في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يُقدم كثير من السوريين على المخاطرة باستثمار مبالغ مالية كبيرة في منصات تداول ومواقع تسويق إلكتروني غير مرتبطة بالأسواق العالمية أو بمؤسسات مصرفية موثوقة، في محاولة لتحقيق دخل إضافي سريع. غير أن هذه المساعي تعرّضهم لاحتمال خسارة أموالهم في لحظة واحدة، ورغم ذلك، تشهد هذه الظاهرة رواجًا وانتشارًا ملحوظًا في العديد من المدن والبلدات السورية، مدفوعةً برغبة ملحّة في الهروب من واقع الفقر والعوز الذي يرزح تحته جيل كامل من العاطلين عن العمل .
غالبًا ما تكون هذه المنصات والحسابات وهمية أو احتيالية، إذ تظهر عبر إعلانات مجهولة المصدر تنتشر على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي بأساليب متنوعة تهدف إلى استدراج الضحايا.
ويروي سردار (32 عامًا)، وهو الاسم الأول لأحد سكان بلدة تل تمر في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا ، كيف بدأت هذه الإعلانات بالانتشار بكثافة على صفحاته منذ بداية العام الجاري. ويضيف أنه استفسر من أحد أقاربه العاملين في شركة صيرفة، الذي أخبره بأنها منصة استثمارية جديدة في مجال التداول، يُروَّج لها على أنها تحقق أرباحًا مرتفعة .
بدأت قصة هذا الشاب ببيع جزء من مصاغ زوجته ، ليدخل منصة التداول بمبلغ ألفي دولار على أمل تحقيق ربح سريع. سردار، الذي يملك مقهى لتقديم المشروبات الساخنة والباردة في بلدة تل تمر، حوّل مكانه إلى نقطة تجمع لمتداولين آخرين. ويوضح، في حديثه لـ DW عربية، أنه نجح في إقناع عشرة أشخاص من أقاربه ومحيطه بالانضمام إلى منصة تحمل اسم "إكس" (EX). ويقول: "توسّعت شبكة اشتراكي وحققت ربحًا بلغ ألف دولار، فسحبته مباشرة خوفًا من توقّف التطبيق. وبعد أيام قليلة، تعطلت المنصة بالفعل وخسرت ما تبقّى من المبلغ".
ويظهر كثير من المؤثرين على صفحات وحسابات وهمية على السوشيال ميديا للترويج لهذه المنصات، التي تحمل علامات وأسماء تجارية غير معروفة وبدون أرصدة تحفز متابعيها للدخول في الاستثمار الإلكتروني، ومهمة هؤلاء المؤثرين، والذين غالباً ما يكونون من جيل الشباب؛ شرح طريقة المراهنات بالاعتماد على مخطط (بونزي) الاحتيالي تبدأ بدفع اشتراك يتراوح بين 350 و500 دولار، ليتمكن الزبون من الولوج في التطبيق والبدء بعمليات الشراء والبيع، وإقناع آخرين لتوسيع شجرة الاشتراك لتحقيق المكاسب الموعودة.
وقعت هيلين (42 عامًا)، المنحدرة من بلدة تل تمر، هي الأخرى ضحية لمنصة "EX" ، بعد أن أغرتها الإعلانات المتكررة التي تروّج لأرباح سريعة وسهلة في مجال الاستثمار. ورغم تحذيرات شقيقها المقيم في النمسا، الذي شدّد على خطورة الانخراط في مثل هذه الأنشطة المعروفة نتائجها سلفًا، قررت خوض التجربة على أمل تحسين وضعها المعيشي .
وتروي هيلين أنها أودعت مبلغ 500 دولار في نهاية فبراير/شباط الماضي، عبر شركة صيرفة محلية حوّلت الأموال إلى جهات مجهولة دون أسماء واضحة. ولم تكتفِ بذلك، بل شجّعت أفرادًا من عائلتها وأقاربها على الاشتراك لزيادة أرباحها. وتضيف في حديثها لـDW: "بعد 20 يومًا، كنت أحقق أرباحًا يومية تصل إلى 100 دولار، وبلغ إجمالي أرباحي نحو 5 آلاف دولار، فقررت سحبها قبل عيد الفطر، لكن التطبيق توقّف فجأة، وخسرت كل شيء".
ما جرى مع سردار وهيلين وغيرهما ليس سوى نموذج لظاهرة احتيال متنامية في شمال شرقي سوريا ، حيث وقع عشرات الآلاف ضحية منصات تداول إلكترونية وهمية. ووفقًا لمسؤول أمني في وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لقوى الأمن الداخلي، فضّل عدم الكشف عن اسمه أو موقعه نظرًا لحساسية الملف، فقد سقط نحو 28 ألف مشترك في فخ منصة "EX" خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، فيما قُدّرت الخسائر المالية بنحو 14 مليون دولار، في مؤشر مقلق على اتساع نطاق هذه العمليات الاحتيالية وتسارع انتشارها .
يرى الخبير الاقتصادي السوري عدنان عبد الرزاق، في حديثه لـ DW عربية، أن تنامي ظاهرة المنصات الوهمية لا يقتصر على الدول، التي تعيش حروبًا أو اضطرابات داخلية، رغم أن تردي المستوى المعيشي و"التخلف التقني" يزيدان من حدّتها. ويضيف أن "سوريا بالنسبة لأصحاب تلك المنصات، باتت بيئة خصبة لأن المواطن يعاني من البطالة، بعدما وصلت النسبة لما يزيد عن 80 بالمائة ونسبة الفقر تخطت 90 بالمائة".
وهذه المؤشرات مؤاتيه لمناخ انتشار هكذا منصات كي تصطاد ضحاياها. وفي هذا السياق، يؤكد خبراء ومحللون اقتصاديون أن هذه المنصات تستغل هذا الواقع من خلال الترويج لأرباح وهمية وسريعة، غالبًا عبر مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي يكونون جزءًا من شبكة الاحتيال مقابل عمولات مجزية. كما تلعب بعض شركات الصيرفة والحوالات دورًا غير مباشر في تسهيل تحويل الأموال، ما يساهم في اتساع نطاق هذه الأنشطة .
ويشير عبد الرزاق إلى أن الإغراءات المالية والوعود بتحقيق أرباح سهلة وسريعة تجذب شريحة واسعة، لا سيما الشباب، للوقوع في هذا الفخ. ويوضح أن هذه المنصات تقدم في البداية عوائد محدودة من أموال مشتركين آخرين كـ"طُعم"، قبل أن تتلاشى الأرباح لاحقًا بخسائر فادحة. وغالبًا ما تنتهي هذه العمليات الاحتيالية إمّا بتوقف التطبيقات بشكل مفاجئ أو باختفائها كليًا من الإنترنت، تاركة الضحايا أمام خسائر قاسية دون أي إمكانية للاسترداد .
في محافظة إدلب، الواقعة أقصى شمال غربي سوريا، تحوّلت منصات الربح الإلكتروني إلى ظاهرة واسعة استنزفت مدخرات الباحثين عن الثراء السريع، لتغدو أشبه بـ"وباء رقمي" يفتك بضحاياه. فقد انتشرت تطبيقات مثل Mystbox وTrannlly ، ثم منصة DOBIBO التي حظيت بانتشار كبير عبر وسطاء محليين ومجموعات على واتساب وتلغرام، فيما برزت منصة OptCoin كإحدى أكثرها تأثيرًا من حيث عدد الضحايا وحجم الخسائر، التي قُدّرت بمئات آلاف الدولارات .
سعاد (33 عامًا)، من سكان إدلب، خاضت هذه التجربة بدافع الحاجة، فانضمت إلى منصة DOBIBO في فبراير/شباط الماضي، بعد أن سمعت قصصًا متكررة عن أرباح سريعة حققها آخرون خلال فترة قصيرة. وبالاتفاق مع زوجها، باعت مصاغها الذهبي، الذي كان مخصصًا لشراء منزل صغير، وأودعت نحو ألفي دولار في المنصة. وتقول: "كنت أرى الأرباح تتزايد يوميًا داخل التطبيق، والأرقام ترتفع أمام عيني، فتوهمت أنني وجدت أخيرًا فرصة لتحسين وضعنا المعيشي… لكن التطبيق توقف فجأة".
ولم تتوقف معاناة سعاد عند هذا الحد، إذ لجأت إلى الاستدانة بمبلغ ثلاثة آلاف دولار من معارفها، لتستثمره في منصة أخرى تُدعى OptCoin في مارس/آذار الماضي. وقد بدت هذه المنصة أكثر احترافية، بواجهة تحاكي منصات التداول العالمية وتعرض رسومًا بيانية وتحليلات مالية معقّدة. وخلال أسابيع، ارتفع رصيدها إلى نحو ستة آلاف دولار، خاصة بعد أن أقنعت نساءً أخريات بالانضمام أملاً في مضاعفة الأرباح. وتضيف: "كنت أتابع رصيدي يوميًا، وكنت على وشك سحب المال، لكنني طمعت بأن تصل الأرباح إلى عشرة آلاف دولار لأعوض خسارتي وأسدد ديوني".
غير أن هذا الحلم سرعان ما انهار، بعدما توقفت المنصة عن العمل واختفت الأرصدة بشكل مفاجئ. وعندما كشفت سعاد الحقيقة لزوجها، انتهت القصة بالطلاق، لتتحول الخسارة المالية إلى مأساة شخصية قاسية. وفي سياق متصل، شهدت عدة مدن سورية تزايدًا في عدد الدعاوى والشكاوى المقدّمة إلى المحاكم ومخافر الشرطة، على خلفية تصاعد عمليات النصب والاحتيال المرتبطة بهذه المنصات، وما خلّفته من أزمات اجتماعية واقتصادية عميقة.
أما سعد، والذي يعمل موظفاً في شركة خاصة ويتقاضى أجراً شهرياً بحدود 200 دولار، فاستدان مبلغ ثلاثة آلاف دولار ليستثمرها في منصة OptCoin بداية مارس/ آذار الماضي، بعد أن أقنعه أحد معارفه بأنها فرصة مضمونة لا تتكرر، ظنّها طريقه لتحسين وضعه المعيشي لكن انتهت به لدخول السجن ودفع كفالة مالية للتخلص من الدعوى المرفوعة عليه أمام القضاء.
وبالفعل خلال شهر واحد زاد المبلغ إلى أربعة آلاف دولار، ثم إلى ستة آلاف دولار في الشهر التالي، وقال هذا الرجل الأربعيني: "كانت الأرباح ترتفع سريعاً كلما زادت نسبة المشتركين ومرور الأسابيع، قبل أن يتوقف التطبيق وفقدت كل الأموال وخسارتي عرضتني للسجن وخرجت بكفالة مالية".
ويعزو الصحفي الاستقصائي عبد الغني العريان، المتحدر من إدلب، انتشار منصات التداول والربح الرقمي إلى التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية في سوريا عمومًا، وما رافقه من ارتفاع كبير في معدلات البطالة وتراجع ملموس في الدخل والأجور. ويؤكد، في حديثه لـ DW عربية، أن هذا الواقع دفع شريحة واسعة من السوريين، بمختلف فئاتهم، إلى "البحث عن بدائل سريعة لتحسين دخلهم، ما جعلهم أكثر عرضة للانجذاب نحو تلك المنصات التي تروّج لأرباح مرتفعة خلال فترات زمنية قصيرة وبمخاطر شبه معدومة".
ويوضح العريان أن هذه المنصات تعتمد في عملها على نموذج احتيالي يقوم على دفع أرباح للمشتركين الأوائل من أموال المنضمين الجدد، دون وجود أي نشاط استثماري حقيقي أو أصول مالية واضحة. وقد تسببت هذه الآلية في تكبيد آلاف السوريين خسائر فادحة، تراوحت بين آلاف وعشرات آلاف الدولارات للفرد الواحد. ويضيف: "بعض الحالات خسرت مئات الآلاف من الدولارات بعد بيع ممتلكات شخصية أو اللجوء إلى الاستدانة بهدف مضاعفة الأرباح، كما سُجّلت حالات متكررة لوقوع أكثر من فرد من نفس العائلة في الفخ نفسه"، ما أدى إلى تضاعف الخسائر وتعميق الأعباء المالية .
شهدت العديد من المدن والبلدات السورية ارتفاعًا كبيرًا في استخدام منصات الاستثمار الرقمي، مما أدى إلى إفراغ جيوب الكثيرين. (03.05.2026) صورة من: Kamal Sheikho/DWسوريا ليست استثناءً في تنامي ظاهرة منصات التداول الوهمية على مستوى العالم العربي؛ إذ شهدت مصر ودول أخرى خلال العام الماضي واحدة من أكبر عمليات الاحتيال عبر ما عُرف بـ"منصة FBC " حيث تكبّد نحو مليون مشترك خسائر قُدّرت بنحو 6 مليارات دولار، قبل أن تختفي المنصة بشكل مفاجئ في فبراير/شباط 2025. وفي السياق ذاته، تسببت “منصة داوبت” بخسائر بملايين الدولارات لمتداولين في لبنان، بعدما اختفت فجأة عقب إطلاق وعود بأرباح شهرية مرتفعة، ما يعكس اتساع رقعة هذه الظاهرة وخطورتها في المنطقة .
وشهدت الجزائر أيضًا عمليات احتيال مماثلة، حيث وقع عدد كبير من المستثمرين ضحية لـ" منصة OCM " بعد أن أودع المشتركون مبالغ مالية متفاوتة قبل أن تنقطع أي وسيلة تواصل مع القائمين عليها بشكل مفاجئ، ما أسفر عن خسائر قُدّرت بملايين الدولارات .
وفي سياق متصل، حذّر مصرف سوريا المركزي مرارًا من مخاطر الاستثمار في المنصات الوهمية والاحتيالية. ورغم تنبيهات خبراء الاقتصاد والأمن الرقمي من الوقوع في شِباك هذه الأنشطة، إلا أن هذه المنصات تواصل الظهور بأسماء جديدة، مستفيدةً من ضعف الوعي المالي والرقمي، إلى جانب التحديات التقنية التي تسهّل انتشارها واستدراج مزيد من الضحايا .
تحرير: صلاح شرارة
المصدر:
DW