل البلاد في استقطابات إقليمية لم تكن طرفًا فيها تاريخيًا.
كما أن تسليم الجزائر للمعارض التونسي سيف الدين مخلوف إلى السلطات التونسية ، رغم تقدمه بطلب لجوء، قد أثار جدلًا حقوقيًا، خصوصًا في ظل انتقادات منظمات دولية اعتبرت أن الإجراء يخالف مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وفي السياق ذاته، لفت الخضراوي إلى أن تقارير إعلامية وشهادات محلية تحدثت عن توغل مزعوم لعناصر من الدرك الجزائري داخل الأراضي التونسية، ما أثار حالة من الاستنكار الشعبي، لا سيما أن الرد العلني الأبرز جاء من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في حين غاب توضيح رسمي تونسي واضح بشأن هذه القضية.
وفي حديثه، اعتبر المحلل أن الجدل الذي رافق تسريب مشروع اتفاق دفاعي مشترك عام 2025، والذي تحدث عن إمكانية تدخل قوات جزائرية داخل الأراضي التونسية في ظروف معينة، كشف حجم الحساسية التي أصبحت تحيط بالعلاقة الثنائية، حتى مع نفي السلطات التونسية صحة الوثيقة. وأضاف أن مجرّد تداول معطيات من هذا النوع يعكس، بحسب رأيه، أزمة ثقة وغيابًا للشفافية في ملفات ترتبط مباشرة بجوهر السيادة الوطنية.
ولا يمكن، وفق الخضراوي، فصل هذه التطورات عن البعد الاقتصادي للعلاقة بين البلدين، إذ أصبحت الجزائر خلال السنوات الأخيرة من أبرز الداعمين للاقتصاد التونسي عبر القروض وإمدادات الطاقة واتفاقيات التعاون المختلفة.
ورغم أهمية هذا الدعم في تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها تونس، فإن تجارب العلاقات الدولية تظهر أن الاعتماد الاقتصادي المفرط قد يتحول في بعض الحالات إلى أداة تأثير سياسي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة تعاني هشاشة مالية ومؤسساتية.
وتكمن المفارقة الأساسية، وفق المتحدث، في التباين القائم بين الخطاب الرسمي التونسي الذي يضع السيادة الوطنية في صدارة مواقفه، وبين واقع العلاقة مع الجزائر. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الرئاسة التونسية رفضها لأي تدخل خارجي، لا سيما عندما يصدر عن مؤسسات أو أطراف أوروبية، يبرز في المقابل غياب موقف مماثل تجاه بعض الخطوات الجزائرية التي اعتبرها جزء من الرأي العام التونسي تدخلًا مباشرًا أو غير مباشر في الشأن الداخلي.
ويطرح هذا التباين، بحسب المتحدث، السؤال التالي: هل هي مبدأ ثابت يُطبّق على جميع الأطراف دون استثناء، أم أنها تتحول أحيانًا إلى مفهوم يتأثر بطبيعة الجهة المتدخلة ومستوى العلاقة معها؟
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تنظر تقليديًا إلى استقرار تونس باعتباره جزءًا من أمنها القومي، غير أن هذا التصوّر يصبح محل إشكال عندما يتحول إلى تأثير مباشر في خيارات دولة أخرى وقراراتها السياسية، خصوصًا إذا كانت هذه الدولة تمر بمرحلة من الضعف الداخلي على المستويين السياسي والاقتصادي.
وأضاف أن انتقال تونس من موقع الوسيط التقليدي داخل الفضاء المغاربي إلى الاصطفاف ضمن محور إقليمي واحد من شأنه أن يفاقم حالة الانقسام في المنطقة، ويضعف الدور التاريخي الذي اضطلعت به الدبلوماسية التونسية لعقود باعتبارها عنصر توازن وجسرًا بين مختلف دول المغرب العربي.
وأكد أن العلاقات التاريخية بين تونس والجزائر تمثل رصيدًا استراتيجيًا لا يمكن التشكيك في أهميته، غير أن متانة هذه العلاقات لا تُقاس بحجم الاعتماد المتبادل فقط، بل بمدى احترام مبدأ الندية والشفافية والسيادة الوطنية. فالتعاون الأمني والاقتصادي يظل ضرورة بين البلدين، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن استقلال القرار التونسي، أو إلى إطار يسمح لأي طرف خارجي، مهما كانت طبيعة العلاقة معه، بالتأثير داخل المجال السيادي للدولة.
وتعبّر اليوم نخب سياسية وفكرية تونسية عديدة عن رفضها المتزايد لما تعتبره انزلاقًا نحو تدخل سافر يمسّ استقلالية القرار الوطني، وتندد بكل ممارسة أو ترتيب من شأنه تقويض السيادة التونسية أو تحويلها إلى مفهوم انتقائي يُرفع شعارًا في مواجهة أطراف معينة، ويُغض الطرف عنه تجاه أطراف أخرى.
المصدر:
يورو نيوز