آخر الأخبار

ترمب في بكين.. هل تبتلع عواصف 2026 ود 2017؟

شارك

تستقبل بكين هذا الأسبوع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أول زيارة له إلى الصين منذ عودته إلى البيت الأبيض، وسط سياق دولي مشحون بالخلافات التجارية والتكنولوجية والجيوسياسية بين القوتين العظميين.

وترى الصحف الصينية في هذه الزيارة التي تبدأ من 13 إلى 15 مايو/أيار 2026، "فرصة ثمينة" لوقف تدهور العلاقات، خاصة أنها تأتي على وقع حرب رسوم وعقوبات متبادلة، وأزمة ثقة عميقة حول تايوان والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من يخلف ستارمر؟ حزب العمال يدخل سباق ما بعد الهزيمة
* list 2 of 2 قمة بكين تحت ظلال حرب إيران.. من يمتلك أوراق اللعبة؟ end of list

وتساءلت الصحف هل تكفي دبلوماسية القمة هذه لترميم ما تهدّم منذ "الزيارة الودية" الأولى التي قام بها ترمب للصين عام 2017؟

زيارة ودية وزيارة إدارة الأزمات

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 حظي ترمب في بكين باستقبال وصفته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" بأنه مميز وفاخر، إذ جمع الاستقبال بين البروتوكول الشكلي والمراهنة على "الكيمياء الشخصية" مع الرئيس شي جينبينغ.

وقد دفع ذلك ترمب حينها لامتداح نظيره الصيني علنا بوصفه "رجلا مميزا للغاية" ووصف الصين بأنها "بلد عظيم"، في ظل الإعلان عن حزمة صفقات قدّرت بأكثر من 250 مليار دولار في مجالات الطاقة والطيران والزراعة، استخدمت لعرض انتصارات اقتصادية على الرأي العام الأمريكي، بحسب الصحيفة.

مصدر الصورة مخاوف بالصين من اضطرابات سلاسل التوريد العالمية بسبب التوتر التجاري المتصاعد مع الولايات المتحدة (غيتي)

أما اليوم فتميل بكين إلى لغة أكثر تحفظا وبراغماتية، فافتتاحية صحيفة تشاينا ديلي ترى أن زيارة 2026 "فرصة ثمينة للمساعدة في تثبيت وتنقيح العلاقات الصينية الأمريكية في وقت يتزايد فيه عدم اليقين العالمي".

وتستعيد الصحيفة ملامح الزيارة السابقة بقولها إنها تفاهم بين الزعيمين على جعل العلاقة قائمة على "الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للطرفين"، لكن التفاصيل تكشف أن الرهان هذه المرة ليس على "صداقة شخصية" بقدر ما هو على قدرة الطرفين على إدارة القمة ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.

قنوات مع الكونغرس

قبل أيام من القمة، حرصت بكين على ترتيب سلسلة لقاءات مع وفود أمريكية رفيعة، في رسالة مفادها أن الانفتاح لن يكون محصورا في البيت الأبيض، وقد استقبل وزير الخارجية وانغ يي وفدا من مجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة ستيف داينز، ووصفت صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني هذه الزيارة وقالت إن هذا أول وفد ثنائي من مجلس الشيوخ يزور الصين منذ تولي ترمب منصبه، مشيرة إلى أن ذلك "يحمل دلالة رمزية مهمة".

إعلان

وذكرت الصحيفة أن وانغ شدد في هذا اللقاء على سياسة بلاده تجاه الولايات المتحدة ووصفها "بالثابتة والمتواصلة"، داعيا إلى "علاقة تقوم على أن يكون الاحترام المتبادل أساسا، والتعايش السلمي معيارا، والتعاون المربح للطرفين هدفا".

واستخدم الوزير صورة بلاغية لافتة حين دعا إلى ضرورة "إحكام الزر الأول في قميص العلاقات بين البلدين"، في إشارة إلى ضرورة تصحيح التصورات المتبادلة في البدايات حتى لا ينحرف المسار.

مصدر الصورة التوسع العالمي لصناعة السيارات الكهربائية الصينية أدى إلى توترات تجارية مع الولايات المتحدة (غيتي إيميجز)

لكن صحيفة غلوبال تايمز القريبة من دوائر صنع القرار لم تخف قلقها من الفجوة بين خطاب الحوار وسلوك واشنطن في ملفات الرسوم والقيود التكنولوجية، مؤكدة أن الاختبار الحقيقي سيكون في الأفعال لا في الأقوال.

الاقتصاد لمنع التدهور السياسي

على الرغم من تصاعد الحديث في الغرب عن " فك الارتباط" أو "تقليل المخاطر" مع الصين، تشدد الصحافة الصينية على أن الاقتصادين الأمريكي والصيني ما زالا متداخلين بعمق في سلاسل القيمة العالمية، وأن أي "طلاق اقتصادي" سيكون مكلفا للطرفين.

وكتبت صحيفة تشاينا ديلي أن الاقتصاد العالمي يرزح تحت وطأة نمو متباطئ، وضغوط على سلاسل الإمداد، وتوترات جيوسياسية وعدم يقين مالي، مشيرة إلى أن تنسيقا أوثق بين بكين وواشنطن سيسهم في تثبيت التوقعات العالمية ودعم الأسواق وتعزيز الثقة في التعافي.

واعتبرت الصحيفة إعلان وزارة التجارة الصينية أن نائب رئيس الوزراء سيقود وفدا إلى كوريا الجنوبية لمشاورات اقتصادية وتجارية مع الجانب الأمريكي يأتي في إطار "التوافق المهم" الذي تحقق بين رئيسي البلدين.

وتوقعت تشاينا ديلي أن تتركز هذه المشاورات على تمديد هدنة الرسوم الجمركية، وضبط القيود على التكنولوجيا الحساسة، وتوسيع مشتريات الصين من السلع الأمريكية، بحيث تصل قمة بكين إلى أرضية صلبة تعلن فوقها نتائج ملموسة ولو محدودة.

غير أن صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ذهبت إلى خلاف ذلك معتبرة أن ما يجري أقرب إلى وصف "إدارة أزمة مفتوحة" منه إلى التأسيس لشراكة اقتصادية طويلة الأمد.

مصدر الصورة بكين تضغط على إدارة ترمب للانتقال من سياسة "الغموض الإستراتيجي" تجاه تايوان (غيتي إيميجز)

تايوان.. الاختبار الأصعب

لا تخفي بكين أن قضية تايوان هي "قلب المصالح الجوهرية" للصين و"أول خط أحمر" في علاقتها مع الولايات المتحدة، وبالفعل نقلت غلوبال تايمز عن رئيس الوزراء لي تشيانغ أن "تايوان تمس صلب السيادة الوطنية، وأن أي مسار لتثبيت العلاقات مع واشنطن يمر عبر احترام هذا الخط الأحمر".

أما المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان فربط صراحة بين استقرار العلاقة وبين التزام الولايات المتحدة بمبدأ "الصين الواحدة" والبيانات المشتركة الثلاثة، معتبرا أن "هذا الالتزام واجب دولي وشرط مسبق لا غنى عنه لأي علاقة مستقرة ومتوازنة"، بحسب الصحيفة.

في المقابل، أوضحت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن بكين تضغط على إدارة ترمب للانتقال من سياسة "الغموض الإستراتيجي" تجاه تايوان إلى موقف أكثر وضوحا في رفض استقلال الجزيرة ودعم خطوات خفض التصعيد.

إعلان

ورأت الصحيفة أن بعض المؤشرات، مثل تأجيل بعض صفقات السلاح لتايبيه، تقرأ في الصين بإيجابية حذرة، باعتبار أن حسابات الداخل الأمريكي تجعل تقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف قرارا شديد الكلفة على المستوى السياسي للبيت الأبيض، مما يحوّل تايوان إلى معيار عملي لقياس ما إذا كانت القمة ستنتج "استقرارا مستداما" أم مجرد هدنة مؤقتة.

مصدر الصورة الصين والولايات المتحدة تدرسان إطلاق مناقشات رسمية حول الذكاء الاصطناعي خلال زيارة ترمب إلى بكين (شترستوك)

الذكاء الاصطناعي على خط التهدئة والمنافسة

الجديد أيضا في هذه الزيارة هو صعود ملف الذكاء الاصطناعي إلى طاولة القمة المقبلة كأحد أكثر عناوين التنافس والحاجة إلى التعاون في آن واحد، وقد نقلت غلوبال تايمز عن وول ستريت جورنال أن "الصين والولايات المتحدة تدرسان إطلاق مناقشات رسمية حول الذكاء الاصطناعي خلال زيارة ترمب لبكين، في وقت يهدد فيه التنافس بينهما في مجال الذكاء الاصطناعي بالتحول إلى سباق تسلح عالمي".

وفي ظل مخاوف مشتركة من أن السباق المحموم لإنتاج نماذج أكثر قوة قد يقود إلى أزمات لا تملك الحكومات الحالية أدوات كافية للسيطرة عليها، نقلت الصحيفة رأي الأكاديمي لي هايدونغ من جامعة الشؤون الخارجية الصينية بأن "الولايات المتحدة تتعامل بشكل متزايد مع الذكاء الاصطناعي كساحة حاسمة للحفاظ على التنافس الإستراتيجي مع الصين، وفي الوقت نفسه لا تزال واشنطن تأمل في التعاون مع الصين بشأن وضع القواعد العالمية ومنع خروج المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي عن السيطرة".

وأوضح لي أن "هذا النهج المزدوج يؤثر بشكل خطير على التبادلات والحوار بين الصين والولايات المتحدة، وأن على الولايات المتحدة أن تظهر صدقا بدلا من بناء جدران أثناء الحديث عن التعاون الثنائي".

في هذه النقطة تحديدا، تعكس النقاشات إدراكا متبادلا لأن التنافس في الذكاء الاصطناعي قد يصبح "سباق تسلح رقمي"، وأن وضع قواعد اشتباك في هذا المضمار بات ضرورة ملحة لا ترفا دبلوماسيا.

وفي هذا الاتجاه يقول العميد السابق لمعهد أبحاث صناعة الذكاء التابع لشركة "سنستايم" تيان فنغ لغلوبال تايمز "إن الصين تدعو إلى حوار حول حوكمة الذكاء الاصطناعي قائم على المساواة والتعاون والاحترام المتبادل، وتعارض أي احتكار من جانب القوى الكبرى لمعايير الذكاء الاصطناعي العالمية".

ويضيف تيان "إن الصين والولايات المتحدة بوصفهما رائدتين عالميتين في تطوير الذكاء الاصطناعي، لا تزالان بحاجة إلى تعزيز التعاون لمواجهة المخاطر الناجمة عن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي واستغلاله من قبل المجرمين".

مصدر الصورة زيارة ترمب الثانية لبكين لا تبدو امتدادا "للزيارة الودية" عام 2017 حسب الصحافة الصينية (غيتي إيميجز)

زيارة 2017 في ضوء خلافات 2026

على ضوء ما تكشفه تقارير الصحافة الصينية، لا تبدو زيارة ترمب الثانية لبكين امتدادا بسيطا "للزيارة الودية" عام 2017، بل أقرب إلى محاولة جديدة "لتسيير سفينة العلاقات وسط الرياح والعواصف" على حد تعبير صحيفة تشاينا ديلي.

وحذرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست من التحول السريع في العلاقة من "حذرة" إلى "تنافس إستراتيجي صريح"، مذكرة بتجربة السنوات التسع الماضية التي أظهرت أن حرارة اللقاءات والصفقات الضخمة لم تمنع لاحقا من اندلاع حرب الرسوم ولا من انفجار الخلافات حول كوفيد-19، ولا من إغلاق القنصليات المتبادل، ولا حتى من تصاعد التوتر حول تايوان وتصدير التكنولوجيا.

وبهذا المعنى قد تنجح الزيارة الجديدة في إطالة عمر الهدنة التجارية، وفتح قنوات حوار إضافية حول الذكاء الاصطناعي والقضايا الإقليمية، لكنها لن تلغي واقع أن واشنطن وبكين تتحركان في مسار طويل من التزاحم على قيادة النظام الدولي، وأن أي تهدئة ما لم تُدعم بتسويات حقيقية في الملفات البنيوية -من تايوان إلى التكنولوجيا الفائقة- ستبقى قابلة للانهيار مع أول اختبار جديد.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا