في تطور ميداني لافت، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي بدء عملية عسكرية لاعتراض سفن "أسطول الصمود العالمي" المتجه إلى قطاع غزة، وذلك في المياه الدولية وعلى مسافة بعيدة من السواحل الإسرائيلية، في خطوة تعكس تصعيداً جديداً في ملف الحصار البحري المفروض على القطاع.
نقلت إذاعة الجيش عن مصدر عسكري أن قرار تنفيذ العملية بعيداً عن السواحل الإسرائيلية جاء نتيجة الحجم الكبير للأسطول، الذي يضم نحو 100 قارب وعلى متنه قرابة 1000 ناشط، وأوضحت أن القوات البحرية باشرت عمليات السيطرة في محيط جزيرة كريت داخل المياه الدولية، في محاولة لاعتراض التشكيل البحري قبل اقترابه من غزة.
كما أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نقلاً عن مصادرها، أن هذا القرار يرتبط بالاعتبارات اللوجستية والأمنية المرتبطة بضخامة الأسطول، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تابع التطورات ميدانياً وقطع جلسة له في المحكمة للاطلاع على سير العملية.
بحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، بدأت عمليات السيطرة خلال ساعات الفجر الأولى، حيث تم توقيف عدد من السفن دون تسجيل إصابات أو "حوادث استثنائية"، وأشارت الإذاعة إلى أن العملية نُفذت على بُعد يزيد على ألف كيلومتر من السواحل الإسرائيلية ، ووصفتها بأنها مرحلة أولية قد تتبعها عمليات أخرى في حال لم تستجب بقية السفن للتحذيرات.
وفي السياق ذاته، بثت البحرية الإسرائيلية تسجيلات صوتية تُظهر توجيه إنذارات مباشرة للنشطاء، حيث دعا ضابط بحري المشاركين إلى تغيير مسارهم والعودة إلى موانئ الانطلاق، أو التوجه إلى ميناء أسدود في حال رغبتهم بإيصال مساعدات إنسانية عبر "القنوات الرسمية والمعترف بها"، محذراً من أن الاستمرار نحو غزة سيؤدي إلى اعتقالهم.
في المقابل، أفاد القائمون على مبادرة "أسطول الصمود العالمي"، التي كانت في طريقها إلى قطاع غزة بهدف كسر الحصار، بأن القوات الإسرائيلية أوقفت 211 ناشطًا خلال عملية تمت في عرض البحر قرب اليونان، واعتبروا ما جرى بمثابة "اختطاف".
وأوضحت هيلين كورون، المتحدثة باسم فرع منظمة "غلوبال صمود" في فرنسا، خلال مؤتمر صحفي عُقد عبر الإنترنت يوم الخميس، أن التدخل جرى في المياه الدولية على مقربة من جزيرة كريت، وبعيدًا عن السواحل الإسرائيلية، مشيرة إلى أن من بين الموقوفين مستشارة في بلدية باريس.
تباينت الروايات الإسرائيلية بشأن عدد القوارب التي جرى اعتراضها ضمن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة ، فقد ذكرت إذاعة الجيش أن القوات البحرية أوقفت 21 سفينة من أصل 58، بينما قالت "القناة 12" إن البحرية سيطرت على نحو 50 زورقاً يقلّ حوالي 400 ناشط، وأبلغتهم بأنهم قيد الاعتقال، وفي بيان آخر، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية اعتراض 175 ناشطاً كانوا على متن 20 قارباً.
كما أفادت صحيفة "معاريف" أن ضباطاً في سلاح البحرية يعتبرون محاولة كسر الحصار البحري المفروض على غزة "انتهاكاً للقانون الدولي"، موضحين أن الجيش ينفذ تعليمات القيادة السياسية بشأن تطبيق هذا الحصار. وفي السياق نفسه، ذكر موقع والا أن بعض القوارب التي جرى اعتراضها قد تُسحب إلى ميناء أسدود.
وفي الوقت نفسه، نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية مقطع فيديو على منصة"إكس" قالت إنه يظهر العثور على "واقيات ذكرية ومخدرات" على متن إحدى السفن التي تم اعتراضها.
في المقابل، أكد منظمو "أسطول الصمود العالمي" أن سفنهم تعرضت لعمليات تشويش واسعة في الاتصالات أثناء إبحارها في شرق البحر المتوسط، قبل أن تقترب منها زوارق عسكرية إسرائيلية. وأشاروا، عبر بيانات وتصريحات إعلامية، إلى أن إحدى السفن على الأقل تعرضت للاعتراض والاقتحام في المياه الدولية.
وقالت المتحدثة باسم الأسطول، رنا حميدة، في تصريح لقناة "الجزيرة"، إنه لا يوجد حتى الآن تأكيد لاعتراض كامل سفن الأسطول، مضيفة أن بعض القوارب انقطع الاتصال بها بشكل كامل، في حين تواصل سفن أخرى الإبحار باتجاه غزة، وشددت على أن المشاركين ملتزمون بقواعد القانون الدولي في مساعيهم لإيصال المساعدات الإنسانية.
وكان القائمون على الأسطول قد أطلقوا، قبيل منتصف الليل، نداء استغاثة بعد تعرض معظم القوارب للتشويش، مؤكدين أن مهمتهم إنسانية وتهدف إلى كسر الحصار المفروض على القطاع.
التطورات الميدانية سرعان ما انعكست على الساحة السياسية، حيث وصفت وزارة الخارجية التركية العملية الإسرائيلية بأنها "عمل من أعمال القرصنة"، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف موحد ضد ما اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي.
من جانبها، دعت إيطاليا، يوم الخميس، إلى الإفراج الفوري عن مواطنيها الذين كانوا على متن قافلة مساعدات متجهة إلى غزة، بعدما داهمتها القوات الإسرائيلية في المياه الدولية قبالة اليونان.
وقالت الحكومة الإيطالية في بيان إن إيطاليا "تدين الاستيلاء على سفن أسطول الصمود العالمي"، مطالبة إسرائيل بـ"الإفراج فورًا عن جميع الإيطاليين المحتجزين بشكل غير قانوني".
في المقابل، قال المندوب الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن قوات بلاده أوقفت "أسطولًا استفزازياً" قبل وصوله إلى غزة، في تأكيد على الموقف الإسرائيلي الرافض لمحاولات كسر الحصار البحري.
وفي سياق متصل، نقلت "يديعوت أحرونوت" عن وزارة الخارجية الإسرائيلية اتهامها لحركة حماس بالوقوف وراء تنظيم هذا الأسطول، معتبرة أن الهدف من التحرك هو عرقلة ما وصفته بـ"الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام".
يأتي هذا التحرك ضمن "مهمة ربيع 2026"، التي انطلقت في 12 أبريل/نيسان من مدينة برشلونة الإسبانية بمشاركة أولية بلغت 39 قارباً، قبل أن تنضم سفن أخرى من موانئ إسبانيا وإيطاليا وتونس، ليصل العدد إلى أكثر من 50 سفينة وفق ما أعلن المنظمون.
وقد توقفت السفن في موانئ صقلية، بينها سيراكوز وأوغوستا، قبل أن تستأنف رحلتها نحو شرق المتوسط، وتشير بيانات موقع "مارين ترافيك" إلى تحرك هذه السفن بالفعل في القطاع الشرقي من البحر.
ويؤكد المنظمون أن الأسطول يحمل مساعدات إنسانية تشمل الغذاء وحليب الأطفال والمستلزمات الطبية ومواد النظافة، إلى جانب أدوات تعليمية، في إطار محاولة لفتح ممر بحري مدني نحو غزة.
كما أعلنت منظمة "غرينبيس" أن سفينتها "آركتيك صنرايز" تشارك في مرافقة الأسطول لتقديم دعم بحري وفني، بالتعاون مع منظمة "أوبن آرمز".
وتحمل هذه المحاولة بحسب القائمين عليها بعداً رمزياً، إذ تأتي بع د تجربة مماثلة في عام 2025 ، عندما اعترضت القوات الإسرائيلية عشرات القوارب واعتقلت مئات الناشطين قبل ترحيلهم.
كما تعيد هذه التطورات إلى الواجهة حادثة "أسطول الحرية" عام 2010، حين اقتحمت القوات الإسرائيلية سفينة "مافي مرمرة"، في واحدة من أكثر المواجهات دموية وتأثيراً على الرأي العام الدولي، حيث كان الأسطول آنذاك يضم 6 سفن وعلى متنه 663 ناشطاً من 37 دولة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة