لم يكن تعيين ويليام (بيل) بولت مديرا للاستخبارات الوطنية بالإنابة مجرد قرار إداري مفاجئ داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فقد بدا لكثير من المراقبين لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة الجديدة التي تدخلها الولايات المتحدة.
فالرجل القادم من عالم التمويل والإسكان، من دون أي سابق خبرة استخباراتية أو أمنية تُذكر، وصل إلى أحد أكثر المناصب حساسية في الدولة بفضل ما يصفه مؤيدوه بالولاء المطلق للرئيس، وما يراه منتقدوه نموذجا لتغليب الانتماء السياسي على الكفاءة المهنية.
وبينما تركزت التغطيات الإعلامية على شخصية بولت نفسها، فإن الصورة الأوسع التي رسمتها صحف ومجلات أمريكية عدة تتجاوز الرجل إلى سؤال أكبر: كيف يعيد ترمب تشكيل مؤسسات الحكم على صورته؟
وفي تقرير مطول أعده 3 من مراسليها، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن بولت الذي شغل منصب مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان -وهي الجهة المشرفة على سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة- رأى في استقالة تولسي غابارد المفاجئة فرصة سانحة، فتقدم للرئيس بمقترح جريء لخلافتها كمدير بالوكالة للاستخبارات الوطنية.
ورغم أن بولت لا يملك أي خبرة في مجال الأمن القومي، فإنه يحظى بميزة يقدّرها ترمب فوق كل اعتبار، وهي الولاء المطلق. ونقلت الصحيفة عن أشخاص "مطلعين على الأمر" أن بولت قدّم نفسه، خلال محادثاته مع الرئيس، بوصفه منافحا صلدا عن سياسة ترمب الخارجية، كما أعرب عن تأييده للحرب على إيران.
وذكرت الصحيفة أن هذا الطرح نال قبولا واقتناعا لدى ترمب، الذي أبدى في الأيام الأخيرة تبرماً متزايدا تجاه من منتقديه في الحزب الجمهوري قبل أن يفاجئ مستشاريه يوم الثلاثاء بإعلانه عبر منصته (تروث سوشيال) تعيين بولت كبير مستشاريه لشؤون الاستخبارات.
ووفقا للتقرير، فقد وجد ترمب في بولت نموذجا للمسؤول الذي لا يتردد في خوض المعارك السياسية دفاعا عنه، وهو ما ساعده على الفوز بالمنصب رغم المفاجأة التي أحدثها القرار حتى بين عدد من كبار مساعدي الرئيس.
لكن ردود الفعل داخل الكونغرس أظهرت حجم الشكوك المحيطة بالتعيين. فقد قال السيناتور الجمهوري جون كورنين إنه لا يرى أي دليل على امتلاك بولت المؤهلات اللازمة للوظيفة، فيما حذر زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون من خطر تحويل المنصب إلى أداة سياسية، قائلا: "لسنا بحاجة إلى مدير استخبارات مُسيّس".
لم يعلم مسؤولو وزارة الخزانة بقرار تعيين بولت في المنصب الاستخباراتي الرفيع إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أثناء تحضير الوزير لجلسة استماع في الكونغرس
وتتفق معظم تغطيات الإعلام الأمريكي على أن العامل الحاسم في صعود بولت لم يكن الخبرة بل العلاقة الخاصة التي بناها مع ترمب منذ توليه رئاسة الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان.
فالرجل الذي يشرف على مؤسسات الرهن العقاري العملاقة -مثل فاني ماي وفريدي ماك- نجح في تحويل منصبه الفني إلى منصة سياسية لافتة، مستخدما التحقيقات والاتهامات الموجهة إلى خصوم ترمب كوسيلة لإثبات ولائه للرئيس.
ولم يعلم مسؤولو وزارة الخزانة بقرار تعيين بولت في المنصب الاستخباراتي الرفيع إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أثناء تحضير الوزير لجلسة استماع في الكونغرس.
وقد نجح بولت، الذي يُلقبه البعض بـ "ترمب الصغير"، في كسب ثقة الرئيس بفضل نهجه الهجومي الحاسم في أداء دوره كرئيس لقطاع الإسكان في الإدارة الأمريكية.
من جانبها، أوضحت مجلة تايم في تقرير إخباري للصحفي كونور غرين أن بولت زعم أن عددا ممن يُعتقد أنهم خصوم لترمب قد ارتكبوا عمليات احتيال في الرهانات العقارية، من بينهم السيناتور آدم شيف، والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، وعضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، والنائب السابق إريك سوالويل، إضافة إلى المدعية العامة لمقاطعة فولتون فاني ويليس.
ورغم أن جميع هؤلاء نفوا الاتهامات، وأن معظم الملفات لم تسفر عن إدانات أو أحكام قضائية، فإن بولت اكتسب سمعة داخل الأوساط المحافظة باعتباره أحد أكثر المسؤولين استعدادا لخوض المواجهات السياسية دفاعا عن الرئيس.
وبدوره، كشف موقع بوليتيكو الإخباري أن بولت أصبح خلال فترة قصيرة أحد أكثر المسؤولين ظهورا إلى جانب ترمب، حتى إنه كان يرافق الرئيس أحيانا على متن الطائرة الرئاسية ويشارك في نقاشات سياسية تتجاوز بكثير اختصاصاته الأصلية في قطاع الإسكان.
غير أن بولت لم يكن شخصية توافقية حتى داخل البيت الأبيض نفسه. فبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، أثار أسلوبه العدائي خلافات حادة مع عدد من كبار المسؤولين، من بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي وصل به الحد في إحدى المرات إلى التهديد بالاعتداء عليه جسديا بعد أن علم بأن بولت كان يهاجمه أمام ترمب.
كما أثار استياء مسؤولين آخرين بسبب تجاوزه التسلسل الإداري التقليدي ولجوئه المباشر إلى الرئيس, سواء عبر لقاءات خاصة في منتجع مارالاغو بفلوريدا أو أثناء عطلات نهاية الأسبوع في ملاعب الغولف التي يملكها ترمب.
لكن موقع بوليتيكو يشير إلى أن بولت يُعرَف عنه أيضا، في أروقة البيت الأبيض، بأنه مسؤول يفتقر إلى الانضباط ويميل إلى إثارة الفوضى داخل المؤسسات، وقد دخل في السابق في خلافات مع مسؤولين آخرين، من بينها الجدل الذي أثاره مقترحه قصير العمر بتمديد مدة الرهن العقاري إلى 50 عاما، وهو اقتراح قوبل بسخرية وانتقادات واسعة في الأوساط العامة والرسمية.
لكن التحليل الأكثر عمقا جاء من افتتاحية نشرتها مجلة نيوزويك بعنوان "“ترمب الصغير هو الخليفة الفعلي المستهدف". وترى المجلة أن أهمية تعيين بولت لا تكمن في المنصب ذاته، بل في الرسالة السياسية التي يبعثها القرار.
فبحسب الافتتاحية، لا ينبغي النظر إلى بولت على أنه مجرد مسؤول انتقل من قطاع الإسكان إلى الاستخبارات، بل كنموذج لما تسميه المجلة "إعادة إنتاج الترمبية داخل مؤسسات الدولة". فالرجل -بنظرها- لا يمثل وريثا سياسيا لترمب بالمعنى التقليدي، وإنما يجسد أسلوب الحكم الذي يسعى الرئيس إلى تعميمه عبر مختلف أجهزة الحكومة.
وتقول المجلة إن الترمبية -وهي مصطلح يشير إلى الأيديلوجيا والسياسات الشعبوية للرئيس الأمريكي- لم تعد تنتظر ظهور وريث واحد يخلف ترمب في الانتخابات المقبلة، بل باتت تنتج "نسخا مصغرة" منه داخل المؤسسات الحكومية المختلفة.
وهذه النسخ تتشارك مجموعة من السمات تتجلى في الاعتماد المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، واستهداف الخصوم السياسيين، وتجاوز القنوات البيروقراطية التقليدية، وإظهار الولاء الشخصي للرئيس بوصفه فضيلة سياسية عليا.
ولهذا السبب تحديدا اكتسب بولت لقب "ترمب الصغير" داخل الإدارة.
وترى نيوزويك أن هذا اللقب لم يعد مجرد مزحة متداولة في دوائر واشنطن، بل تحول إلى توصيف دقيق لآلية العمل داخل الإدارة. فالمؤهلات الفنية أو الخبرة المتخصصة أصبحت أقل أهمية من القدرة على أداء الدور السياسي الذي يفضله الرئيس.
وتدعم تقارير أخرى هذا الاستنتاج. فقد أشارت مجلة تايم إلى أن ترمب برر اختياره بولت بالحديث عن خبرته في إدارة ملفات مالية ضخمة تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار من خلال إشرافه على فاني ماي وفريدي ماك، وليس بالاستناد إلى أي خبرة أمنية أو استخباراتية.
لكن منتقدي القرار يرون أن هذا التبرير يثير مزيدا من المخاوف بدلا من تبديدها. فقد أوردت مجلة تايم تصريحا للسيناتور الديمقراطي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، حذر فيه من أن اختيار مسؤول يفتقر إلى الخبرة المطلوبة قد يؤدي إلى "تسييس المعلومات الاستخباراتية".
وأضاف أن الخطر لا يكمن فقط في ضعف الكفاءة، بل في احتمال أن يُطلب من أجهزة الاستخبارات تقديم الرواية التي يرغب البيت الأبيض في سماعها بدلا من الحقائق المجردة.
ويبرز هنا سؤال جوهري طرحته معظم هذه التغطيات الإعلامية: هل يمثل تعيين الرجل حالة استثنائية فرضتها الظروف بعد استقالة تولسي غابارد، أم أنه جزء من نمط أوسع؟
في هذا السياق، تقر نيوزويك بأن للرئيس الحق في تعيين مسؤول مؤقت لسد الفراغ، وأن بولت ليس شخصية هامشية أو مجهولة، إذ سبق أن حصل على مصادقة مجلس الشيوخ لتولي رئاسة وكالة تمويل الإسكان.
إلا أن المجلة تؤكد أن الدلالة السياسية للقرار تتجاوز الجوانب الإجرائية. فحين يظهر منصب حساس بشكل مفاجئ، فإن الشخص الذي يختاره الرئيس لملئه يكشف كثيرا عن أولوياته ومعاييره.
وتبدو هذه النقطة حاضرة أيضا في تقرير بوليتيكو، الذي يرى أن بولت نجح في تحويل وكالة الإسكان من هيئة تنظيمية مستقلة إلى أداة سياسية تخدم أجندة ترمب الاقتصادية والانتخابية. حتى إن بعض الخبراء الذين تحدثوا للموقع الإخباري اعتبروا أن الوكالة أصبحت أقرب إلى منصة دعائية للرئيس منها إلى جهة تنظيمية مختصة بسوق الرهن العقاري والإسكان.
الجدل الذي أثاره تعيين بولت كشف تحولا أعمق يجري داخل مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، يتمثل في انتقال الترمبية من كونها حركة سياسية يقودها رجل واحد إلى نموذج إداري وسياسي يجري استنساخه داخل أجهزة الدولة نفسها
وبينما يختلف المراقبون حول قدرة مدير الاستخبارات الوطنية الجديد على إدارة مجتمع الاستخبارات الأمريكي فعليا، تتفق معظم التحليلات على أن تأثير تعيينه لا يتعلق فقط بما سيفعله خلال الأشهر المقبلة، بل بالرسالة التي يوجهها إلى بقية المسؤولين داخل الإدارة.
فالدرس الذي يلتقطه الطامحون للصعود، بحسب نيوزويك، واضح للغاية وهو أن الولاء والمواجهة السياسية واستهداف الخصوم قد تكون أكثر فاعلية من الخبرة التخصصية في فتح أبواب المناصب العليا.
وفي النهاية، قد يغادر بولت منصبه المؤقت خلال أشهر، وقد يختار ترمب مرشحا آخر أكثر تقليدية لشغل المنصب بصورة دائمة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو قصة بيل بولت أقل ارتباطا بمستقبل جهاز الاستخبارات الأمريكي، وأكثر اتصالا بمستقبل الترمبية ذاتها، وما إذا كانت ستتحول إلى ظاهرة مرتبطة بشخص ترمب فقط، أم بأسلوب حكم قادر على إعادة إنتاج نفسه عبر عشرات المسؤولين الذين يتبنون أسلوبه ويصعدون بفضله؟ هذا هو السؤال الذي جعل تعيين "ترمب الصغير" حدثا يتجاوز بكثير حدود المنصب الذي حصل عليه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة