آخر الأخبار

من أزمة طاقة إلى صدمة الرقائق.. حرب إيران تضرب قطاع التكنولوجيا عالميا

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

امتدت تداعيات الحرب على إيران إلى قلب قطاع التكنولوجيا العالمي، بعدما تحولت من أزمة طاقة وشحن إلى صدمة مباشرة في سلاسل إمداد الشرائح الإلكترونية ولوحات الدوائر المطبوعة، وهي المكونات التي تقوم عليها أغلب الأجهزة الحديثة، من الهواتف والحواسيب إلى السيارات ومراكز البيانات وخوادم الذكاء الاصطناعي.

وتكشف الأزمة أن قطاع التكنولوجيا، رغم صورته المتقدمة، لا يزال شديد الاعتماد على مواد خام ومسارات شحن ومجمعات بتروكيماوية محددة جغرافيا، مما يجعل أي اضطراب في الخليج قادرا على رفع الكلفة عالميا وإبطاء الإنتاج.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 إيران وإسرائيل.. القصة الكاملة لعداء مخصّب بالتكنولوجيا والدماء
* list 2 of 4 بسبب الحرب بطاريات الصين تغزو العالم.. كيف تفاعلت المنصات؟
* list 3 of 4 غاز التكنولوجيا في مهبّ الحرب.. أكثر 7 دول منتجة للهيليوم في العالم
* list 4 of 4 حرب الرقائق: هل تتحكم تايوان في الاقتصاد العالمي؟ end of list

وتبدو لوحات الدوائر المطبوعة، وهي لوح مسطح يستخدم لتوصيل المكونات الإلكترونية كهربائيا في الأجهزة عبر لحمها في ممرات موصلة، وتعرف اختصارا بـ"بي سي بي" (Printed Circuit Board) (PCB)، في مركز هذه الصدمة، إذ تعد بمثابة الجهاز العصبي للإلكترونيات الحديثة، فهي القاعدة التي تربط الرقائق والمكونات داخل الأجهزة وتسمح بتدفق الإشارات الكهربائية بينها.

صدمة المواد الخام

بدأت الأزمة تتخذ بعدا أوسع بعد استهداف مجمع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية، مما أدى إلى توقف إنتاج مادة الراتنج عالية النقاء المستخدمة في تصنيع شرائح عزل لوحات الدوائر المطبوعة.

وتشير رويترز إلى أن شركة سابك، التي تستحوذ على نحو 70% من الإمدادات العالمية من هذه المادة، لم تتمكن من استئناف الإنتاج، وهو ما أدى إلى تضييق المعروض عالميا في وقت كانت فيه الصناعة تعاني أصلا من طلب قوي مرتبط بخوادم الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقديرات نقلتها مصادر صناعية، قفزت أسعار لوحات الدوائر المطبوعة في أبريل/نيسان وحده بما يصل إلى 40% مقارنة بمارس/آذار، بينما ارتفعت أسعار رقائق النحاس بما يصل إلى 30% منذ بداية العام، وهو عنصر أساسي في تصنيع تلك اللوحات.

وتزداد حساسية هذا الارتفاع لأن النحاس يمثل نحو 60% من إجمالي كلفة المواد الخام في تصنيع لوحات الدوائر المطبوعة، وفقا لشركة "فيكتوري جاينت" الصينية، وهي من كبار موردي هذه اللوحات لشركة إنفيديا.

إعلان

كما ارتفعت فترات الانتظار للحصول على مواد كيميائية مثل "راتنج الإيبوكسي" (مادة لاصقة صناعية) من 3 أسابيع إلى نحو 15 أسبوعا، مما يعني أن الأزمة لم تعد مجرد زيادة سعرية، بل تحولت إلى اختناق فعلي في زمن التوريد.

مصدر الصورة أسعار لوحات الدوائر المطبوعة تقفز في أبريل/نيسان 40% على أساس شهري (رويترز)

ضغط مضاعف

لم تأت هذه الصدمة في سوق هادئة، بل ضربت قطاعا يعاني بالفعل من طلب غير مسبوق على مكونات الذكاء الاصطناعي، خاصة خوادم الحوسبة السحابية والرقائق المتقدمة وذاكرة النطاق العالي.

فالشركات الكبرى في الحوسبة السحابية تبدو أكثر استعدادا لتحمل زيادات الأسعار، وسط تقديرات لها بأن يظل الطلب أعلى من العرض خلال السنوات المقبلة، وهو ما يمنح موردي لوحات الدوائر والمواد الخام قدرة أكبر على تمرير الزيادات.

فقد أصبح المستهلك النهائي جزءا من سلسلة التداعيات ولو بصورة متأخرة، بحسب مؤسسة البيانات الدولية "إنترناشيونال داتا كوربوريشن" (IDC) وشركة ويدبوش للأوراق المالية (Wedbush)، مشيرتين إلى أن ارتفاع تكلفة لوحات الدوائر ورقائق الذاكرة والتخزين والمواد الكيميائية لا يظهر فورا في سعر الهاتف أو الحاسوب، لكنه يتراكم داخل فاتورة التصنيع قبل أن ينعكس في صورة أسعار أعلى أو خصومات أقل أو نقص في بعض الأجهزة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى المختص في قطاع التكنولوجيا محمد علي السويسي أن الحرب لم تخلق الأزمة من الصفر، لكنها فاقمت وضعا متأزما منذ 2020، حين بدأت صناعة الشرائح تواجه اختلالا بين الطلب والطاقة الإنتاجية.

ويوضح السويسي أن الطلب المتزايد على مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي رفع الضغط على صناعة الرقائق، ثم جاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من الاضطراب عبر تعطيل البنية اللوجستية والموانئ وشبكات النقل، ورفع زمن التسليم وكلفة الشحن.

ويشير إلى أن الأزمة لا تتعلق بمكون واحد، بل بمنظومة واسعة تشمل مواد حيوية مثل النيون والبلاديوم، إلى جانب المواد الكيميائية الدقيقة، وهي عناصر تأثرت سابقا بالحرب الروسية الأوكرانية ثم زادت الحرب الحالية من هشاشة وصولها إلى المصانع.

ويرى السويسي أن القيود التكنولوجية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تضيف بدورها بعدا آخر للأزمة، لأن الصراع على الرقائق لم يعد تجاريا فقط، بل أصبح جزءا من تنافس أوسع على السيطرة التقنية والعسكرية.

مصدر الصورة صناعة أشباه الموصلات شديدة الحساسية بأي ارتفاع في أسعار الغاز أو النفط كونها كثيفة الاستهلاك للكهرباء (غيتي)

تكلفة الإنتاج

تنتقل الصدمة إلى قطاع التكنولوجيا عبر 3 قنوات رئيسية:


* الطاقة
* المواد الخام
* الشحن

فصناعة أشباه الموصلات كثيفة الاستهلاك للكهرباء وتحتاج إلى بيئات إنتاج فائقة الدقة، مما يجعلها حساسة لأي ارتفاع في أسعار الغاز أو النفط أو تكاليف التشغيل.

ويبرز السويسي هذه النقطة بالقول إن شركات مثل "تي إس إم سي" وغيرها تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، ومع ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا وآسيا ترتفع تكلفة تشغيل المصانع مباشرة، مشيرا إلى أن إعادة توطين الصناعة في الولايات المتحدة عبر قوانين مثل "تشيبس آكت" تضيف استثمارات ضخمة وكلفا جديدة إلى القطاع.

إعلان

ويضيف أن اضطرابات الشحن، وإغلاق ممرات بحرية أو مجالات جوية، وارتفاع أسعار الوقود، كلها عوامل ترفع الكلفة التشغيلية وتؤخر تسليم المكونات، متوقعا استمرار الانعكاسات السلبية طوال العام وربما حتى 2027.

مواد حرجة

من زاوية أخرى، يرى الكاتب في علوم الكهرباء والتقنية زياد حمودات أن الحرب كشفت اعتماد تصنيع الرقائق على مواد تبدو بعيدة عن الاهتمام العام لكنها حاسمة في الإنتاج، مثل الهيليوم والبروم وحمض الكبريتيك.

ويشير حمودات، خلال حديثه للجزيرة نت، إلى أن إغلاق مضيق هرمز وتضرر منشآت في المنطقة أثرا في تدفق هذه المواد، خصوصا الهيليوم المستخدم في تبريد المعدات وفي عمليات تصنيع الرقائق الدقيقة، وهو غاز يصعب استبداله في كثير من التطبيقات المتقدمة.

ويضيف أن الضربة لم تقف عند الهيليوم، بل امتدت إلى الألمنيوم والتنغستن والنحاس، مما جعل الأزمة متراكمة، إذ تزامنت زيادة أسعار لوحات الدوائر المطبوعة مع ارتفاع أسعار رقائق النحاس وضغوط قائمة أصلا في سوق رقائق الذاكرة بسبب الطلب على الذكاء الاصطناعي.

وبحسب حمودات، فإن ما يجعل الصدمة شديدة هو أنها تضرب المدخلات الأساسية في وقت واحد: الطاقة، والمواد النادرة، والمعادن، والشحن، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج في كل حلقة من حلقات سلسلة التكنولوجيا.

هشاشة آسيوية

تبدو آسيا أكثر تعرضا لهذه التداعيات، كونها تجمع بين الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط، والتمركز الكثيف لصناعة الرقائق والذاكرة في كوريا الجنوبية وتايوان والصين.

ويشير حمودات إلى أن كوريا الجنوبية تستورد أكثر من 70% من نفطها الخام من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، في حين تستحوذ سامسونغ و"إس كيه هاينكس" على حصة كبرى من سوق ذاكرة النطاق العالي وذاكرة "دي رام". وهو ما يعني أن أي اضطراب في الطاقة أو المواد الخام داخل كوريا لا يبقى محليا، بل ينتقل إلى شركات الحوسبة السحابية، ومصنعي الهواتف، وخوادم الذكاء الاصطناعي، ثم إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

كما أن تايوان، بحكم موقعها في صناعة الرقائق المتقدمة، تظل شديدة الحساسية لأي نقص في الغازات الصناعية أو المواد الكيميائية فائقة النقاء أو ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.

تحول جغرافي

لا تقف الحرب عند حدود رفع الكلفة، بل تدفع الشركات والدول إلى مراجعة خريطة الإنتاج نفسها. وهو ما يشير إليه السويسي بأن إعادة تشكيل التكنولوجيا بدأت منذ الحرب الروسية الأوكرانية، لكنها تسارعت مع توسع استخدام التكنولوجيا في الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية، مما جعل الرقائق والبنية الرقمية جزءا من الأمن القومي.

ويضيف أن شركات مثل بالانتير (Palantir)، واتفاقات شركات الذكاء الاصطناعي مع مؤسسات دفاعية، تكشف أن التكنولوجيا لم تعد قطاعا اقتصاديا منفصلا، بل باتت جزءا من بنية القوة العسكرية والسياسية.

أما حمودات فيرى أن الحرب كشفت "فاتورة متأخرة" لعقود من العولمة المفرطة، حيث بنت الشركات نموذجها على افتراض بقاء الممرات البحرية والطاقة والمواد الخام مستقرة دائما، وهو ما انعكس على اتجاه الشركات والدول إلى تنويع الموردين، وتوسيع التصنيع في الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا و الهند، وتقوية البنية الكهربائية حول مجمعات الرقائق، كما حدث في كوريا الجنوبية مع مشروعات تزويد مجمعات الرقائق بطاقة إضافية.

وتستبعد مؤسسة البيانات الدولية "إنترناشيونال داتا كوربوريشن"، أن تظهر الأزمة في قفزة فورية في أسعار الأجهزة، على أن تأتي تدريجيا في صورة ارتفاع أسعار الهواتف والحواسيب والأجهزة المنزلية، وتراجع الخصومات، وربما نقص بعض المنتجات خلال مواسم الطلب المرتفع.

وتشير المؤسسة الأمريكية إلى أن الشركات قد تمتص جزءا من الكلفة مؤقتا للحفاظ على حصتها السوقية، إلا أنها لن تستطيع تحمل الزيادة إلى ما لا نهاية، خاصة إذا تزامنت كلفة لوحات الدوائر مع ارتفاع الذاكرة والتخزين والطاقة والشحن.

إعلان

كما تذهب تقديرات المحللين إلى أن توجيه الإمدادات نحو خوادم الذكاء الاصطناعي والرقائق الأعلى ربحية قد يضغط على الإلكترونيات الاستهلاكية الأقل ربحية، بما يجعل الهواتف والحواسيب العادية في منافسة غير مباشرة مع مراكز البيانات العملاقة على المكونات نفسها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا