في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ربيع عام 1948، كانت دير ياسين قرية صغيرة تعيش على وقع إيقاع رتيب تحاول أن تحميه من تسارع الأحداث حولها. لم تكن القرية غافلة عن الحرب التي تقترب، لكنها كانت -مثل كثير من القرى- تتعلق بفكرة بسيطة: أن البقاء على الهامش قد يجنّبها الأسوأ. كان وجهاؤها يبحثون عن أي ترتيب يخفف من وطأة الأحداث، وأي صيغة تُبقي الحرب بعيدًا عن بيوتهم، وأي وعدٍ يمنح الناس فرصة أن يناموا دون أن يضعوا أقدامهم على عتبات الخوف كل مساء.
إلا أنّ الحرب لا تحترم دائمًا رغبة القرى في "النجاة الهادئة". ثمة لحظات يصبح فيها المكان نفسه جزءًا من معادلة أكبر: موقع يطل على طريق إستراتيجي، أو تلة يمكن أن تتحول في حسابات الميدان إلى نقطة سيطرة، أو مساحة تُقرأ ضمن خرائط الإمداد والتموضع لا ضمن خرائط الحياة اليومية. في تلك اللحظات تتغير التفاصيل كلها؛ فما كان بالأمس "قرية" يصبح اليوم "ساحة صراع"، وما كان محاولة عقلانية للنأي بالنفس يصبح بلا وزن أمام منطق السيطرة والقوة.
"ثمة لحظات يصبح فيها المكان جزءا من معادلة أكبر: موقع على طريق إستراتيجي، أو تلة تتحول إلى نقطة سيطرة، أو مساحة تقع ضمن خرائط الإمداد والتموضع"
في ساعات فجر يوم التاسع من أبريل/نيسان عام 1948، وقع الهجوم المميت. بلا سابق إنذار؛ استيقظ الناس على أصوات زخات رصاص تقطع الصمت، وعلى فزع ينتقل أسرع من القدرة على الفهم. شنت عصابات الإرغون الإرهابية هجومها مدعومةً بفرقتين مدرعتين من قوات نخبة الهاجاناه المعروفة بالبلماخ، وعلى نحو غير متوقع قاومت القرية الهادئة الوادعة بعض الشيء وصدّت المهاجمين أول الأمر، إلا أنه وبعد قتال استمرّ نهارا كاملا سقطت دفاعات القرية وانهارت بأيدي العصابات الصهيونية التي أعملت قتلا وتنكيلا بسكانها، لم تُعرف على وجه الدقة حصيلة الشهداء ذلك النهار، إلا أن الأرقام تقدر بنحو 250 شهيدا جلهم من الأطفال والنساء.
ترك هذا الهجوم القرية أثرا بعد عين. تهجّر سكان القرية الناجون من مذبحة ذلك النهار وتبعهم كثيرون من قرىٍ أخرى بمجرد أن وصلهم الخبر. ظنّ أغلب النازحين أنهم سيعودون خلال أيام قليلة أو أسابيع على الأكثر، لكنّ الباب الذي يُغلقه الخوف مرة قد لا يفتحه الزمن بسهولة. فالعودة لم تعد بعد ذلك التاريخ قرارًا ذاتيًا، بل أصبحت رهينة شروطٍ أمنية وقانونية وميدانية صيغت لاحقًا، وأعيد تصميمها بحيث تُغلق إمكان العودة من الأساس.
"أصبحت دير ياسين، في الذاكرة الفلسطينية، أكثر من مجرد اسم أو واقعة: صارت رمزا للرحيل الجماعي، ولانكسار المكان وتبدل الزمان"
وهكذا أصبحت دير ياسين، في الذاكرة الفلسطينية، أكثر من مجرد اسم أو واقعة: صارت رمزا للرحيل الجماعي، ولانكسار المكان وتبدل الزمان، كلحظة فاصلة بين زمنين وعالمين: زمن الاستقرار والوطن، وزمن الشتات والتهجير. في قلب هذه المأساة يبقى عامل السياسة حاضرا: ليس فقط ما جرى في ذلك اليوم، بل ما الذي يجعل "الرحيل" نتيجة تتكرر، وكيف يتحول العنف -حين يقع على مجتمعٍ بعينه- إلى أداة لإعادة ترتيب المكان ومن يسكنه. ومن هنا يطلّ السؤال الأشد مباشرة: هل كان هذا الرحيل أثرًا عارضًا للحرب؟ أم ثمرةَ نيّةٍ يمكن استنباطها من نمط الأفعال والنتائج التي تكررت وتراكمت حتى غدا التهجير قاعدة لا استثناء؟
تحتلّ مسألة النيّة موقعًا مركزيًا في توصيف الجرائم في القانون الجنائي، إذ لا تقوم الجريمة في صورتها الكاملة على الفعل المادي وحده، بل تتطلب اقترانه بإرادة واعية تُدرك طبيعة الفعل ونتائجه المحتملة. غير أنّ هذا التصور التقليدي للنيّة، الذي يتناسب مع الجرائم الفردية، يكتسب تعقيدًا مضاعفًا عندما نكون أمام جرائم جماعية تُرتكب في سياقات سياسية أو عسكرية واسعة النطاق، حيث تتوزع الأفعال على فاعلين متعددين، وتتخذ القرارات طابعًا مؤسساتيًا لا شخصيًا.
لهذا طوّر القانون الدولي الجنائي عبر تجارب تاريخية متراكمة، من محاكمات نورنبيرغ وطوكيو إلى المحاكم الدولية اللاحقة مثل يوغسلافيا السابقة، منهجا لا يحصر إثبات النيّة في الوثائق الرسمية والأوامر الخطية وحدها، بل يسمح باستنباطها عبر قرائن متعددة: كنمط السلوك العام، واستمرارية الأفعال، وطبيعة الأهداف المختارة، والخطاب السياسي المصاحب، إضافة إلى السياسات التمييزية التي تُطبَّق على جماعات دون أخرى. ومن هنا برزت فكرة "النيّة المستخلصة"، أي النيّة التي تُستنبط من مجموع الوقائع المتراكمة لا من خلال الإمساك بوثيقة واحدة حاسمة. وعليه، فإن إنكار القصد بحجة غياب "الدليل القاطع" لا يُعدّ دحضًا قانونيًا بقدر ما هو تجاهل لطبيعة الجرائم الجماعية ذاتها.
"النيّة المستخلصة هي النيّة التي تُستنبط من مجموع الوقائع المتراكمة لا من خلال الإمساك بوثيقة واحدة حاسمة"
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا في الجرائم ذات الطابع السياسي، حيث تميل الدول والجماعات المسيطرة إلى تقديم أفعالها بوصفها استجابات أمنية ظرفية أو "دفاعًا مشروعًا عن النفس". وفي مثل هذه السياقات، غالبًا ما تُدار القرارات الحسّاسة عبر قنوات غير موثّقة كالتوجيهات الشفهية مع تقليل الأثر الكتابي عمدا، ما يجعل البحث عن "أمر صريح" معيارًا قاصرًا بذاته. وفي المقابل، تكشف الممارسة الفعلية عن أهداف أوسع تتجاوز الرد العسكري المباشر، وتمسّ إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي أو الجغرافي. لذلك لا يعود السؤال القانوني الأساسي: هل وُجد قرار مكتوب؟ بل: هل يمكن تفسير نمط الأفعال المتكررة دون افتراض وجود قصد منظّم؟
أما في حالات الاستعمار الاستيطاني، فإن النيّة لا تُفهم بوصفها قرارًا لحظيًا، بل كجزء من بنية تاريخية طويلة الأمد. فالمشروع الاستيطاني لا يهدف إلى إدارة السكان الأصليين أو إخضاعهم فحسب، بل إلى إعادة تشكيل المجال السكاني على نحو يوسّع حضور جماعة جديدة على حساب جماعة قائمة، ما يجعل الإزاحة -المباشرة أو غير المباشرة- شرطًا بنيويًا لنجاح المشروع. ومن هنا، يصبح التهجير ليس نتيجة عرضية للصراع، بل أحد أشكاله الجوهرية، حتى وإن تعددت وسائله وتغيّرت سرعته عبر الزمن.
"المشروع الاستيطاني لا يهدف إلى إخضاع السكان الأصليين فحسب، بل إلى إعادة تشكيل المجال السكاني على نحو يوسّع حضور جماعة جديدة على حساب جماعة قائمة"
يكتسب هذا النقاش القانوني أهمية مزدوجة: تاريخية ومعاصرة في آنٍ واحد. فهو، من جهة، حاضر في السرديات التي تناولت نكبة 1948، ولا سيما في أطروحة المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، التي سعت إلى الفصل بين الوقائع الميدانية وسؤال القصد السياسي. ومن جهة أخرى، عاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة في الآونة الأخيرة مع المثول أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بسبب غزة، حيث دفعت إسرائيل بعدم توافر "النيّة الخاصة"، مؤكدة أن ما جرى يندرج ضمن سياق حرب لا ضمن سياسة تستهدف جماعة بعينها.
وهكذا يتبين أن الجدل حول النيّة ليس سجالا تاريخيًا معزولا، بل سؤالا قانونيًا حيًا يتكرر كلما طُرحت الوقائع ذاتها في سياق قضائي وتاريخي جديد: هل يُختزل القصد في تصريحٍ مباشر، أم يُستنبط من نمط الأفعال ونتائجها المتكررة؟
في عام 1988، نشر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس كتابه الشهير "مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" الذي شكّل منعطفًا مهمًا في دراسة النكبة، لكونه من أوائل الأعمال التي اعتمدت على الأرشيف الإسرائيلي الرسمي. يستعرض موريس مئات العمليات العسكرية التي نفذتها عصابات "الهاجاناه"، ويقدّم توثيقًا واسعًا للمجازر وعمليات الطرد التي أدت إلى تفريغ القرى والمدن الفلسطينية من سكانها، ابتداءً من بلد الشيخ والحواسة في ديسمبر/كانون الأول 1947، مرورًا بيافا وحيفا والقدس، وصولًا إلى الطنطورة ودير ياسين وسائر أرياف ومدن فلسطين.
كما يوثّق موريس السياسات الاقتصادية والعسكرية التي استُخدمت لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، مثل فرض الحصار، ومنع الحصاد الزراعي، وتفجير خزانات المياه، ومحاصرة الأحياء العربية في المدن المختلطة. ولا يتوقف عند الجانب العسكري فحسب، بل يتناول أيضًا النقاشات السياسية المبكرة حول "الترانسفير"، بدءًا من لجنة بيل البريطانية عام 1936، التي اقترحت إنشاء دولة يهودية مقرونة بنقل السكان الفلسطينيين منها. وعلى الرغم من أن اللجنة اقترحت تخصيص نسبة محدودة من الأراضي لليهود، فإن دافيد بن غوريون شدّد آنذاك على أهمية هذا المقترح بوصفه خطوة أولى نحو إنشاء وطن يهودي "خالٍ" من سكانه الأصليين.
"يوثّق موريس السياسات الاقتصادية والعسكرية التي استُخدمت لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، لكنه ينفي وجود نية مسبقة للتهجير"
غير أنّ موريس، وعلى الرغم من هذا السرد الكثيف للوقائع، يخلص إلى نفي وجود نيّة مسبقة لدى قادة الحركة الصهيونية لتهجير الفلسطينيين، معتبرًا أن ما جرى كان نتيجة عرضية للحرب. ويستند في ذلك إلى ثلاث حجج رئيسية: تحميل القادة العرب مسؤولية اندلاع الحرب برفضهم خطة التقسيم وشنّهم هجمات على المستوطنات الصهيونية؛ والفصل بين النقاشات النظرية حول التهجير قبل الحرب وما جرى خلالها؛ وأخيرًا التفاوت الجغرافي في حجم التهجير، الذي يراه دليلًا على غياب سياسة مركزية موحّدة.
غير أن هذا الفصل بين الوصف الأرشيفي والتحليل البنيوي لم يمرّ دون اعتراضات جوهرية، كان أبرزها ما قدّمه باحثون مهتمون بتاريخ النكبة الفلسطينية -من أمثال نور الدين مصالحة وليلى بارسونز- سعوا إلى إعادة وصل الفكر الصهيوني بممارساته العملية، وقراءة الوقائع ضمن سياقها الأوسع بدل عزلها في إطار "ظروف الحرب" وحدها.
اكتسب عمل نور الدين مصالحة أهمية خاصة في هذا السياق لأنه لا يكتفي بمناقشة التهجير بوصفه ممارسة ميدانية خلال حرب 1948، بل يعيد تأطيره بوصفه فكرة مركزية في الفكر الصهيوني الحديث منذ نشأته. ففي كتابه "طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير في الفكر والتخطيط الصهيونيين (1882–1984)"، يتتبّع مصالحة تطور خطاب التهجير في الفكر الصهيوني عبر عقود طويلة، مبيّنًا أن الحديث عن "نقل السكان" لم يكن هامشيًا أو طارئًا، بل تكرّر في لحظات سياسية مفصلية، وتداوله مفكرون وقادة سياسيون ومخططون عسكريون بوصفه حلًا "واقعيًا" للمسألة الديموغرافية في فلسطين.
"يتتبّع مصالحة تطور خطاب التهجير في الفكر الصهيوني عبر عقود طويلة، مبيّنًا أن الحديث عن نقل السكان لم يكن هامشيًا أو طارئًا، بل تكرّر في لحظات سياسية مفصلية"
يُظهر مصالحة أن أهمية هذه النقاشات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في استمراريتها وتحوّلها إلى أفق سياسي مشروع داخل الحركة الصهيونية، حتى في غياب خطة مكتوبة واحدة تحمل عنوان "الترانسفير". فالتراكم الخطابي، في نظره، أسهم في خلق بيئة سياسية وأخلاقية تسمح بترجمة الفكرة إلى ممارسة عند توفر الظرف العسكري المناسب. ومن هنا، لا يرى مصالحة تناقضًا بين غياب القرار الرسمي الشامل وبين وقوع التهجير فعليًا، بل يعتبر هذا الغياب جزءًا من آلية العمل ذاتها، التي تفضّل المرونة والغموض على الإعلان الصريح.
وبهذا المعنى، يشكّل عمل مصالحة نقدًا جوهريًا للمنهج الذي يفصل بين الفكر والممارسة، إذ يبيّن أن الأفكار التي تُتداول طويلًا داخل دوائر صنع القرار لا تبقى محايدة أو بلا أثر، بل تتحول إلى مرجعية ضمنية توجه السلوك السياسي والعسكري. وهو ما يجعل التهجير في 1948، وفق هذا التحليل، نتيجة لمسار فكري وتخطيطي طويل، لا مجرد استجابة ظرفية لحرب اندلعت نتيجة لظروف طارئة وعرضية.
إلا أنّ النقد الأهم جاء عبر أبحاث المؤرخة ليلى بارسونز والتي حملت إسهامًا نوعيًا في النقاش حول النيّة، لأنها تنتقل من مستوى الخطاب والتخطيط العام إلى مستوى السياسة الميدانية كما تتجلى في تفاصيلها: التفاهمات، الاستثناءات، وما يمرر في اللحظات المفصلية شفاهياً ودون أرشفة أو توثيق. ففي دراستها للعلاقة بين قادة الحركة الصهيونية وبعض القيادات الدرزية في فلسطين خلال الأعوام 1947–1949، تُظهر بارسونز أن موقع الدروز لم يكن نتاج "حياد" عفوي أو صدفة تاريخية، بل تشكّل ضمن سياسة واعية هدفت إلى بناء علاقة خاصة معهم، وإلى التعامل مع قراهم بصورة مختلفة عن السياسات التي طُبّقت على غالبية السكان الفلسطينيين.
"تُقوّض بارسونز فرضية العشوائية التي يطرحها بيني موريس، وتُظهر أن التهجير لم يكن مجرد نتاج لفوضى الحرب، بل سياسة تُدار بمرونة وانتقائية"
وتبيّن بارسونز -اعتمادًا على وثائق وشهادات قادة وحدات ميدانية- أن هذا الاستثناء كان معروفًا ومتداولًا على مستوى القيادة الميدانية، وغالبًا ما انتقل عبر قنوات غير موثّقة بالكامل، كالتوجيهات الشفهية أو المعايير الضمنية، ما يحدّ من جدوى اشتراط "أمر مكتوب" لإثبات وجود سياسة. والأهم أن هذا النمط لم ينكسر حتى في الحالات التي شهدت مقاومة ومواجهات عسكرية مع قرى درزية، كما في حالة قرية يانوح، حيث لم تُترجم المواجهة العسكرية إلى ترحيل لاحق للسكان، وهو ما يجعل من الصعب تفسير هذا السلوك بوصفه نتيجة تقدير ظرفي أو صدفة ميدانية، لأن الصدفة لا تنتج انتظامًا في الاستثناء ولا تحافظ عليه في لحظات الضغط والفوضى.
تكمن أهمية هذا المثال في أنه يحوّل الاستثناء ذاته إلى دليل على وجود معيار سياسي يحكم الإزاحة. فحين تُطبق الإزاحة على جماعات واسعة بصورة شبه شاملة، ثم يُستثنى منها طرف بعينه بشكل مطّرد، يصبح الاستثناء دليلاً على وجود القاعدة التي يُستثنى منها: من يُستهدف ومن يُستثنى، ولماذا. وبهذا المعنى، تُقوّض بارسونز فرضية العشوائية التي يطرحها بيني موريس، وتُظهر أن التهجير لم يكن مجرد نتاج لفوضى الحرب، بل سياسة تُدار بمرونة وانتقائية، وتُنفّذ بطرائق مختلفة وفق هوية الجماعة المستهدفة.
لا يقتصر النقاش حول النيّة والتهجير على الحالة الفلسطينية وحدها، بل يكتسب وضوحًا أكبر عند وضعها في سياق تجارب استعمارية استيطانية أخرى. ففي هذا النوع من المشاريع، لا يكون الصراع على السلطة أو الموارد فحسب، بل على الأرض بوصفها فضاءً للإحلال، حيث يُنظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم عائقًا بنيويًا أمام اكتمال المشروع.
تُظهر التجارب المقارنة أن الإزاحة لم تكن دائمًا نتيجة قرار واحد أو حملة عسكرية شاملة، بل عملية تدريجية اتخذت أشكالًا متعددة عبر الزمن، جُمِع فيها بين العنف المباشر والسياسات القانونية والإدارية، وتقييد الوصول إلى الموارد الأساسية، وإعادة تنظيم الفضاء الجغرافي. وغالبًا ما قُدّمت هذه السياسات تحت ذرائع "الأمن" أو "التنظيم" أو "التحديث"، بينما ظل أثرها الفعلي واحدًا: إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية بما يخدم المشروع الاستيطاني.
"في المشاريع الاستيطانية لا يكون الصراع على السلطة أو الموارد فحسب، بل على الأرض بوصفها فضاء للإحلال"
في هذا السياق، تصبح مسألة النيّة أقل ارتباطًا بالتصريحات العلنية وأكثر ارتباطًا بالمسار الذي تتخذه السياسات على المدى الطويل. فالتدرّج لا ينفي القصد، بل قد يكون أداته الأكثر فاعلية، إذ يسمح بإحداث تغييرات عميقة دون إثارة صدمة سياسية أو قانونية فورية. ومن هنا، يمكن إعادة قراءة التجربة الفلسطينية لا كحالة استثنائية، بل كجزء من مسار استيطاني أوسع تتكرر فيه أنماط الإزاحة بأدوات مختلفة.
في الحرب الأخيرة على غزة، لم يظهر التهجير كأمرٍ يُفرض بالسلاح وحده، بل كحصيلةٍ تُصنع عبر تجريف مقومات الحياة؛ فعندما تُستهدف أو تُعطَّل عناصر العيش اليومي -المأوى، والماء، والرعاية الصحية، والتعليم، وشبكات الحركة والخدمات- يتحوّل البقاء إلى معادلة مستحيلة، ويغدو النزوح أقلّ الخيارات قسوة. عندها لا يكون الرحيل قرارًا، بل مخرجًا تُضيّقه الوقائع حتى يبدو الخيار الوحيد.
لهذا تُقدّم غزة بوصفها ذروة هذا النموذج الذي يناقشه هذا المقال: نموذجٌ تُقرأ فيه النيّة من انتظام الأثر لا من صراحة الخطاب. فالقصد هنا لا يحتاج إلى وثيقةٍ واحدة، لأنه يعلن نفسه في المسار: تكرار الوسائل التي تُنتج النتيجة نفسها، مرة بعد مرة، حتى عندما تتبدّل العناوين والذرائع.
وفي ضوء ما سبق، يتبيّن أن الجدل حول "نيّة التهجير" لا يدور في جوهره حول إثبات واقعة بعينها أو العثور على وثيقة حاسمة، بقدر ما يدور حول كيفية قراءة التاريخ وفهم منطق الفعل السياسي في سياق طويل الأمد. فالتعامل مع أحداث التهجير بوصفها نتائج منفصلة لظروف استثنائية يسهّل تبريرها كلٌّ على حدة، بينما يكشف النظر إليها ضمن مسار متصل من السياسات والممارسات عن نمط يصعب عزله عن مقاصده.
"تُظهر الحالة الفلسطينية أن النيّة في الجرائم السياسية الكبرى نادرًا ما تتجسّد في لحظة واحدة واضحة أو في قرار معلن، بل تتشكّل تدريجيًا عبر التراكم"
تُظهر الحالة الفلسطينية أن النيّة في الجرائم السياسية الكبرى نادرًا ما تتجسّد في لحظة واحدة واضحة أو في قرار معلن، بل تتشكّل تدريجيًا عبر التراكم. فهي تُفهم عبر الخيارات التي تتكرر، ومن السياسات التي تستمر رغم تغيّر الحكومات والسياقات، ومن النتائج التي تُفرض على جماعة بعينها بصورة يمكن توقّعها سلفًا. وعندما تستمر هذه النتائج بالتحقق، يصبح الادعاء بغياب النيّة أقل إقناعًا، لا من الناحية القانونية فحسب، بل من الناحية التاريخية أيضًا.
إن الإصرار على حصر النقاش في سؤال "هل كان التهجير مقصودًا في هذه اللحظة أو تلك؟" قد يُغفل البنية الأوسع التي تجعل الإزاحة أفقًا دائم الحضور، حتى وإن تغيّرت أدواتها وحدّتها. ففي المشاريع الاستيطانية، لا تُقاس النيّة فقط بما يوثق أو يقال، بل بما يُعاد إنتاجه على الأرض عبر الزمن. ويصبح الفعل المتكرر، حين يُقرأ في سياقه الكامل، أبلغ دلالة من أي وثيقة تصريح أو نفي رسمي.
وعليه، فإن قراءة النكبة وما تلاها من سياسات بوصفها مسارًا تاريخيًا متصلًا، لا حدثًا منقطعًا، تفتح المجال لفهم أعمق لطبيعة المشروع الصهيوني، وتعيد الاعتبار للتجربة الفلسطينية بوصفها نتاج سياسة واعية بمقاصدها ومآلاتها، لا عرضًا جانبيًا للصراع. وهذه القراءة تظل ضرورية ليس فقط لفهم الماضي، بل لتفسير الحاضر واستشراف ما قد يحمله المستقبل ما دامت البنية ذاتها قائمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة