في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 15 ديسمبر/كانون الأول عام 2023، كانت ود مدني لا تزال تتنفس. ود مدني هي عاصمة ولاية الجزيرة، وهي أيضا ثاني أكبر مركز حضري في السودان بعد العاصمة الخرطوم، وكانت قد تحولت خلال 8 أشهر من الحرب إلى ما يشبه عاصمة بديلة للبلاد.
في ود مدني وجد نحو نصف مليون نازح ملاذا من "انتهاكات" قوات الدعم السريع. ونقل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة مستودعاته الرئيسية إليها، وكان يوزع الغذاء على 800 ألف شخص انطلاقا منها. وانتقل مركز الطوارئ الصحية على مستوى البلاد إلى المدينة، وفي الوقت نفسه كانت تعمل فيها 57 منظمة إنسانية على الأقل. وفي الحقول المحيطة بالمدينة، كان موسم حصاد الذرة على وشك الاكتمال، وموسم زراعة القمح الشتوي قد بدأ للتو، في مشروع ينتج وحده نحو نصف قمح السودان.
"خلال 8 أشهر من الحرب، تحولت ود مدني إلى ما يشبه عاصمة بديلة للبلاد، وملاذا للاجئين ومركزا لتوزيع الغذاء على المتضررين"
لكن الأمر تغير سريعا! في صباح ذلك اليوم، اقتحمت مركبات دفع رباعي مزودة برشاشات ثقيلة بلدة أبو قوتة في شمال الولاية، ونهبت الأسواق والبنوك ومركز الشرطة والبنك الزراعي. رد الجيش السوداني بغارات جوية، لكنها لم توقف التقدم. وصل القتال إلى أطراف ود مدني خلال يومين. وبحلول 18 ديسمبر/كانون الأول، عبرت القوات جسر حنتوب فوق النيل الأزرق ودخلت المدينة. وبعد يوم واحد سقطت ود مدني في أيدي الدعم السريع.
ما تلا ذلك وثقته مصادر متعددة ومستقلة، حيث نهب بنك البذور الوطني ومستودعات المنظمات الإنسانية ومخازن الحبوب. أما مستودع برنامج الأغذية العالمي الذي كان يحتوي على إمدادات تكفي 1.5 مليون شخص لمدة شهر وأغذية متخصصة لـ 20 ألف طفل وامرأة، فقد أفرغ بالكامل. وخلال أيام نزح ما بين 250 و300 ألف شخص، كثير منهم سيرا على الأقدام. وفرض حصار اتصالات كامل في فبراير/شباط عام 2024 شل التجارة والتحويلات المالية وعمل شبكات الإغاثة المحلية.
يحيى، شاب عمره 29 عاما كان يعيش في قرية الصقيعة قرب مدينة رفاعة في شرق ولاية الجزيرة، وصف لصحفية سودانية تلك الأشهر بالقول: "كنا نستيقظ في الثالثة أو الرابعة فجرا، على صوت مكبرات الصوت في المساجد تنادي الرجال للدفاع عن القرية. كنا ننام بعين واحدة والأخرى مفتوحة، لا نعرف إن كان اليوم التالي سيكون أفضل أو أسوأ. أحيانا، كل ما كنا ندعو الله به هو أن ينتهي اليوم فقط".
وفي بعض القرى، لجأ المزارعون إلى إغراق قنوات الري عمدا في إجراء يائس وأخير لإعاقة تقدم مركبات الدعم السريع، مضحين بمحاصيلهم القائمة لإبطاء الهجوم الكاسح للقوات التي تخوض حربا ضد الجيش السوداني.
لم يكن أحد يعرف حينها أن ما حدث في تلك الأسابيع القليلة سيقرأ بعد أشهر في صور التقطتها أقمار صناعية ليروي قصة انهيار القطاع الزراعي في إحدى أكبر سلال الغذاء في المنطقة والعالم. لم يكن هذا الانهيار طبيعيا، وبالتأكيد لم يكن حتميا، بل تبع خريطة سيطرة قوات الدعم السريع على الأرض، وفقدانه السيطرة عليها.
"ما حدث في تلك الأسابيع القليلة سيقرأ بعد أشهر في صور الأقمار الصناعية ليروي قصة انهيار القطاع الزراعي في إحدى أكبر سلال الغذاء في المنطقة والعالم"
توضح الخريطة التالية التوزيع الجغرافي للأراضي الزراعية المروية في السودان، استنادا إلى بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) وتظهر الخريطة تركز الزراعة المروية على امتداد نهر النيل وروافده، وفي عدد محدود من الأقاليم، أبرزها وسط وشرق السودان، وأجزاء من ولايات نهر النيل والشمالية والنيل الأبيض.
يتتبع هذا التحقيق الذي أجرته وحدة التحقيقات الرقمية في موقع الجزيرة ما حدث لأكبر المشاريع الزراعية المروية في ولايات وسط السودان -الجزيرة وسنار والخرطوم- عبر تحليل مؤشر الغطاء النباتي المستخلص من صور القمر الصناعي "سنتينل-2" (Sentinel-2) خلال ديسمبر/كانون الأول من كل عام بين عامي 2020 و2025، مدعوما ببيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وتحليلات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعات ودراسات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لرصد المحاصيل.
أما ما نحاول فهمه هو العلاقة بين السيطرة العسكرية لقوات الدعم السريع والأمن الغذائي في السودان، الذي يعاني أسوأ أزمة جوع في تاريخه الحديث. ولهذا الغرض، استُخدمت خرائط السيطرة العسكرية من مصادر مفتوحة مثل "Thomas van Linge" وبيانات رسمية للقوات المسلحة السودانية. وجرى التحقق بمقارنة النتائج مع تقييمات تصنيف الأمن الغذائي وتحليلات شبكة الإنذار المبكر للمجاعات، وبيانات الفاو لرصد المحاصيل وتقارير وكالات الأنباء والمنظمات الحقوقية.
تلخص الصورتان أعلاه هذا التقرير. على اليسار، مشروع الجزيرة في ديسمبر/كانون الأول عام 2023 ويتكون من شبكة هندسية منتظمة من الحقول المزروعة، تظهر بتدرجات الأخضر الكثيف الذي يشير إلى نشاط زراعي فعّال خلال الموسم الشتوي. وعلى اليمين، نرى المشروع ذاته بعد عام واحد يظهر كرقعة شاسعة من اللونين البني والأصفر الباهت.
"يمتد مشروع الجزيرة على مساحة 2.2 مليون فدان بين النيلين الأزرق والأبيض، ويمثل وحده نحو نصف الأراضي المروية في السودان"
يمتد مشروع الجزيرة على مساحة 2.2 مليون فدان بين النيلين الأزرق والأبيض، ويمثل وحده نحو نصف الأراضي المروية في السودان. ويعتمد على هذا المشروع نحو 5 ملايين شخص، ويستهلك ثلث حصة السودان من مياه النيل. فيما تتجاوز شبكة قنواته 8000 كيلومتر. هذا كله يعني أن انهيار مشروع الجزيرة الزراعي يمثل كارثة على مستوى البلاد بأكملها.
تؤكد الإحصاءات الرسمية والمستقلة، المحلية والدولية، هذه الحقائق. فعلى مستوى الإنتاج، أصدرت منظمة الفاو دراسة لرصد المحاصيل في مشروع الجزيرة عبر صور "سنتينل-2" للمواسم الزراعية من عام 2019/2020 حتى عام 2023/2024. كشفت هذه الدراسة عن تراجع حاد في المساحة المزروعة وتحوّل في أنماط المحاصيل، مع انهيار إنتاج القمح في المشروع بنسبة 30% في موسم عام 2022/2023، ثم بنسبة 58% في موسم عام 2023/2024، وهو الموسم الذي شهد اقتحام ود مدني.
كذلك أكدت دراسة محكّمة نُشرت عام 2025 في دورية "ديزاسترز" (Disasters) العلمية أن إنتاج القمح والذرة في ولاية الجزيرة تراجع بنحو 50%، وأرجعت ذلك إلى مزيج من انهيار الائتمان الزراعي وارتفاع أسعار المستلزمات وشح الوقود وتدمير البنية التحتية للري.
أما على مستوى المساحة الخضراء المزروعة، فقد قدّر تحليل شبكة الإنذار المبكر للمجاعات ووكالة ناسا في أكتوبر/تشرين الأول عام 2024 أن المساحات المزروعة في ولاية الجزيرة تراجعت بنحو 36% مقارنة بالعام السابق. وقد وصف التحليل مشروع الجزيرة بأنه من أكثر المناطق التي شهدت "تراجعا في الوصول إلى المزارع بفعل النزاع"، وأشار التحليل إلى أن خطر الاستهداف أبعد المزارعين عن حقولهم حتى في المناطق التي لم تشهد اشتباكات مباشرة.
"أكد مدير مشروع الجزيرة أن إجمالي خسائر المشروع خلال فترة سيطرة الدعم السريع تجاوزت 6 مليارات دولار"
وأشار مدير مشروع الجزيرة في يناير/كانون الثاني عام 2026 إلى أن مساحة القمح المزروعة تقلصت من 400 ألف فدان إلى 210 آلاف فدان فقط، أي بمقدار النصف تقريبا. قبل أن يعود للتأكيد على أن إجمالي خسائر المشروع خلال فترة سيطرة الدعم السريع تجاوزت 6 مليارات دولار.
على الأرض، يبدو الانهيار أكثر قسوة مما تظهره الأرقام المجردة. حسين سعد، مزارع سابق وعضو في تحالف مزارعي الجزيرة قال لراديو دبنقا المحلي مطلع عام 2026 إن سعر كيس السماد قفز من 20 ألف جنيه سوداني قبل الحرب إلى 120 ألفا بعدها، وتكلفة تجهيز الفدان الواحد بالجرارات ارتفعت من أقل من 10 آلاف إلى 30 ألفا.
وقدّر سعد أن المساحات المزروعة في الموسم الصيفي، التي كانت تتجاوز 500 ألف فدان، باتت تبلغ بالكاد 150 ألفا. وأشار ممثلو تحالف المزارعين إلى أن كفاءة المشروع تراجعت من نحو 100% إلى 45%، مع "نهب كامل للبنية التحتية ومستلزمات الإنتاج في الأقسام الشمالية". وتحدث مزارعون عن المعاناة بسبب مرور 3 إلى 4 مواسم متتالية دون حصاد فعلي.
لكن ليست كل الخضرة سواء! فمؤشر الغطاء النباتي يقيس كثافة "الخضرة" وصحتها، لكنه لا يميّز بطبيعته بين المحاصيل المزروعة والأعشاب البرية، وقد أشارت بعض الدراسات صراحة إلى أن المؤشر غير قادر على التفريق بين النمو النباتي الطبيعي ونمو المحاصيل، محذرة من أن ارتفاع قيمه في بعض المناطق قد يعكس انتشار الأعشاب في الحقول المهجورة، وليس دليلًا على وجود زراعة فعلية.
أما في المشاريع المروية المهندسة كالجزيرة والرهد في ولاية القضارف أو السوكي في ولاية سنار، فيمكن الاستفادة من صور الأقمار الصناعية والتأكد مما إذا كانت المساحات الخضراء مزروعة أو معشوشبة عن طريق تحليل الأنماط الهندسية في هذه المناطق.
فالزراعة في هذه المشاريع تعتمد كليا على تدخل بشري منسق يشمل تشغيل محطات الضخ، وفتح بوابات المياه وفق جداول محكمة، وصيانة القنوات، والتسميد المنتظم. لذلك فحين تعمل هذه المنظومة بأكملها، تظهر صور الأقمار الصناعية نمطا لا يُخطئه المحللون، يظهر مستطيلات منتظمة من الحقول، محاذية للقنوات والطرق الزراعية. وحين تنهار المنظومة تغرق بعض الحقول وتجف أخرى، وتستوطن الأعشاب في رقع فوضوية غير منتظمة.
وهذا تحديدا ما رصدته شبكة الإنذار المبكر للجماعات ووكالة ناسا (NASA) في صور الأقمار الصناعية الملتقطة في سبتمبر/أيلول عام 2024 لمشروعي الجزيرة والرهد من "فقدان الأنماط المميزة للحقول وظهور تدرجات خضراء منتشرة تشير إلى أراض غير مزروعة".
"على مؤشر الأمن الغذائي، يعيش 25.6 ملايين سوداني في مستوى الأزمة أو أسوأ، بينهم 8.5 ملايين في مستوى الطوارئ و755 ألفا بلغوا مستوى الكارثة"
وفي يونيو/حزيران عام 2024، أصدر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو أداة متطورة لتحليل الأمن الغذائي تصدرها عدة منظمات أممية، تقريرا قال إنه يرصد "أسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد على الإطلاق في السودان". أكثر من نصف سكان البلاد، أو 25.6 ملايين شخص في مستوى الأزمة أو أسوأ، بينهم 8.5 ملايين في مستوى الطوارئ و755 ألفا في مستوى الكارثة، موزعين على 10 ولايات تشمل الجزيرة والخرطوم.
لكن هل ما حدث في مشروع الجزيرة حالة فردية؟ قامت وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة بتوسيع التحليل ليشمل مشروعين قوميين آخرين هما الرهد (وتبلغ مساحته أكثر من 300 ألف فدان) والسوكي (وهو مشروع أصغر تبلغ مساحته 90 ألف فدان).
تكشف الرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية نمطا متطابقا بين المشاريع الثلاثة خلال الفترة التي سيطرت فيها قوات الدعم السريع على المنطقة. فهي توضح الاستقرار بين عامي 2020 و2023، ثم الانحدار الحاد في عام 2024، مع بدء التعافي في عام 2025.
في ديسمبر/كانون الأول عام 2023 اقتحمت قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، وبحلول يونيو/حزيران عام 2024 توسعت إلى سنار. وطوال عام 2024، وقعت المشاريع الثلاثة ضمن مناطق سيطرتها. ثم انقلب الميزان حين عادت القوات المسلحة السودانية للسيطرة على سنجة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، ثم ود مدني في يناير/كانون الثاني عام 2025. وبحلول مارس/آذار عام 2025، كان الجيش يسيطر على معظم أراضي الولايتين.
خريطة توضح مواقع المشاريع الزراعية القومية الكبرى في ولايتي الجزيرة وسنار، وسيطرة قوات الدعم السريع على معظم أجزاء الولايتين. بتاريخ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2024 (توماس فان لينغه)ورغم أن بإمكاننا الاعتماد على التزامن بين الخرائط العسكرية والرسوم البيانية الزراعية لإثبات الارتباط بين انهيار المساحات المزروعة بالتزامن مع سيطرة الدعم السريع، لا يثبت التزامن وحده العلاقة السببية بين الأمرين بشكل كامل. فما الذي حدث فعلا على الأرض ليقضي على المشاريع الزراعية؟
"ما وقع كان سلسلة من الضربات المتتالية التي ضربت كل حلقة في السلسلة الزراعية بدءًا من البنية التحتية الزراعية إلى العمالة إلى المحاصيل المخزنة بالفعل"
تشير الأدلة المتاحة من مصادر مستقلة متعددة إلى ما هو أبعد من "انعدام الأمن" بمفهومه العام أو مخاوف المزارعين الذين اضطروا للنزوح عن أراضيهم. فما وقع كان سلسلة من الضربات المتتالية التي ضربت كل حلقة في السلسلة الزراعية بدءًا من البنية التحتية الزراعية إلى العمالة إلى المحاصيل المخزنة بالفعل.
خريطة توضح مواقع المشاريع الزراعية القومية الكبرى في ولايتي الجزيرة وسنار، واستعادة الجيش السوداني سيطرته على معظم أجزاء الولايتين، بتاريخ: 2 مارس/آذار (توماس فان لينغه)وقد وثقت الوكالة الأوروبية للجوء تحويل قوات الدعم السريع لمسار قنوات الري، وإغراق الأراضي الزراعية وحتى استخدام أكياس المحاصيل جسورا فوق القنوات لعبور القوات، بالإضافة إلى إلحاق أضرار مباشرة بمنشآت الري.
وأشارت منظمة الفاو في تقرير مايو/أيار عام 2025 إلى أن قناة الحيواوا المهمة، وهي واحدة من 117 قناة في المشروع وتخدم 2360 مزارعا في 48 قرية، كانت من أشد المناطق تضررا. إضافة لذلك رصدت التقارير الميدانية لوكالة رويترز في أغسطس/آب عام 2024 نهب الجرارات والحاصدات ومخزون البذور ومنع المزارعين من حقولهم وترك المحاصيل عرضة لرعي الماشية. وأدى اقتحام ود مدني إلى نزوح أكثر من 600 ألف شخص من ولاية الجزيرة وحدها، وهو ما أفقد المشروع العمالة اللازمة أو القوة البشرية المتخصصة التي تدير جداول المياه وتشغّل محطات الضخ.
ثم بدأ الخنق الاقتصادي. فقد انهارت واردات الأسمدة من 450 ألف طن إلى 50 ألفا، بتراجع نسبته 90%، وارتفعت أسعار الديزل بنسبة 34%. بهذا أصبح تشغيل مضخات الري مستحيلا اقتصاديا لكثير من التعاونيات الزراعية. في الفترة ذاتها، أُغلقت 200 من أصل 300 من التكايا والمطابخ التي كانت تسد فراغ المنظمات الدولية في مناطق النزاع بسبب انقطاع التحويلات المالية خلال فترات حصار الاتصالات.
"الأدلة المترابطة تثبت قيام قوات الدعم السريع بتفكيك بنيوي لكل مقومات الإنتاج الزراعي"
بذلك لا يمكن الادعاء بأن "انعدام الأمن" وحده أو ظروف القتال فحسب هي التي أجبرت المزارعين على التوقف عن الزراعة، فالأدلة المترابطة تثبت قيام قوات الدعم السريع بتفكيك بنيوي لكل مقومات الإنتاج الزراعي، من البنية التحتية والعمالة، مرورًا بالاتصالات وواردات الأسمدة وحتى المخزون الذي أُبيد بشكل متعمد.
(موقع بلانت)يؤكد ذلك ما تثبته تقارير مختلفة من مصادر مستقلة متعددة أنه مع تراجع قوات الدعم السريع بدأت الأمور بالتعافي شيئًا فشيئا. ففي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2025، أصدر تصنيف الأمن الغذائي تقريرا خاصا يتطابق مع البيانات التي رصدتها وحدة التحقيقات الرقمية. فبحسب التقرير، تجاوز 3.4 مليون شخص مستوى الأزمة الغذائية نحو الأمان، ويعزو التقرير التحسن صراحة إلى "الاستقرار التدريجي وتراجع النزاع في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار"، وهي الولايات ذاتها التي يُظهر فيها تحليلنا تعافي مؤشرات الغطاء النباتي مع انسحاب الدعم السريع.
بالمثل، أكدت شبكة الإنذار المبكر للمجاعات في تحديثها لشهر سبتمبر/أيلول عام 2025 أنه "في مناطق السودان المنتجة للغذاء، بما فيها مشروع الجزيرة، أتاح الهدوء النسبي منذ أبريل/نيسان عام 2025 عودة عدد كبير من المزارعين النازحين"، مع التأكيد على أن "جهود التعافي بطيئة لأن أنظمة الري لا تزال متضررة ولا يزال الوصول إلى مستلزمات الإنتاج محدودًا للغاية".
حتى الآن أثبت التحقيق وجود ارتباط زمني وجغرافي واضح بين سيطرة قوات الدعم السريع وانهيار الزراعة، ثم بين انسحابها وبدء التعافي. لكن الارتباط وحده لا يكفي. فقد يقول معترض إن التغيرات المناخية أو انخفاض الأمطار هو السبب الحقيقي وراء تراجع الغطاء النباتي، لا الحرب.
لاختبار ذلك، نحتاج إلى "مجموعة ضابطة" (Control group) كما في التجارب المعملية. والمجموعة الضابطة هنا هي منطقة تشترك مع الجزيرة وسنار في الظروف المناخية ذاتها، لكنها تختلف في مسارها الأمني. إذا تعافت الزراعة في المنطقتين معا، يكون المناخ هو المتغير المحرك على الأرجح. أما إذا تعافت إحداهما دون الأخرى رغم تشابه المناخ، فإن المتغير العسكري والأمني هو الذي يفسر الفارق. وولاية الخرطوم تقدم لنا هذه المجموعة الضابطة.
"الخرطوم كانت أول ولاية يشتعل فيها القتال في أبريل/نيسان 2023، وآخر ولاية تعاد السيطرة عليها إلى الجيش في وسط السودان في مايو/أيار 2025"
الخرطوم كانت أول ولاية يشتعل فيها القتال في أبريل/نيسان عام 2023، وآخر ولاية يُعاد السيطرة عليها في وسط السودان في مايو/أيار عام 2025. وتضم 4 مشاريع زراعية كبيرة هي مشروع شمال بحري، ومزارع شرق النيل، ومشروع كترانج، ومشروع سندس. والأهم من ذلك أن الخرطوم والجزيرة تقعان في الحزام المناخي ذاته، ولا يفصل بينهما سوى 150 كيلومترا، فهما تتشاركان أنماط الأمطار ذاتها ونوع التربة ذاته والإشعاع الشمسي ذاته. فإذا كان الجفاف أو تغير المناخ هو ما يقف وراء انهيار الغطاء النباتي، فإن المنطقتين يجب أن تسلكا المسار نفسه.
لكن المنطقتين سلكتا في الواقع مسارين مختلفين تماما. ففي حين سجلت مشاريع الجزيرة والرهد والسوكي تعافيا واضحا في ديسمبر/كانون الأول عام 2025 بالتزامن مع انسحاب قوات الدعم السريع، ظلت المشاريع الأربعة في الخرطوم عند مستويات منخفضة دون أي تحسن يُعتد به، رغم هطول الأمطار ذاتها على أراضيها.
ومن خلال مقارنة صور الأقمار الصناعية، يظهر أن الحقول التي كانت تُظهر أنماطا هندسية واضحة في ديسمبر/كانون الأول عام 2022 لا تزال تعاني من تدهور الغطاء النباتي. وأوضح دليل هو أن الهندسة المنتظمة التي تميز الزراعة المروية تغيب تماما في المشاريع الأربعة.
خريطة توضح مواقع المشاريع الزراعية القومية الكبرى في ولاية الخرطوم وسيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء من الولاية، بتاريخ 1 مايو/أيار 2025 (توماس فان لينغه)في الجزيرة وسنار انسحبت قوات الدعم السريع وعاد الجيش منذ أواخر عام 2024، فعاد فيهما النشاط الزراعي، أما في الخرطوم ظلت الاشتباكات متواصلة حتى مايو/أيار عام 2025، ولهذا لم تعد الزراعة.
لكن ثمة اعتراض مشروع، فلعل مشاريع الخرطوم لم تتعافَ لأن تحرير الولاية جاء متأخرا في مايو/أيار عام 2025، أي بعد فوات موعد الزراعة الشتوية التي يلتقطها تحليل ديسمبر/كانون الأول عام 2025. وهذا صحيح، فاستعادة السيطرة على الخرطوم تمت بعد مشاريع الجزيرة وسنار بنحو 5 أشهر، ولم يكن ممكنا عمليا أن يتحول هذا التحسن الأمني إلى زراعة فعلية خلال الموسم ذاته.
"الأمن شرط من الشروط اللازمة للتعافي الزراعي لكنه ليس الشرط الوحيد"
لكن هذا التحفظ يعزز الفرضية ولا يضعفها. فهو يثبت أن التعافي الزراعي لا يحتاج إلى مجرد انفراجة أمنية، بل إلى موسم زراعي كامل من الاستقرار يكفي لعودة المزارعين النازحين وإصلاح ما يمكن إصلاحه من قنوات الري وتأمين البذور والأسمدة.
خريطة توضح مواقع المشاريع الزراعية القومية الكبرى في ولاية الخرطوم واستعادة الجيش السوداني سيطرته على كامل العاصمة، بتاريخ 1 يونيو/حزيران 2025 (توماس فان لينغه)وقد أكد تقرير تصنيف الأمن الغذائي ذلك حين نبّه إلى أن التحسن في مناطق وسط السودان يظل هشًا ومحدودًا، وأن "كثيرا من العائلات العائدة إلى الخرطوم والجزيرة فقدت كل شيء وستعاني للاستفادة من الحصاد". وأشارت شبكة الإنذار المبكر للمجاعات في تقريرها الصادر في أكتوبر/تشرين الأول عام 2025 إلى أنه حتى في المناطق الأكثر هدوءا فإن "معظم أنظمة الري لا تزال معطلة والوصول إلى التمويل ومستلزمات الإنتاج شحيح"، مرجحة أن يظل حصاد 2025-2026 "دون المتوسط".
بعبارة أخرى، فالأمن شرط من الشروط اللازمة للتعافي لكنه ليس الشرط الوحيد.
(موقع بلانت)وعلى عكس ولايتي الجزيرة وسنار لم ترصد عبر صور الأقمار الصناعية مؤشرات واضحة على عمليات إعادة إعمار واسعة النطاق داخل المنشآت الصناعية أو الزراعية المتضررة في ولاية الخرطوم.
ورغم قصر المدة الزمنية بين إعلان استعادة الخرطوم والفترة التي أجرينا فيها هذا التحليل (نهاية عام 2025)، إلا أن أعمال إعادة الإعمار لم تنعدم بشكل كامل، ولكن بقيت محدودة جدا مقارنة بمجهودات إعادة الإعمار في ولايتي الجزيرة وسنار، علما بأن حجم الدمار في المنشآت الصناعية بولاية الجزيرة هو الأكبر في السودان، فحسب تصريحات وزيرة الصناعة محاسن يعقوب لصحيفة السوداني: "بلغ عدد المصانع الصغيرة والمتوسطة التي تضرّرت بولاية الخرطوم (3193) مصنعاً في مختلف القطاعات".
(موقع بلانت)ما يكشفه هذا التحقيق من خلال الأقمار الصناعية ليس مفاجئا في ذاته، فالعلاقة بين الحرب والجوع منطقية ومعروفة. لكن البيانات تقدم قياسات مباشرة وقابلة للتكرار لحجم الانهيار وتوقيته ونطاقه، مدعومة بتأكيد مستقل من أبرز مراصد الأمن الغذائي في العالم.
لقد أثبت مشروع الجزيرة الزراعي أن التعافي ممكن حين انسحبت قوات الدعم السريع وعاد الاستقرار الأمني. لكنه ظل تعافيا هشًا مقيّدا بمحدودية الموارد من أنظمة ريّ مدمرة ومستلزمات شحيحة واقتصاد في انهيار. أما الخرطوم فتثبت أن كل شهر إضافي من القتال يعني موسما زراعيا ضائعا، وأن كل تأخير في عودة الاستقرار يعني انعدام الأمن الغذائي لملايين من السودانيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة