في حربٍ بدأت أوكرانيا تخوضها من موقع الدفاع، يتشكل اليوم وجه آخر للمعركة، حيث مصانع سرية، ومسيّرات بعيدة المدى، وصواريخ محلية الصنع قد تجعل العمق الروسي أقل أمنا مما كان عليه منذ بداية الغزو.
فحسب تقرير ميداني لصحيفة تايمز من داخل أحد مصانع شركة "فايربوينت" (Fire Point) الأوكرانية، لم تعد كييف تكتفي بتلقي السلاح الغربي أو انتظار قرارات الحلفاء بشأن مدى استخدامه، بل أصبحت تمضي إلى بناء قدرة محلية تضرب أهدافا بعيدة وتستهدف شرايين المال التي تغذي آلة الحرب لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكثفت أوكرانيا خلال الأشهر الأخ يرة – كما تكتب الصحيفة- ضرباتها بعيدة المدى على منشآت النفط والغاز الروسية، من ميناء بريمورسك على بحر البلطيق إلى توابسي ونوفوروسيسك على البحر الأسود ، وصولًا إلى مصافٍ في بيرم وأورينبورغ.
وتقف خلف كثير من هذه الضربات شركة فايربوينت التي ولدت من رحم الغزو الروسي، ثم تحولت سريعا إلى أحد أبرز وجوه الصناعة العسكرية الأوكرانية الجديدة.
وتنقل تايمز أن الشركة باتت توظف نحو 5800 شخص في 50 موقع إنتاج، وتصنع مسيّرات بعيدة المدى وصواريخ "كروز من طراز "فلامنغو"، فضلا عن أسلحة أخرى قد تمنح كييف قدرة على إصابة أهداف بعيدة داخل روسيا أو حماية سمائها من الهجمات الروسية الكثيفة.
تقول تايمز إن مسيّرات "إف بي-1″ و"إف بي-2" التي تنتجها فايربوينت تمثل نحو ثلث الهجمات الأوكرانية داخل روسيا، بعدما رفعت الشركة إنتاجها إلى 290 مسيّرة يوميا.
وتصل مديات هذه المسيّرات -وفق الشركة- إلى ما بين 200 و1700 كيلومتر، وتتحرك عبر مسارات مبرمجة قادرة على التعرف على التضاريس والمعالم، من دون الارتهان إلى نظام تحديد المواقع العالمي الذي قد تعرقله الحرب الإلكترونية الروسية.
ويرى دينيس شتيلرمان، كبير مصممي الشركة وأحد مؤسسيها، أن هذه القدرة لا تقتصر على ضرب المصافي والموانئ، وقال للصحيفة إن أوكرانيا تستطيع نظريا، تعطيل معظم صادرات النفط الروسية المنقولة بحرا عبر استخدام المسيّرات لفرض ما يشبه الحصار البحري.
ومع أن هذا الطرح يبقى مشدودا إلى حسابات الحلفاء ومخاوف التصعيد، فإنه يكشف حجم الرهان الأوكراني على تحويل السلاح المحلي من أداة استنزاف إلى وسيلة ضغط إستراتيجي على موسكو.
غير أن السلاح الأبرز في تقرير تايمز هو صاروخ "فلامنغو إف بي-5″، الذي تقدمه فايربوينت بوصفه أول صاروخ "كروز" أوكراني، وتقول الشركة إن مداه يصل إلى 3000 كيلومتر، وإن دقته بلغت نحو 14 متراً، مما يجعله نظريا، قادرا على بلوغ أهداف في موسكو وأبعد، وإن كان أكبر حجما وأقل قدرة على التخفي من نظائره الغربية.
وتكشف الصحيفة أيضا أن الشركة تطور صاروخين باليستيين قصيري ومتوسطي المدى، هما "إف بي-7" و"إف بي-9″، وقد صلا إلى مرحلة الاختبار الميداني، ويبلغ مدى الثاني 850 كيلومتراً، وهو مدى يكفي لوضع موسكو داخل دائرة الاستهداف، على نحو يعكس ولو جزئيا، المعادلة التي استخدمتها روسيا حين أمطرت كييف بصواريخ "إسكندر-إم".
بهذه الأسلحة، قد لا تبحث أوكرانيا عن رد انتقامي فحسب، بل عن تغيير معنى "العمق الروسي" نفسه، فالمسافة التي منحت موسكو لسنوات شعورا بالأمان تتحول تدريجيا إلى مساحة قابلة للاستهداف، إذا نجحت كييف في تثبيت هذه الصناعة وتوسيع نطاق استخدامها.
وتضع تايمز مشروع فايربوينت في سياق أوسع من سعي أوكرانيا إلى تقليل اعتمادها على الغرب، إذ أظهرت الحرب -حسب الصحيفة- اعتماد كييف وأوروبا على مخزونات محدودة من صواريخ "باتريوت" الأمريكية لمواجهة الصواريخ الباليستية الروسية، في وقت تبدو فيه واشنطن حليفا أقل قابلية للتوقع.
ومن هنا، وقعت فايربوينت عقودا مع شركة "ديل ديفنس" الألمانية لتطوير درع أوروبي مضاد للصواريخ الباليستية تحت اسم "فريا"، يقوم على صاروخ "إف بي-7″، ويمزج التكنولوجيا الأوكرانية بالرادارات والبواحث الغربية، كما تخطط الشركة للتوسع في الأقمار الصناعية والاتصالات الآمنة، بهدف تقليل الاعتماد على منظومات مثل "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك.
لكن هذا الصعود لا يخلو من ظلال، إذ تشير صحيفة تايمز إلى جدل حول فساد يحيط بالشركة بسبب مزاعم عن صلة محتملة بتيمور مينديتش، الشريك السابق للرئيس فولوديمير زيلينسكي ، وهي مزاعم ينفيها شتيلرمان بشدة.
ولذلك طرح مجلس رقابي أوكراني فكرة تأميم الشركة احترازا، في حين يحذر محللون من أن ذلك قد يضر بسرعة الابتكار التي تحتاجها كييف في زمن الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة