في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تونس- أمام أحد مقرات الشركة التونسية للكهرباء والغاز، تجمع عشرات المواطنين يحملون أوراق عدادات الكهرباء وفواتير الأجهزة المنزلية التي تعطلت بفعل الانقطاعات المتكررة للتيار. وبدت على الوجوه ملامح الغضب والحيرة، فيما كان الجميع ينتظر تقديم شكاوى والمطالبة بالتعويض عن خسائر تكبدها خلال الأيام الماضية.
في وسط العاصمة تونس، يتحدث محمد (اسم مستعار) للجزيرة نت، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية، عن الأضرار التي لحقت بنشاطه التجاري.
يقول إن بضائع بمئات الدنانير أتلفت بسبب انقطاع الكهرباء، مضيفا أن المبرد الرئيسي في محله تعطل أيضا، وأنها ليست المرة الأولى التي يضطر فيها إلى استبداله بسبب اضطرابات التزود بالطاقة.
وتعيش تونس منذ أيام على وقع موجة حر شديدة رفعت استهلاك الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، ما تسبب في اضطرابات متكررة في التزود بالتيار الكهربائي بعدد من المناطق.
غير بعيد عن محمد، يشرف الممرض يوسف على محل تمريض، ويقول للجزيرة نت إن عمله حساس جدا خاصة أنه يكون مضطرا أحيانا لتقديم مساعدات عاجلة للمرضى.
وأضاف أن انقطاع التيار الكهربائي يعيق مساعدة المرضى الذين يحتاجون ربطا بأجهزة الأكسجين، مؤكدا أن بعض الأجهزة تفقد قدرتها على العمل بسبب هذه الانقطاعات.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط في الانقطاعات، بل في غياب أي إعلان مسبق عن مواعيدها أو المناطق التي ستشملها، وهو ما يحرم المواطنين والتجار من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي الخسائر.
ولا تقتصر تداعيات الانقطاعات على الخسائر المادية، إذ تمتد إلى تهديد صحة المواطنين، خاصة الأطفال والمرضى وكبار السن، في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وتروي صاحبة حضانة للأطفال للجزيرة نت أنها وجدت نفسها مضطرة إلى وضع الصغار في أوعية مملوءة بالماء لتخفيف الحرارة داخل الحضانة بعد توقف أجهزة التكييف بسبب انقطاع الكهرباء، مؤكدة أن استمرار الوضع يهدد سلامة الأطفال.
وتتكرر روايات مماثلة في مناطق مختلفة من البلاد، مع تزايد شكاوى المواطنين من اضطراب خدمات الكهرباء خلال فترة الذروة الصيفية.
وفي تفسيره لهذه الانقطاعات، قال المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة إن ما تشهده البلاد من اضطرابات في التزود بالكهرباء يعود أساسا إلى الاستعمال المكثف لمكيفات الهواء مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
وأوضح، في تصريح لـ"وكالة تونس أفريقيا للأنباء"، أن استهلاك الكهرباء بلغ خلال فترة الذروة، الممتدة بين الساعة الثانية ظهرا والرابعة مساء، نحو 5 آلاف ميغاواط يوميا، بزيادة تقارب 30% مقارنة بالاستهلاك العادي.
وأضاف أن الشركة تلجأ، عند الضرورة، إلى تخفيض الأحمال عبر قطع مبرمج ومؤقت للتيار الكهربائي بهدف المحافظة على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومنع انهيار الشبكة الوطنية، مشيرا إلى أن مدة الانقطاع لا تتجاوز ساعة واحدة، مع استثناء المؤسسات الحساسة والإستراتيجية. وأكد أن هذا الإجراء يهدف إلى تفادي انقطاع شامل للكهرباء على مستوى البلاد.
ولم تقتصر أزمة الصيف في تونس على الكهرباء، إذ سجلت مناطق عديدة انقطاعات متكررة في مياه الشرب بالتزامن مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة.
وتقول راضية، وهي من سكان منطقة "نبر" بمحافظة الكاف (شمال غرب)، للجزيرة نت إن المياه منقطعة منذ أيام، مضيفة أنه حتى عند عودتها يكون التدفق ضعيفا ولساعات محدودة فقط.
وتشهد مناطق عدة في شمال البلاد، بينها طبرقة بمحافظة جندوبة (شمال غرب)، إلى جانب أحياء في محافظات سوسة والمنستير (وسط وشرق)، اضطرابات في التزود بالمياه والكهرباء، وسط موجة استياء واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما شهدت مدينة المتلوي بمحافظة قفصة (جنوب غرب) وقفات احتجاجية وعمليات قطع طرق احتجاجا على استمرار انقطاع مياه الشرب لفترات طويلة.
من جانبه، اعتبر المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن استمرار اضطرابات التزود بالمياه يتناقض مع إعلان وزارة الفلاحة أن نسبة امتلاء السدود تقارب 60%، وهي نسبة وصفتها السلطات بأنها "مطمئنة".
ويرى المرصد أن الأزمة لا ترتبط فقط بندرة الموارد المائية، بل تعكس أيضا اختلالات في إدارة القطاع، وتهالك شبكات التوزيع، وغياب إستراتيجية استباقية تضمن توزيعا عادلا للمياه بين مختلف الجهات خلال فترات الذروة.
وأكد المرصد أن ما يحدث لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل أصبح يمس الحق في الماء والصحة والكرامة، داعيًا إلى تدخل عاجل لضمان انتظام التزود بالمياه، وإلى اعتماد سياسة وطنية أكثر شفافية وعدالة في إدارة الموارد المائية، مع إلزام "الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه" بالإعلان المسبق عن جميع الانقطاعات، سواء كانت مبرمجة أو طارئة.
في المقابل، قال مصدر بوزارة الفلاحة، فضل عدم الكشف عن هويته، إن الانقطاعات المسجلة تعد نتيجة طبيعية لطريقة عمل منظومة التوزيع الحالية.
وأوضح المصدر للجزيرة نت أن شبكة توزيع المياه صممت لتزويد نحو 80% من المشتركين في الوقت نفسه، إلا أنها تعمل خلال فترات الذروة الصيفية بأقصى طاقتها، وأحيانا فوق قدرتها، ما يضطر المشرفين إلى برمجة انقطاعات مؤقتة لتفادي انهيار الشبكة.
وأضاف أن هذه الاضطرابات تتكرر في مناسبات يرتفع فيها الاستهلاك بشكل كبير، مثل عيد الأضحى وفصل الصيف.
ويرى خبراء أن الانقطاعات المتكررة، سواء في المناطق الداخلية أو المدن الكبرى، تعود بدرجة كبيرة إلى تقادم شبكات التوزيع وضعف عمليات الصيانة.
وقال الباحث في السياسات المائية حسين الرحيلي للجزيرة نت إن الإشكال الأساسي لا يتعلق فقط بندرة الموارد، وإنما بحوكمة إدارة المياه.
وأضاف أن تشكيل المجلس الوزاري الأخير المخصص لقطاع المياه جاء متأخرا، رغم أن المؤشرات كانت تنذر منذ أشهر بارتفاع الطلب خلال الصيف، معتبرا أن اتخاذ قرارات استباقية منذ شهري فبراير/شباط أو مارس/آذار الماضيين كان من شأنه تحسين جاهزية المنظومة.
وأشار الرحيلي إلى أن البيانات الصادرة عن المرصد التونسي للمياه تظهر تصاعد نسق الانقطاعات، مؤكدا أن الأزمة لم تعد موسمية، بل أصبحت مستمرة، إذ تعاني مناطق عديدة من اضطرابات في التزود بالمياه على مدار السنة.
من جانبه، أكد المرصد أن اهتراء شبكات التوزيع يتسبب في ضياع ما بين 25 و30% من كميات المياه الموزعة، داعيا إلى تجديد الشبكات. وأوضح أن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تواجه صعوبات مالية تحد من قدرتها على تنفيذ هذه الاستثمارات.
وتأتي هذه الأزمات بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة، شهدت خلالها تونس منذ بداية الصيف مئات الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية، خاصة في مرتفعات زغوان ومناطق الشمال الغربي، ما يزيد من الضغوط على البنية التحتية والخدمات الأساسية في البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة