في القدس، بدا المشهد انتصارا دبلوماسيا نادرا لصوماليلاند، الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال قبل أكثر من ثلاثة عقود ولم يحصل على اعتراف دولة عضو في الأمم المتحدة إلا قبل أشهر قليلة.
يوم الاثنين الماضي، سلّم محمد هاجي أوراق اعتماده سفيرا لصوماليلاند لدى إسرائيل، في مراسم استقبله خلالها الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ . وبعد يومين، أعلنت هرجيسا أنها ستفتح سفارتها في القدس وتعترف بها عاصمة لإسرائيل، فيما تستعد إسرائيل لافتتاح بعثة في هرجيسا.
لكن أثر الخطوة لا يتوقف عند هذه العلاقة الثنائية. فعلى بعد آلاف الكيلومترات من القدس، وفي مدينة برْبرة، ميناء صوماليلاند على خليج عدن، تجد المدينة في قلب صراع يتسع في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع طموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر، وقلق الصومال على وحدة أراضيه، وحسابات مصر في البحر الأحمر، ونفوذ الإمارات في الموانئ، وموقع إسرائيل قرب باب المندب.
أعلنت صوماليلاند انفصالها عن الصومال قبل أكثر من 35 عاما، وبنت طوال هذه العقود مؤسسات أكثر استقرارا نسبيا مما تمكنت منه مقديشو، لكنها بقيت بلا اعتراف دولي حتى الـ 26 من ديسمبر 2025، حين أعلنت إسرائيل اعترافها بها دولة مستقلة. وأضحت إسرائيل حتى الآن العضو الوحيد في الأمم المتحدة الذي أقدم على هذه الخطوة.
أعقب ذلك زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا في يناير 2026، ثم تعيين ميخائيل لوتم سفيرا لإسرائيل لدى صوماليلاند في أبريل الماضي.
تأتي هذه الخطوات في وقت عاد فيه البحر الأحمر وخليج عدن إلى قلب الحسابات الإقليمية. فقد أربكت هجمات الحوثيين على السفن، ومعها تجدد مخاوف القرصنة، حركة الملاحة في ممر يمر عبره نحو 12 في المئة من الشحن العالمي عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وفي هذه البيئة، تزداد أهمية أي ميناء أو نقطة دعم لوجستي قريبة من باب المندب.
من هنا تكتسب برْبرة وزنها. فالمدينة تقع على الضفة الأفريقية لخليج عدن، على مسافة تقل عن 300 كيلومتر من سواحل جنوب اليمن، حيث بنت الإمارات خلال سنوات الحرب نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً. وقبل أن يدخل الاعتراف الإسرائيلي على المشهد، كانت أبوظبي قد سبقت إلى ترسيخ حضورها في برْبرة، عبر الميناء والعلاقات المباشرة مع هرجيسا.
وتتولى موانئ دبي العالمية تشغيل ميناء برْبرة بالتزام استثماري يصل إلى 442 مليون دولار، يربطه بمنطقة برْبرة الاقتصادية وبخط شحن بحري منتظم إلى جبل علي كل تسعة أيام، إضافة إلى ممر بري نحو إثيوبيا. وفي 2021، سلّم مدير المكتب التجاري الإماراتي في صوماليلاند أوراقه إلى الرئاسة في هرجيسا، في خطوة منحت أبوظبي صلة شبه دبلوماسية دون الحاجة إلى اعتراف رسمي.
والبنية الأمنية أقدم من ذلك. ففي 2018 أعلن رئيس صوماليلاند آنذاك أن الإمارات ستدرّب قواته الأمنية مقابل قاعدة عسكرية في برْبرة لمدة ثلاثين عاما، قبل أن تعاد صياغة المشروع في 2019 ويُحول المطار لأغراض مدنية. هذا التحول لا يلغي السؤال الأمني، بل ينقله إلى منطقة رمادية تضم منشآت مزدوجة الاستخدام، وتدريبا أمنيا، وحضورا قابلا للتطور دون إعلان.
و مؤخرا، كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، استنادا إلى صور أقمار اصطناعية، عن أعمال إنشاء واسعة في مطار برْبرة بين أواخر 2025 وأوائل 2026، تزامنا مع الاعتراف الإسرائيلي. لكن ذلك يبقى مؤشرا على بنية تحتية قابلة للاستخدام المزدوج، لا دليلا على نشر قتالي معلن.
وتزداد حساسية برْبرة مع خلاف الإمارات ومقديشو. ففي يناير 2026، أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، بما في ذلك اتفاقات الموانئ والدفاع والأمن، واتهمت أبوظبي بتقويض السيادة الصومالية. لكن صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند رفضت القرار، ما كشف حدود سلطة المركز وقوة العلاقات المباشرة بين الإمارات والأقاليم الصومالية.
يقول ماثيو برايدن، المسؤول الأممي السابق في الصومال ومدير مركز ساهان للأبحاث، إن حضور أبوظبي في صوماليلاند يندرج ضمن استثمار إماراتي قديم في “علاقات براغماتية بُنيت قبل أن تكون لدى مقديشو حكومة فاعلة”.
ويرى عمر محمود، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، أن الإمارات استفادت من التشظي السياسي الصومالي، فنسجت علاقات مباشرة مع الأقاليم، خصوصا عندما تتوتر علاقتها مع الحكومة المركزية في مقديشو.
لم يبدأ الاعتراف الإسرائيلي قصة برْبرة، لكنه أضاف إليها أبعادا أخرى. فالميناء الذي بنت فيه الإمارات نفوذا تجاريا وأمنيا صار الآن جزءا من معادلة تتداخل فيها مسألة الاعتراف بصوماليلاند مع أمن البحر الأحمر وباب المندب.
يضيف برايدن أن “صوماليلاند تنتظر الاعتراف منذ أكثر من 35 عاما، ومن هذا المنطلق فإن الجهة التي يأتي منها الاعتراف أقل أهمية من كسر التابو نفسه”. لكن “التوقيت، وحقيقة أن إسرائيل هي من كسر الجليد، يدفعان هرجيسا إلى قلب أزمة جيوسياسية لا تملك أدوات كافية لإدارتها”.
أما محمود فيرى أن الاعتراف “يفعل الأمرين معا؛ يكسر حاجزا تاريخيا في طريق صوماليلاند نحو الاعتراف الدولي، لكنه يأتي بكلفة صنع خصوم جدد”.
وقد جاء رد الفعل سريعا؛ إذ وصفت مقديشو زيارة ساعر بأنها “تعدّ على السيادة”، ودعا الاتحاد الأفريقي إسرائيل إلى التراجع عن الاعتراف، فيما اعتبرته تركيا غير قانوني، وأكدت الصين دعمها لوحدة الأراضي الصومالية. حتى الإمارات، رغم انغماسها العميق في برْبرة، تجنبت حتى الآن الذهاب إلى الاعتراف الرسمي.
ولا تبدو القاهرة بعيدة عن هذا القلق. فمصر تقرأ برْبرة وصوماليلاند من زاوية تتصل بأمن البحر الأحمر، ووحدة الصومال، وموازين القرن الأفريقي. يقول فوزي عشماوي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، لـ”الحرة”، إن “الإستراتيجية المصرية تنبني على عدة أسس”، من بينها “اقتصار الترتيبات الخاصة بأمن البحر الأحمر على الدول المشاطئة له”، بما يعني “استبعاد أثيوبيا طبقا قواعد القانون الدولي من أي ترتيبات تخص أمن البحر الأحمر”.
وتكتسب الإشارة إلى إثيوبيا هنا معناها من علاقتها المتنامية بصوماليلاند. فأديس أبابا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا، ترى في برْبرة أحد أهم منافذها المحتملة إلى البحر، ووقّعت عام 2024 مذكرة تفاهم مع هرجيسا لاستخدام منفذ بحري، في خطوة ربطت بين طموح إثيوبيا للوصول إلى البحر وملف الاعتراف بصوماليلاند. لذلك، لا ترى القاهرة المسألة كخلاف صومالي داخلي فقط، بل كبوابة قد تسمح لإثيوبيا بدخول معادلات البحر الأحمر من خارج الدول المشاطئة له. ويضيف عشماوي أن القاهرة حريصة على “الإبقاء على وحدة دولة الصومال” و”رفض ما يسمى بدولة صوماليلاند ورفض المخططات الإسرائيلية”.
لكن، هل تستطيع برْبرة تغيير معادلات المراقبة والردع في باب المندب؟
يميّز برايدن بين أهمية الموقع وقدرة الإقليم الفعلية، إذ يقول إن “إقامة منشآت محتملة مزدوجة الاستخدام في برْبرة قد تسد فجوة خطيرة في المراقبة البحرية قرب مدخل باب المندب”، مشيرا إلى أن صوماليلاند تعجز عن مراقبة ساحلها الممتد لأكثر من 850 كيلومترا بسبب نقص الموارد وغيابها عن الترتيبات البحرية الإقليمية. ويضيف أن برْبرة قد تتحول إلى “ميناء ملجأ” للسفن إذا تعطلت الملاحة في المضيق.
لا تقتصر المخاطر على ردود الفعل الدبلوماسية. فالاعتراف الإسرائيلي قد يتحول، بالنسبة إلى صوماليلاند، من خطوة تعزز مسعاها إلى السيادة إلى عبء سياسي، خصوصا مع رفض دول إسلامية وأفريقية له. وقد يفتح أيضا بابا لتهديدات أمنية مباشرة. فقد سبق أن قال زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي إن جماعته “جادة” في استهداف أي تمركز إسرائيلي في صوماليلاند، سواء كان “قاعدة عسكرية أو أي تمركز ثابت”.
وثالثها أن تتحول صوماليلاند إلى ساحة صراع بالوكالة ويتحول الاعتراف ذاته من حق سياسي قائم على تقرير المصير إلى مقابل أمني يُمنح ويُسحب وهو ما يحذر منه برايدن بالقول: “أي حكومة في هرجيسا تقايض حقوق القواعد أو التسهيلات الأمنية بأقل من سيادة سياسية كاملة قد تواجه رفضا شعبيا أو سياسيا يطيح بها في صناديق الاقتراع أو يعزلها برلمانيا”.
وهنا تكمن الفرصة، ويكمن الفخ أيضا.
المصدر:
الحرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة