منذ حوالي عقدين من الزمن تلعب شركات التكنولوجية الكبرى دورا حاسما في كيفية إنتاج الأخبار ونشرها وتلقيها بدءاً من محركات البحث مرورا بـوسائل التواصل الاجتماعي وصولا إلى الذكاء الاصطناعي . لكن نفوذها تجاوز منذ فترة طويلة حدود وسائل الإعلام ليصل إلى الساحة السياسية: حيث يتدخل رؤساء الشركات في الحملات الانتخابية وتتعرض الحكومات للضغط.
كيف يمكن لوسائل الإعلام والجمهور الحفاظ على استقلاليتهما؟ وما هي طبيعة العلاقات التي يقيمها الصحفيون مع ما يُعرف بـ"شركات التكنولوجيا الكبرى" أي الشركات التكنولوجية الأمريكية الخمس الكبرى: ألفابت (غوغل) وأبل وميتا وأمازون ومايكروسوفت؟ هذا النقاش يشكل أحد محاور المنتدى الإعلامي العالمي (GMF ) الذي تنظمه حاليا مؤسسة دويتشه فيله الإعلامية الألمانية (DW) في مدينة بون يومي 23 و 24 يونيو/حزيران 2026.
في مستهل حديثها أوضحت كورتني سي. رادش، مديرة مركز الأبحاث الأمريكي Center for Media and Digital Governance أن مصطلح Big Tech هو تعبير عن القلق: "المجتمع لا يضع كلمة Big أمام اسم أي قطاع بدافع الاحترام أو الإعجاب. نحن نفعل ذلك بدافع الخوف استعدادا لخوض صراع"، كما قالت خلال حلقة نقاش نظمها منتدى GMF وأدارها مقدم البرامج في DW جعفر عبد الكريم تحت عنوان "بين الابتكار والتبعية: علاقة الحب والكراهية بين الصحافة وشركات التكنولوجيا الكبرى. لقد وسعت المنصات نطاق نفوذها بشكل هائل بدءًا من التوزيع مرورا بتحقيق الأرباح وصولا إلى ظهور المحتوى. وأصبح أساس التعاون يتعرض للتقويض بشكل متزايد. "هل نكون شركاء عندما نقوم بتنظيف القمامة والمعلومات المضللة؟"
يتم استخدام المحتوى الصحفي بكميات هائلة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبا دون مقابل، كما توضح رادش. ويؤدي الصحفيون في هذا الصدد دورا مهما: فالمحتوى الصحفي هو ما "يربط الذكاء الاصطناعي بالواقع". "من أين نعرف ما نعرفه؟" وتحذر من فقدان الاتصال بالواقع إذا تم تدريب الذكاء الاصطناعي فقط باستخدام محتوى مُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي نفسه. وكما هو الحال مع النسخة المصورة من لوحة فنية فإن كل صورة إضافية تبتعد قليلا عن الواقع.
"الذكاء الاصطناعي يحتاج إلينا أكثر مما نحتاج إليه. على الأقل هذا ما أود أن أصدقه"، تقول رادش. ويأتي تحذيرها الختامي بصيغة قاطعة: "عندما تتلاقى القوة الاقتصادية والسياسية في نفس الشركات فإننا نشهد بنية "الفاشية التكنولوجية".
سيرياك رودينغ، رجل أعمال ومستثمر من وادي السيليكون يدعو في المقابل إلى تغيير المنظور ومزيد من المسؤولية الذاتية: "علينا أن نتخلى عن هذا الجدل المعتاد، شركات التكنولوجيا الكبرى ضد الصحفيين الفقراء". وبدلا من ذلك ينبغي على وسائل الإعلام تطوير نماذج أعمال جديدة والاعتماد بشكل أكبر على نماذج الدفع والاستفادة الفعالة من التقنيات. "إذا لم تدفع بالمال فأنت تدفع بـ"براينروت". و"براينروت" هو مصطلح عامي يشير إلى المحتوى ذي الجودة الرديئة.
تعتبر مارسيلا دوارتي من منظمة "آوس فاتوس" البرازيلية للتحقق من الحقائق نفسها صوت "الجنوب العالمي" في هذه المناقشة. وترى أن نماذج الاشتراك المدفوعة غير واقعية في بلدان مثل البرازيل، لأن الكثيرين لا يستطيعون تحمل تكاليفها. "أحيانا لا يملك الناس حتى المال الكافي لتناول الطعام. فهل من العدل أن يُطلب من الناس دفع ثمن المحتوى الذي يستهلكونه؟ لا أعتقد ذلك".
يجب أن تُمارس الصحافة في الأماكن التي يتواجد فيها الجمهور وهذه الأماكن هي حاليا منصات مثل ميتا أو غوغل . ولا يمكن تطبيق نماذج النجاح مثل نموذج الاشتراك المدفوع الذي تتبعه صحيفة "نيويورك تايمز" في جميع البلدان.
يقدم إيكارت فون هيرشهاوزن، الطبيب والصحفي الطبي والمذيع وجهة نظر مؤثرة بشكل خاص. "هناك أشخاص يموتون الآن بسبب الحصبة نتيجة للمعلومات المضللة". وبالنسبة له لا تقتصر المناقشة على العلاقة بين شركات التكنولوجيا الكبرى والعاملين في مجال الإعلام فحسب. "بالنسبة لي هذه مسألة حياة أو موت حقًّا".
وهو يطالب بمسؤولية واضحة من جانب المنصات وبإنشاء شبكة أوروبية "تسترشد بالقيم العامة وليس بالربح والأكاذيب".
يُقام منتدى الإعلام العالمي الذي تنظمه "دويتشه فيله DW" في بون هذا العام تحت شعار "الصحافة بصوت عالٍ. تحدث. استمع. تصرف". ويناقش أكثر من 1400 من العاملين في مجال الإعلام من أكثر من 110 دولة حتى 24 يونيو كيفية استجابة وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم للمعلومات المضللة والاستقطاب والتحول التكنولوجي والطرق الجديدة التي يمكنهم إيجادها لتعزيز دورهم الديمقراطي. وقالت المديرة العامة لـ DW باربرا ماسينغ في كلمتها الافتتاحية: "حرية الصحافة وحرية التعبير ليستا ترفا. إنهما أمران لا غنى عنهما للديمقراطية والأمن والمجتمعات الحرة".
يريد إيكارت فون هيرشهاوزن أن تُحمَّل المنصات مسؤولية أكبرصورة من: Stephanie Englert/DWكما تم الثلاثاء (23 يونو/حزيران 2026) منح جائزة الحرية التي تمنحها DW إلى رجل الأعمال الإعلامي جيمي لاي. ويُعد مؤسس صحيفة Apple Daily المعتقل منذ عام 2020 من أبرز المدافعين عن حرية الصحافة والديمقراطية في هونغ كونغ. وقد استلمت ابنته الجائزة نيابة عنه.
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW