آخر الأخبار

البلد الأهم في الوساطة العالمية

شارك

في ظل التغيرات التي تشهدها بنية الجغرافيا السياسية للقرن الـ21، نجحت دولة قطر الصغيرة في منطقة الخليج في اكتساب دور فريد ومؤثر للغاية كوسيط عالمي.

فقد استفادت قطر بنجاح من استثماراتها في التدريب الدبلوماسي، وخبرتها المتنامية وشبكتها العالمية، وتحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، وحرصها العملي -بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة- على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية.

لم يضطلع أي بلد في الذاكرة الحديثة بدور عالمي أكثر أهمية من قطر في التوسط في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2026 وما قبله، وفي التفاوض على 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الرهائن في الفترة من 2023 إلى 2025.

لا يوجد تصنيف عالمي رسمي للدول المشاركة في حل النزاعات، فالدول الثلاث التي تذكرها الهيئات الدولية في هذا المجال بشكل متكرر هي النرويج وقطر وتركيا.

على مدى سنوات عديدة، كانت قطر الوسيط الأكثر تدخلا في النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما نشطت تركيا بشكل كبير في الدبلوماسية الإقليمية ودبلوماسية تبادل الأسرى، في حين تشتهر النرويج بدورها التيسيري طويل الأمد، مثل اتفاقيات أوسلو.

لم يضطلع أي بلد في الذاكرة الحديثة بدور عالمي أكثر أهمية من قطر في التوسط في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2026 وما قبله، وفي التفاوض على 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الرهائن في الفترة من 2023 إلى 2025

وقد لعبت القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا والبرازيل والهند والصين وروسيا جميعها أدوارا رئيسية في بعض الأحيان في تسهيل حل النزاعات.

كما أن لكندا والجزائر وجنوب أفريقيا وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا واليابان إرثا مهما في هذا المجال، لكن لسنوات عديدة، لم يكن لأي دولة في العالم دور في الوساطة أكثر بروزا من قطر.

إعلان

لفهم الموقف الدبلوماسي المعاصر لقطر وأهميتها الإستراتيجية، لا بد من تتبع تطورها من دولة خليجية هادئة نسبيا إلى وسيط سلام دولي بارز.

تاريخيا، عقب تولي الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم في عام 1995، شرعت قطر في إعادة تقييم سياستها.

أدركت القيادة أنه بصفتها دولة صغيرة في محيط كبير فإن الدفاع التقليدي القائم على "القوة الصلبة" لم يكن كافيا لضمان حمايتها وسيادتها، وبدلا من ذلك، تبنت قطر نهج "السيادة من خلال الدبلوماسية" والمشاركة العالمية الاستباقية.

خلال هذه الفترة، حظيت بشرف المشاركة في تدريب مجموعات متعاقبة من الدبلوماسيين القطريين الذين كانوا يدرسون في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في منطقة بوسطن.

وفي هذه الدروس، ركزنا على العديد من جوانب دبلوماسية الدول الصغيرة، وتشمل هذه الجوانب التوازن غير المتكافئ، والمؤسسية المتعددة الأطراف، وبناء التحالفات، والدبلوماسية المتخصصة، بما في ذلك في مجال الوساطة. ثم برعت قطر في جميع هذه المجالات بفضل جهودها الخاصة وإبداعها.

تعتمد إستراتيجية الوساطة القطرية على خيارات ومزايا متميزة، أولها توجه سياستها الخارجية المعقد والواقعي في آن واحد، بما في ذلك التوازن غير المتكافئ.

فمن خلال استضافة المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية، وتعيينها كحليف رئيسي خارج حلف الناتو، عززت قطر مكانتها التي لا غنى عنها بالنسبة لواشنطن.

وفي الوقت نفسه، عملت قطر على توطيد علاقات ودية مع إيران -التي تشترك معها في أكبر حقل غاز طبيعي غير مرتبط في العالم- وقدمت منصة دبلوماسية، مرة أخرى بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع الجماعات والتيارات التي ليست على وفاق مع واشنطن.

ثانيا، نفوذها المالي: تتمتع قطر بالاستقرار الاقتصادي والوسائل اللازمة لتمويل جهود إعادة الإعمار في مناطق النزاع وتحفيز الفصائل المتنازعة.

بالتعاون مع شركاء إقليميين آخرين -بما في ذلك باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وعمان- انخرطت قطر مرارا وتكرارا في دبلوماسية مكوكية مكثفة لمنع اندلاع حرب إقليمية شاملة. وفي منتصف عام 2026، توجت هذه الجهود بتوقيع مذكرة تفاهم مهمة بين واشنطن وطهران

ورغم أن هذا النهج قد أثار انتقادات من حين لآخر من الدول الغربية والجيران الإقليميين، إلا أنه منح قطر قدرة فريدة على القيام بدور الوسيط المحايد حيث لا يستطيع الآخرون ذلك. ففي النزاعات التي امتدت من دارفور واليمن إلى لبنان والأراضي الفلسطينية، دأبت قطر على ملء الفراغ لتيسير الحوار.

ازدادت الحاجة إلى الوساطة القطرية بشكل كبير مع اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير/شباط 2026.

ومع تعطل أسواق الطاقة والغذاء العالمية جراء الاشتباكات العسكرية والتوترات البحرية، خضعت البنية التحتية الدبلوماسية لقطر لاختبار قاس.

وبالتعاون مع شركاء إقليميين آخرين -بما في ذلك باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وعمان- انخرطت قطر مرارا وتكرارا في دبلوماسية مكوكية مكثفة لمنع اندلاع حرب إقليمية شاملة. وفي منتصف عام 2026، توجت هذه الجهود بتوقيع مذكرة تفاهم مهمة بين واشنطن وطهران.

إعلان

ورغم أن وقف إطلاق النار واجه اضطرابات لاحقا ثم فشل، إلا أن جهود الوساطة المستمرة التي تبذلها قطر ظلت محورية في منع تصاعد الصراع. ومن خلال دورها كقناة اتصال موثوقة وتقديم مقترحات لتهدئة التوتر، أظهرت قطر قيمة الدبلوماسية المستمرة والواقعية.

لعبت قطر دورا لا غنى عنه في تهدئة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لا سيما فيما يتعلق بقطاع غزة.

قبل وقت طويل من تصعيد الصراع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت قطر تشارك بنشاط في تحقيق الاستقرار في غزة؛ فمنذ أوائل العقد الأول من القرن الـ21، سهلت قطر المفاوضات، وتوسطت في إبرام الهدنات، وقدمت مساعدات مالية حاسمة -بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة- لتسديد رواتب الموظفين المدنيين وتمويل البنية التحتية في القطاع المحاصر.

وعقب اندلاع حرب غزة المدمرة، برزت قطر كوسيط رئيسي بين إسرائيل وحماس، ونظرا لعدم وجود قنوات رسمية مباشرة مع حماس، اعتمدت إسرائيل بشكل كبير على الدولة الخليجية، التي احتفظت تاريخيا بمكتب سياسي لها في الدوحة.

وقد سمح هذا الموقع الفريد لقطر -بالتعاون مع الولايات المتحدة ومصر- بتحقيق اختراق تاريخي في أواخر عام 2023، وهو وقف عملياتي وهدنة لمدة 7 أيام سهلت أكبر عملية تبادل للرهائن المدنيين مقابل السجناء خلال الصراع، مما أتاح إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية إلى غزة.

ومع ذلك، كان مسار الوساطة محفوفا بالتحديات، فقد واجهت المفاوضات -التي كانت تتنقل في كثير من الأحيان بين الدوحة وباريس والقاهرة– عقبات عديدة.

على الرغم من هذه الصدمات العميقة وما تلاها من تعليق لجهود الوساطة، فإن قناعة قطر الراسخة بأن الوساطة جزء لا يتجزأ من هويتها الوطنية قد أعادتها باستمرار إلى طاولة المفاوضات

وتجلت هشاشة العملية الدبلوماسية بوضوح في سبتمبر/أيلول 2025، عندما أسفر هجوم مميت في أحد الأحياء السكنية في الدوحة عن مقتل عدد من أعضاء حركة حماس.

وقد وقع الهجوم، الذي أعلنت إسرائيل أنه استهدف قادة كبارا في حماس مسؤولين عن مذبحة 7 أكتوبر/تشرين الأول، في الوقت الذي كان فيه القادة يدرسون مقترح وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وقطر.

وأدى الحادث إلى انهيار محادثات وقف إطلاق النار الجارية، مما أثار إدانة سريعة من أمير قطر، الذي ندد به باعتباره هجوما على سيادة قطر ومحاولة لتخريب جهود السلام.

وعلى الرغم من هذه الصدمات العميقة وما تلاها من تعليق لجهود الوساطة، فإن قناعة قطر الراسخة بأن الوساطة جزء لا يتجزأ من هويتها الوطنية قد أعادتها باستمرار إلى طاولة المفاوضات.

وظلت الدولة الخليجية طرفا محوريا في الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في غزة، ودعم نظام الحكم التكنوقراطي فيها، وتلبية الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين.

ورغم أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وأزمة غزة تمثلان أبرز المساعي الدبلوماسية لقطر، إلا أنهما مجرد أحدث مظاهر التزام تاريخي قوي يمتد لعقود طويلة بحل النزاعات.

كان أحد أوائل النجاحات الكبرى لقطر على الساحة الدولية هو حل الحرب اليمنية في أواخر العقد الأول من القرن الـ21، حيث توسطت في إبرام "اتفاق الدوحة" بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين في عام 2007. وقد رسخ ذلك مصداقية قطر كدولة قادرة على جمع الفصائل المتنافسة والمتصلبة على طاولة المفاوضات.

وفي عام 2008، نجحت قطر في التوسط لإبرام اتفاق الدوحة لإنهاء الأزمة السياسية الحادة في لبنان، مما أظهر قدرة قطر على التوفيق بين المصالح الجيوسياسية المتنافسة لتحقيق الاستقرار المحلي.

وخارج نطاق العالم العربي، اكتسبت قطر مكانة عالمية بارزة من خلال مشاركتها في عملية السلام في أفغانستان، وتوج ذلك باتفاق الدوحة التاريخي لعام 2020، الذي حدد جدولا زمنيا للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو) من أفغانستان.

إعلان

وعقب الانسحاب، واصلت قطر لعب دور لا غنى عنه من خلال تيسير أكبر عملية نقل جوي مدني في التاريخ، والحفاظ على تشغيل مطار كابل لتقديم المساعدات الإنسانية.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، أعادت قطر كتابة قواعد اللعبة الدبلوماسية للدول الصغيرة، وبالاستفادة من التحالفات الإستراتيجية، حولت الدوحة نفسها إلى الوسيط الأول في العالم في حل النزاعات

كما تمتد بصمة الدوحة إلى القارة الأفريقية وأوروبا الشرقية، حيث سهلت قطر المحادثات بشأن نزاع دارفور، وتوسطت في النزاعات الحدودية بين كينيا والصومال.

كما تفاوضت بشأن عودة الأطفال الأوكرانيين الذين تم ترحيلهم من روسيا ونسقت عمليات تبادل أسرى ذات أهمية بالغة بين الولايات المتحدة وفنزويلا.

الدوافع الكامنة وراء جهود الوساطة القطرية متعددة الأوجه، وترتكز على الأمن والهوية الوطنية والنفوذ العالمي.

أولا، هناك الضرورة الأمنية: نظرا لوقوع قطر في منطقة متقلبة ومحاطة بقوى أكبر، فإن نشاطها الدبلوماسي يُعد أداة حيوية للردع والدفاع.

ثانيا، توفر الوساطة لقطر "قوة ناعمة" هائلة ومكانة مرموقة؛ إن القدرة على جمع قادة العالم، واستضافة قمم تاريخية، والقيام بدور الوسيط الموثوق به، ترفع من مكانة قطر الدولية إلى ما يتجاوز حجمها الجغرافي.

ومن الناحية المنهجية، غالبا ما تستند الوساطة القطرية إلى المفاهيم العربية والإسلامية التقليدية للدبلوماسية، مثل الصلح (المصالحة) والشورى (التشاور)، ويشمل ذلك التركيز على الحوار المباشر وجها لوجه.

علاوة على ذلك، فإن استعداد قطر للتعامل مع الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء يوفر ميزة وظيفية كبيرة. ففي حين غالبا ما تكون الدول الغربية مقيدة بتصنيفات قانونية أو سياسية تحظر إجراء محادثات مباشرة مع جماعات مثل حماس أو طالبان، تعمل قطر بمرونة أكبر.

وعلاوة على ذلك، يتسم النهج الدبلوماسي القطري بقدرة عالية على التكيف، فغالبا ما يتنقل الدبلوماسيون القطريون بسلاسة بين "التيسير" غير الملحوظ (توفير أماكن آمنة وخدمات لوجستية في الدوحة)، و"الوساطة المباشرة" النشطة (صياغة جداول الأعمال، وإعداد مقترحات السلام، واستخدام أموال الدولة لتوفير الدعم الاقتصادي لضمان استمرار اتفاقات السلام على المدى الطويل).

ويؤكد مؤيدو الدبلوماسية القطرية أن حتى وقف إطلاق النار المؤقت والهدنات الإنسانية تُعد إنجازات حيوية، لأنها تنقذ الأرواح، وتمنع اندلاع صراعات إقليمية أوسع نطاقا، وتخلق فرصا أساسية للتوصل إلى حلول طويلة الأمد.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، أعادت قطر كتابة قواعد اللعبة الدبلوماسية للدول الصغيرة، وبالاستفادة من التحالفات الإستراتيجية، حولت الدوحة نفسها إلى الوسيط الأول في العالم في حل النزاعات.

ورغم أن هذا الدور ينطوي على تحديات ومخاطر، فإن البنية التحتية للوساطة القطرية تظل عنصرا حاسما في العلاقات الدولية، كما أن نشاطها الدبلوماسي يمثل إستراتيجية ردع محسوبة وتجسيدا لهويتها الوطنية في آن واحد.

فمن خلال توفير جسر حيوي بين الخصوم اللدودين، نجحت قطر في تأمين سيادتها الخاصة، تاركة في الوقت نفسه بصمة عميقة ودائمة على عملية بناء السلام العالمي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا