في لحظة دولية مشحونة بالتوترات التجارية والتنافس التكنولوجي، تعيد قمة بكين ضبط العلاقات بين الولايات المتحدة والصين عبر لغة الأرقام والصفقات وليس عبر البيانات والخطابات الرئاسية.
فمع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعاصمة الصينية ولقائه بالرئيس شي جين بينغ، برزت مؤشرات قوية على أن مسار التهدئة قد يمر من البوابة التجارية بطلبات طائرات بوينغ ولحوم الأبقار وفول الصويا، في مشهد يخلط بين الحسابات الإستراتيجية وحاجات الأسواق.
وبينما تبدو هذه التحركات ذات طابع تجاري مباشر، إلا أن دلالاتها السياسية والإستراتيجية تعكس توجها أوسع نحو احتواء التوتر وإعادة بناء الثقة بين الجانبين.
نقلت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الصين تقترب من تقديم "طلبات ضخمة" لشراء طائرات بوينغ، في خطوة قد تشكل أول صفقة كبرى منذ نحو عقد من الانقطاع المرتبط بالخلافات الجيوسياسية والتنظيمية.
وأوضح بيسنت أن هذه الصفقة قد تكون أحد أبرز المخرجات الملموسة لزيارة ترامب، مستحضرا زيارة عام 2017 حين أُعلن عن عقد بقيمة 37 مليار دولار لشراء 300 طائرة.
وتقول الصحيفة إن هذا التوجه يأتي ضمن ما يُعرف بـ"ثري بيز" وتعني مشتريات الصين من فول الصويا، لحوم الأبقار، وطائرات بوينغ (beans, beef and Boeing) وهي قطاعات تقليدية لطالما استُخدمت كأدوات توازن تجاري بين البلدين.
كما أشار بيسنت إلى بحث إنشاء "مجلس تجاري" مشترك لإدارة العلاقات التجارية التي تشمل القطاعات غير الحيوية وغير الإستراتيجية، إلى جانب "مجلس استثماري" يهدف إلى توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات غير الإستراتيجية وغير الحساسة أمنيا.
وكشفت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" في تقرير آخر لها أن الصين جددت تراخيص استيراد لحوم الأبقار من مئات المصانع الأمريكية، بعد أن كانت قد انتهت صلاحيتها وسط الحرب التجارية، وهو ما أدى -في حينها- إلى تراجع شحنات هذه السلعة ومشتقاتها بنسبة 67% بين عامي 2024 و2025.
وحمل هذا الإجراء بعدين متداخلين؛ فقد أعاد فتح سوق ضخم أمام المنتجين الأمريكيين، لكن بالمقابل أثار قلق منافسين رئيسيين وعلى رأسهم البرازيل، إذ نقلت الصحيفة عن مسؤول برازيلي أن القرار يثير "قلقاً" وقد يؤثر على الأسعار المحلية، خاصة أن الصين تمثل أكبر سوق لصادرات لحوم الأبقار البرازيلية.
وفي خطوة تهدف إلى حماية المنتجين المحليين؛ كانت بكين قد أعلنت نهاية عام 2025 عن نظام حصص لواردات لحوم الأبقار ينطبق على البرازيل والأرجنتين وأوروغواي والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يستمر نظام الحصص حتى عامي 2027 و2028.
في هذا السياق، نقلت الصحيفة شكوى رئيس جمعية مصدري اللحوم البرازيلية روبرتو بيروزا من هذه الخطوة التي اعتبر أنها ألحقت ضرراً كبيراً في قطاع اللحوم البرازيلية، بعد أن استحوذت الصين على 46% من صادراتها في العام الماضي، ما يجعل أي تغيير في الحصص أو المنافسة ذا أثر مباشر.
ففي ظل نظام الحصص الجمركية الذي تفرضه بكين، قد تتمكن الولايات المتحدة من اقتناص الفرصة لحصة أكبر من السوق، مستفيدة من عدم استنفاد حصتها السابقة.
وهذا ما يفسر أن سوق "لحوم الأبقار" ليس مجرد عملية توريد لسلعة عادية؛ فهو أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل سلاسل الإمداد العالمية، ورسالة بأن بكين مستعدة لإعادة التوازن في علاقاتها التجارية.
في سياق سياسي أبرزت "صحيفة الشعب" الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني أن اللقاء بين الرئيسين شي وترامب أسفر عن توافق على بناء "علاقة إستراتيجية مستقرة وبناءة" خلال السنوات المقبلة.
ونقلت الصحيفة تأكيد الرئيس الصيني على أن هذه العلاقة يجب أن تقوم على تعاون إيجابي، ومنافسة منضبطة، وخلافات قابلة للإدارة. بينما أبدى ترامب استعداداً لتعزيز التعاون وفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين.
مايرون بريليانت المستشار في مجموعة أولبرايت ستونبريدج ، وصف القمة بأنها "أرسلت إشارة إيجابية قوية للعالم"، مشدداً على أن التعاون العملي هو السبيل لتجنب التصعيد -بحسب صحيفة الشعب- التي نقلت أيضاً عن سيان ستين رئيس المجلس الوطني للتجارة الأمريكية-الصينية قوله إن القمة تمثل فرصة للتركيز على مجالات التعاون التي يمكن أن تحقق "مساهمات إيجابية للعالم".
في حين رأى الاقتصادي جيفري ساكس أن على واشنطن إعادة النظر في سياساتها تجاه الصين واعتبار صعودها "فرصة لا تهديداً".
هذه التصريحات تعكس إجماعا نسبيا بين النخب الاقتصادية على أن كلفة "فك الارتباط" مرتفعة، وأن إدارة التنافس ضمن إطار تعاوني تظل الخيار الأكثر واقعية.
في الاتجاه ذاته، أظهرت تغطية صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الحضور اللافت لقادة كبرى الشركات الأمريكية ضمن الوفد المرافق لترمب وعلى رأسهم تيم كوك (Apple)، وجينسن هوانغ (Nvidia)، وإيلون ماسك (Tesla) والذين عبروا جميعهم عن تفاؤلهم بآفاق التعاون مؤكدين أهمية السوق الصينية لإستراتيجياتهم العالمية.
ونقلت عن هوانغ إشادته بتركيز الصين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، معتبرا أن ذلك يفتح فرصا واسعة، بينما قال ماسك إنه "يشعر بإيجابية" تجاه نتائج المحادثات.
وقال كريستيانو آمون الرئيس والمدير التنفيذي لشركة كوالكوم في مقابلة مع وكالة الأنباء الصينية شينخوا "إن الجمع بين التكنولوجيا الأمريكية وحجم السوق الصينية يخلق فرصا كبيرة، وهو ما يعكس منطق التكامل التنافسي الذي يحكم العلاقة الاقتصادية بين البلدين"، حسب ما أوردته الصحيفة.
بينما نقلت عن رئيس غرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي جيفري ليمان تأكيده على أن السوق الصينية تظل مكونا أساسيا في الإستراتيجيات العالمية للشركات الأمريكية، وأن الحفاظ على حضور تنافسي فيها يعود بالنفع على جميع الأطراف.
تتفق التحليلات الواردة في غلوبال تايمز على أن دبلوماسية الرؤساء تلعب دورا محوريا في "بناء الثقة وفي الحدّ من سوء الفهم" وفقاً لجون كويلتش من جامعة ديوك كونشان، الذي رأى أن التواصل المباشر يفتح المجال أمام تعاون عملي حتى في ظل استمرار الخلافات.
كما صرّح كارل فاي أستاذ الإستراتيجية في كلية بي آي النرويجية للأعمال في مقابلة مع الصحيفة بأن علاقة مستقرة بين الصين والولايات المتحدة يمكن أن تشكل "محركاً إضافياً لنمو عالمي" في توقيت حرج يتسم باضطرابات جيوسياسية وتحديات اقتصادية متزايدة.
وتكشف الصفقات الضخمة المرتقبة لطائرات بوينغ، وعودة موردي لحوم الأبقار الأمريكيين إلى السوق الصينية عن نمط جديد من إدارة العلاقة بين بكين وواشنطن، يقوم على تحقيق مكاسب اقتصادية متبادلة كمدخل لخفض التوتر السياسي. غير أن هذا المسار لن ينتزع جذور الخلاف، وإنما يسعى إلى احتوائها ضمن أطر مؤسسية مثل مجالس التجارة والاستثمار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة