آخر الأخبار

لماذا تسعى الهند لإعفاء ميناء تشابهار الإيراني من العقوبات الأمريكية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مع انتهاء المهلة الأمريكية التي سمحت للهند بمواصلة عملها في ميناء تشابهار الإيراني، عادت نيودلهي إلى التحرك بين واشنطن وطهران لتجنب خسارة واحد من أهم منافذها نحو أفغانستان وآسيا الوسطى.

فالميناء الواقع على ساحل بحر عُمان ليس مجرد مشروع اقتصادي بين الهند وإيران، بل ممر استراتيجي يتيح لنيودلهي تجاوز باكستان، وموازنة الحضور الصيني في ميناء غوادر الباكستاني، والحفاظ على نفوذها التجاري في أفغانستان.

وتقول وزارة الخارجية الهندية، في رد برلماني بتاريخ 19 مارس/آذار 2026، إن نيودلهي ما زالت منخرطة مع الجهات المعنية لمعالجة تداعيات التطورات المرتبطة بالعقوبات الأمريكية على تشابهار، في ظل انتهاء الإعفاء المشروط الذي سمح للهند بمواصلة العمل في الميناء.

بوابة لا تمر عبر باكستان

يقع ميناء تشابهار في جنوب شرقي إيران، ويكتسب أهميته بالنسبة للهند من كونه يفتح لها طريقا بحريا وبريا إلى أفغانستان وآسيا الوسطى من دون المرور بالأراضي الباكستانية. وهذه ليست تفصيلا لوجستيا في الحسابات الهندية، بل مسألة استراتيجية مرتبطة بتنافسها التاريخي مع إسلام آباد.

ومن خلال تشابهار، تستطيع الهند شحن بضائعها بحرا إلى إيران، ثم نقلها برا نحو أفغانستان ودول آسيا الوسطى. وتصف الحكومة الهندية ميناء تشابهار بأنه بوابة للتجارة مع أفغانستان ودول آسيا الوسطى، كما تعد مشروع تطويره مشروعا رائدا بين الهند وإيران في مجال الربط الإقليمي.

وتكشف أزمة الإعفاء الأمريكي أن تشابهار لم يعد مجرد ميناء للتجارة، بل أصبح اختبارا لقدرة الهند على إدارة مصالح متعارضة: علاقة متنامية مع الولايات المتحدة، شراكة عملية مع إيران، وحاجة مستمرة إلى طريق لا تتحكم به باكستان.

مصدر الصورة جانب من رصيف الحاويات في ميناء تشابهار (الجزيرة)

عقد هندي لعشر سنوات

في 13 مايو/أيار 2024، وقعت شركة "إنديا بورتس غلوبال ليميتد" الهندية عقدا لمدة 10 سنوات مع منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية لتجهيز وتشغيل محطة "شهيد بهشتي" في ميناء تشابهار.

إعلان

واعتبرت الحكومة الهندية أن توقيع العقد يعزز التعاون بين نيودلهي وطهران في مبادرات الربط، ويدعم تحويل تشابهار إلى مركز إقليمي للاتصال التجاري.

وتقول وزارة الخارجية الهندية إن الشركة تولت تشغيل الميناء منذ 24 ديسمبر/كانون الأول 2018، وإن الهند رفعت منحة شراء المعدات إلى 120 مليون دولار، إلى جانب خط ائتمان يعادل 250 مليون دولار لتطوير مشاريع مرتبطة بتشابهار.

وتضيف أن ميناء تشابهار تعامل منذ 2018 مع أكثر من 450 سفينة و134 ألفا و82 حاوية نمطية وأكثر من 8.7 ملايين طن من البضائع، بينما نقلت وكالة آنا الإيرانية عن مدير منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية قوله إن التزام الاستثمار الهندي البالغ 120 مليون دولار في الميناء تحقق بالكامل.

ولا تنظر نيودلهي إلى هذه الأرقام باعتبارها استثمارا ماليا فقط، بل باعتبارها تثبيتا لحضور هندي في نقطة بحرية حساسة على بحر عُمان، قريبة من طرق التجارة والطاقة في الخليج والمحيط الهندي.

مصدر الصورة إيران والهند وقعتا في مايو/آيار 2024 اتفاقية لتطوير وتشغيل محطة شهيد بهشتي بميناء تشابهار لمدة 10 أعوام (الصحافة الإيرانية-أرشيف)

لماذا تحتاج الهند إلى إعفاء أمريكي؟

تعود عقدة تشابهار إلى العقوبات الأمريكية على إيران. فقد منحت واشنطن في 2018 استثناء للمشروع، لأنه كان مرتبطا بإعادة إعمار أفغانستان وتنميتها الاقتصادية.

لكن وزارة الخارجية الهندية أوضحت، في رد برلماني، أن وزارة الخارجية الأمريكية ألغت ذلك الاستثناء في 16 سبتمبر/أيلول 2025، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

وتقول وزارة الخارجية الهندية، في رد برلماني بتاريخ 19 مارس/آذار 2026، إن واشنطن أصدرت بعد محادثات مع نيودلهي إرشادات مددت الإعفاء المشروط لتشابهار حتى 26 أبريل/نيسان 2026، وإن الحكومة الهندية ما زالت منخرطة مع الجهات المعنية لمعالجة تداعيات هذه التطورات.

ومن هنا تتحرك نيودلهي على خطين متوازيين: التفاوض مع واشنطن لتفادي تعريض عملياتها للعقوبات، والتفاهم مع طهران حتى لا تفقد حقوقها التشغيلية في الميناء.

ومن هذه الزاوية، لا تتحرك الهند دفاعا عن إيران بقدر ما تدافع عن مشروع تعتبره جزءا من أمنها التجاري والاستراتيجي. فخسارة تشابهار تعني للهند خسارة منفذ بديل إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، وتراجع قدرتها على المناورة في منطقة تتداخل فيها مصالح إيران وباكستان و الصين وروسيا.

الحصار البحري يزيد حساسية الميناء

لم تعد قضية تشابهار محصورة في ملف العقوبات الاقتصادية. فمع التصعيد الإقليمي، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، في بيان نشرته في 12 أبريل/نيسان 2026، أن قواتها ستبدأ اعتبارا من 13 أبريل/نيسان تنفيذ حظر على حركة الملاحة البحرية الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، بما يشمل الموانئ الإيرانية الواقعة على الخليج وخليج عُمان، مؤكدة أنها لن تعرقل السفن العابرة لمضيق هرمز والمتجهة إلى موانئ غير إيرانية.

وبعد أيام، قالت القيادة المركزية الأمريكية في بيان نشرته في 19 أبريل/نيسان 2026، إن قواتها عطلت سفينة شحن ترفع العلم الإيراني كانت متجهة إلى بندر عباس بعد تجاهلها تحذيرات متكررة، مضيفة أن القوات الأمريكية وجهت منذ بدء الحصار 25 سفينة تجارية إلى العدول عن مسارها أو العودة إلى ميناء إيراني.

إعلان

هنا تتضاعف حساسية الموقف الهندي. فالميناء الذي تريد نيودلهي تقديمه بوصفه ممرا للتجارة والتنمية بات جزءا من مشهد أوسع للعقوبات والحصار البحري على إيران. وهذا يجعل أي نشاط هندي في تشابهار محكوما ليس فقط بالعلاقة الهندية-الإيرانية، بل أيضا بمستوى التوتر بين واشنطن وطهران.

مصدر الصورة جرى في فبراير 2019 تدشين أول شحنة صادرات إيرانية إلى الهند عبر ميناء تشابهار (الأناضول-أرشيف)

أفغانستان في قلب الحسابات

تتمسك الهند بتشابهار لأن الميناء يمنحها قناة اتصال تجارية وإنسانية مع أفغانستان لا تمر عبر باكستان.

ووفقا لبيان نشرته حكومة طالبان عن لقاء وزير الصناعة والتجارة نور الدين عزيزي مع وزير الدولة الهندي للتجارة، بحث الجانبان تحسين استخدام ميناء تشابهار، وإنشاء موانئ جافة في ولاية نيمروز الحدودية مع إيران، وإطلاق خطوط شحن منتظمة عبر تشابهار، وتسهيل إجراءات الاستيراد والتصدير للتجار الأفغان في ميناء نهافا شيفا الهندي.

كما قالت وزارة الخارجية الهندية، في رد برلماني، إن زيارة الوزير الأفغاني إلى الهند بين 19 و25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أكدت التزام نيودلهي بتعميق العلاقات التجارية والاستثمارية مع أفغانستان.

وأضافت الوزارة أن ميناء تشابهار يؤدي دورا مهما في دعم إعادة إعمار أفغانستان وتنميتها الاقتصادية، بما في ذلك إيصال المساعدات الإنسانية والطارئة.

وبذلك لا يبدو تشابهار، في الحسابات الهندية، مجرد ميناء إيراني، بل جزءا من سياسة أوسع تجاه أفغانستان: الحفاظ على الحضور الاقتصادي، تأمين طريق بديل للبضائع والمساعدات، وتقليل أثر التوترات المتكررة على المعابر الأفغانية-الباكستانية.

ظل الصين وباكستان

يدخل تشابهار أيضا في معادلة التنافس مع الصين وباكستان. فغير بعيد عن الساحل الإيراني، يقع ميناء غوادر الباكستاني، وهو جزء من مشروعات الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وتدرجه المنصة الرسمية للممر ضمن مشاريع تطوير الميناء والمنطقة الحرة في غوادر.

وبالنسبة للهند، يوفر تشابهار نقطة توازن أمام الحضور الصيني في بحر العرب، كما يمنحها ممرا لا تتحكم به باكستان.

لذلك لا تريد نيودلهي الانسحاب من الميناء، بل تسعى إلى إعادة ترتيب وجودها فيه بطريقة تحميها من العقوبات الأمريكية وتحافظ على حقوقها المستقبلية.

ميناء في قلب صراع الممرات

تكشف قضية تشابهار أن العقوبات على إيران لا تضغط على طهران وحدها، بل تعيد تشكيل حسابات دول أخرى، وفي مقدمتها الهند.

مصدر الصورة سفينة حاويات على وشك الرسو في ميناء تشابهار (الفرنسية-أرشيف)

فنيودلهي لا تتحرك دفاعا عن إيران بقدر ما تتحرك دفاعا عن مصالحها هي: طريق إلى أفغانستان، بوابة إلى آسيا الوسطى، ورقة توازن أمام الصين وباكستان، واستثمار مالي وسياسي لا تريد خسارته.

ولهذا تحولت مفاوضات الهند مع واشنطن وطهران إلى اختبار دقيق لسياستها الخارجية. فهي تريد البقاء قريبة من الولايات المتحدة، لكنها لا تريد التخلي عن إيران كممر جغرافي لا بديل سهلا له. وتريد تفادي العقوبات الأمريكية، لكنها لا تريد أن يتحول تشابهار إلى مشروع معطل بعد سنوات من الاستثمار.

في النهاية، يلخص تشابهار صراع الممرات في آسيا: ميناء إيراني، تشغيل هندي، عقوبات وحصار أمريكي، ظل صيني-باكستاني، ورهان أفغاني على منفذ بديل.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الميناء مهما، بل ما إذا كانت الهند قادرة على إبقائه عاملا وسط العقوبات والتوترات الإقليمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا