قصة جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي المدان بجرائم جنسية، لم تختفِ بموته، بل ما زالت تكشف شخصيات ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات.
وفي أحدث فصولها، تعود صديقته الحميمية السابقة كارينا شولياك إلى الواجهة بعد أن أفرجت وزارة العدل الأمريكية مطلع العام الجاري عن ملايين الوثائق من ملفات التحقيق، بما فيها آلاف الرسائل المتبادلة وعشرات الصور التي جمعتها بإبستين، منهية بذلك محاولتها العيش بعيدا عن الأنظار كطبيبة أسنان في نيويورك.
ويتتبع تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز مسار حياة شولياك منذ لقائها إبستين، والدور الذي لعبه في تعليمها ومستقبلها، ثم محاولتها بناء حياة هادئة كطبيبة أسنان في بروكلين، وصولا إلى التساؤلات التي تثيرها فرص حصولها على ملايين الدولارات من تركته.
وتصف نيويورك تايمز شولياك (37 عاما) بأنها واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدا في عالم إبستين، إذ حاولت منذ وفاته أن تتوارى عن الأنظار، من دون أن تعرّف نفسها على أنها إحدى ضحاياه، في حين لم تعتبرها السلطات الفدرالية الأمريكية شريكة في شبكة الاتجار الجنسي المرتبطة به.
وتشير الصحيفة إلى أن شولياك انتقلت من بيلاروسيا إلى الولايات المتحدة عام 2011 بتأشيرة طالب مؤقتة لدراسة اللغة الإنجليزية، وكانت تسعى إلى استكمال دراسة طب الأسنان التي بدأتها في بلادها.
وتوضح الوثائق أن شابة من سيبيريا عرّفتها إلى إبستين في مارس/آذار 2011، عندما كانت في الـ21 من عمرها، لتبدأ بينهما علاقة استمرت قرابة 8 سنوات.
واتبعت اللقاءات الأولى -وفق التقرير- النمط نفسه الذي تعامل به إبستين مع نساء أخريات، إذ أغدق عليها وحاول استمالتها، وعرض منذ البداية مساعدتها على تحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان.
لكن رسائل البريد الإلكتروني تكشف أنها رفضت محاولاته في الأشهر الأولى، إلا أنه واصل التقرب منها، قبل أن تزور مزرعته في نيو مكسيكو في يوليو/تموز 2011، ثم جزيرته الخاصة بعد أشهر قليلة.
وبحلول شتاء عام 2012 قبلت شولياك عروض إبستين لمساعدتها بتحقيق حلمها، فبعد رفض كلية طب الأسنان بجامعة كولومبيا طلبها، تواصل إبستين عبر طبيب أسنانه توماس ماغناني مع عميد الكلية وقدّم تبرعا بنحو 210 آلاف دولار للجامعة، وهو ما تقول الصحيفة إنه كان كافيا لتسهيل قبولها.
وتضمنت ملفات وزارة العدل رسائل نصية تكشف أن ماغناني وجيمس فاين أحد مسؤولي كلية طب الأسنان، أبلغا شولياك مسبقا بالموضوعات التي ستواجهها في اختبار القبول العملي بصفتها طالبة منتقلة في أبريل/نيسان 2012.
وبعد اجتيازها الاختبار وقبولها في الجامعة، تكفل إبستين بسداد الرسوم الدراسية لسنوات دراستها الثلاث، في حين كتبت له في إحدى رسائلها عام 2012: "أنت أنقى الرجال".
ويوضح التقرير أنه عندما تقدمت شولياك بطلب الالتحاق بجامعة كولومبيا كانت قد تجاوزت مدة تأشيرتها، لكن إبستين وجد وسيلة مطلع عام 2013 لإبقائها في البلاد، إذ اقترح في إحدى رسائله أن زواجها من امرأة قد يكون "أسرع طريقة للحصول على البطاقة الخضراء".
وبعد أشهر من الزواج حصلت شولياك على الإقامة الدائمة، ثم أصبحت مواطنة أمريكية رسميا في مايو/أيار 2018 قبل أن تنفصل بعد عام واحد من حصولها على الجنسية، دون أن تطعن سلطات الهجرة الأمريكية في الإجراءات التي حصلت بموجبها على جنسيتها، بحسب الصحيفة.
وتكشف الوثائق حجم الامتيازات التي منحها لها إبستين، إذ وصفها في إحدى المرات بأنها "المفضلة" لديه، وأتاح لها استخدام بطاقة ائتمانية لشراء ما تشاء.
كما سافرت معه حول العالم وحوّل إليها على مدى سنوات نحو مليون دولار، فضلا عن عشرات آلاف الدولارات التي أرسلها إلى والديها في بيلاروسيا.
ومع مرور الوقت، اكتسبت شولياك ثقة إبستين وأصبحت تشارك في إدارة ممتلكاته وموظفيه، وكانت آخر شخص اتصل به قبل انتحاره في زنزانته عام 2019، بحسب الصحيفة.
وقبل وفاته بوقت قصير، عدّل إبستين وصيته ليترك لشولياك جزءا كبيرا من ثروته، التي كانت تُقدّر آنذاك بنحو 600 مليون دولار، بما في ذلك خاتم ألماس يزن 33 قيراطا خصصه لها "تمهيدا للزواج"، وفق ملاحظة مكتوبة بخط اليد على وثيقة مرتبطة بالوصية.
وتشير سجلات التحقيق التي أفرجت عنها السلطات الفدرالية إلى أن شولياك قد ترث ما يصل إلى 100 مليون دولار من تركته، غير أن حجم ما ستحصل عليه فعليا لا يزال غير واضح.
إذ تراجعت قيمة التركة -كما يوضح التقرير- إلى ما بين 120 و200 مليون دولار بعد دفع مبالغ كبيرة لضحايا إبستين، كما تضم الوصية عشرات المستفيدين الآخرين، من بينهم أبناء شقيقه مارك إبستين، الذين قد يحصلون على 10 ملايين دولار.
ورغم الثروة الضخمة التي قد تحصل عليها، لم تتخل شولياك -بحسب الصحيفة- عن حلمها، فبحلول عام 2023 عادت إلى نيويورك وتقدمت إلى برنامج ما بعد الدكتوراه في طب الأسنان بجامعة كولومبيا، لاستكمال أحد المتطلبات اللازمة للحصول على رخصة مزاولة المهنة في الولاية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 حصلت على رخصة مزاولة المهنة في نيويورك، لتبدأ العمل بدوام جزئي في عيادة لطب الأسنان بمنطقة وسط بروكلين، بحسب أحد أطباء العيادة الذي تحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته.
وتروي نيويورك تايمز أن إحدى المريضات وتدعى يونهاي كيم خضعت للعلاج لدى شولياك مرتين، قبل أن تتعرف إلى هويتها الحقيقية بعد نشر صورها ضمن ملفات إبستين، مما دفعها للتواصل مع الصحيفة لتحذير المرضى الآخرين.
وينقل التقرير عن كيم قولها: "كنت مستاءة للغاية ولم أستطع تصديق ما حدث. من بين كل ما كان يمكن أن يخبئه لي القدر، لم يكن نصيبي الفوز باليانصيب، بل لقاء صديقة إبستين".
ويشير التحقيق إلى أن آخر يوم عمل لشولياك في العيادة كان في 12 فبراير/شباط الماضي، إذ تغيبت بعد ذلك بحجة المرض ولم تعد إلى العمل.
ويرجح الطبيب بالعيادة أن الضجة التي أثارتها الوثائق التي نُشرت عن قضية إبستين جعلت من الصعب عليها مواصلة عملها هناك، في حين رفض محامي شولياك الإفصاح عما إذا كانت قد التحقت بوظيفة أخرى بعد ذلك في مجال طب الأسنان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة