في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنوب لبنان- لا تبدو الهدنة القائمة بين حزب الله وإسرائيل نهاية للحرب بقدر ما تبدو مرحلة معلقة على احتمالات مفتوحة؛ ففي قرى أثقلها الدمار، ومراكز إيواء تضيق بسكانها، يعيش الأهالي حالة من التردد اليومي بين خيارين أحلاهما مرّ: العودة إلى بيوت فقدت مقومات الحياة، أو الاستمرار في نزوح لا يشبه الاستقرار.
في بلدة شقرا، تختصر فيزة عقيقة هذا التردد في قصة تتوزع بين مكانين. في مدرسة الإصلاح بمدينة صيدا، حيث أقامت مع عائلتها، وجدت قدرا من الاستقرار وسط الفوضى، وبدا أن الحياة يمكن أن تستمر، ولو بحدها الأدنى، بفضل مبادرات محلية وفرت المأوى وبعض الخدمات الأساسية.
لكن مع إعلان الهدنة، تغيّر المشهد، حيث أصرّ أبناؤها على العودة إلى البلدة لتفقد المنزل، فانقسم القرار داخل الأسرة، وتوجه الأبناء إلى شقرا، بينما فضلت هي البقاء في مركز الإيواء، متمسكة بما يشبه خيط الأمان الأخير. كانت تدرك أن خسارة هذا المكان تعني الدخول في فراغ قاسٍ، في ظل غياب بدائل حقيقية.
وعندما وصل الأبناء، كانت الصدمة بانتظارهم. المنزل متضرر بشكل كبير، قذيفة اخترقت سقفه، وأجزاء واسعة منه لم تعد صالحة للسكن.
لم يعد الدمار مجرد أثر للحرب، بل واقع يفرض نفسه على أي محاولة للعودة. ومع ذلك، يحاول بعض الأهالي ترميم ما يمكن إنقاذه، مستعينين بمولدات كهرباء وخطوات بطيئة لإعادة إيقاع الحياة.
وسط هذا المشهد، تبقى الحيرة هي العنوان الأبرز، فهناك خوف من تجدّد القتال حاضر، والهدنة نفسها تبدو هشّة، تتخللها خروقات تعيد القلق في كل مرة. فلا العودة ممكنة بالكامل، ولا النزوح يوفر استقرارا حقيقيا.
وتختصر فيزة هذا الشعور بعبارة بسيطة: "مش عارفين شو نعمل.. ضايعين"، وهي جملة تعكس حال كثيرين يعيشون بين خيارين بلا يقين.
في مركز الإيواء ذاته، تروي الحاجة فاطمة للجزيرة نت حكاية أخرى تحمل المضمون نفسه، فابنة بلدة عيتا الشعب لم تغادر أرضها طوعا، لكنها اليوم عاجزة عن العودة بعدما أدرجت منطقتها ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث لا يزال الوصول مقيدا.
ورغم ذلك، لا تنظر إلى غيابها كخسارة نهائية، بل كمرحلة مؤقتة، وتقول بثقة: "سنرجع". لا تربط هذه العودة بموعد محدد أو بضمانات، بل بإرادة ترى أنها كفيلة بإعادة الناس إلى أرضهم، حتى لو كان ذلك عبر خيام مؤقتة. بالنسبة إليها، الأرض ليست خيارا بل حق لا يسقط.
هذا الإصرار يخفي خلفه مسارا طويلا من النزوح. فهذه ليست تجربتها الأولى، إذ تنقلت بين محطات قسرية عدة: من عيتا الشعب إلى بيروت، ثم إلى سوريا خلال حرب الإسناد عام 2023، وصولا إلى صيدا. في كل مرة يتغير المكان، لكن الأمل يبقى ثابتا: أن العودة ستأتي يوما.
في بلدة صديقين، تتخذ القصة مسارا مختلفا، فيروي علي، وهو مصري الجنسية، كيف أصبح خلال خمسة وعشرين عاما جزءا من نسيج الجنوب، قائلا للجزيرة نت: "صرنا من أهلها"، في تعبير يعكس انتماء يتجاوز حدود الجنسية.
غادر مع اشتداد القصف، ثم عاد بعد إعلان الهدنة ليتفقد منزله. ما وجده كان صادما: دمار واسع، وانقطاع كامل للخدمات من ماء وكهرباء واتصالات. لم يكن هناك مجال للتفكير، بل محاولة سريعة لترتيب ما يمكن إنقاذه. قضى ليلته الأولى "على التراب"، تحت سقف مثقوب، في ظل قلق لا يفارقه.
في اليوم التالي، بدأ مع عائلته محاولات استعادة الحد الأدنى من الحياة: تنظيف المكان، البحث عن المياه، وإصلاح الأعطال الممكنة. تفاصيل بسيطة لكنها ضرورية، ومع ذلك بقي الشعور بعدم الأمان حاضرا، يتسلل مع كل خرق للهدنة.
ولم تكن عودته نهائية، إذ سرعان ما أدرك أن الاستقرار لا يزال بعيدا، فاختار العودة إلى مركز الإيواء بانتظار وضوح لم يتشكل بعد.
بين من عادوا ثم تراجعوا، ومن بقوا في حالة انتظار، تتشكل صورة الجنوب اليوم، فالهدنة هشّة، والقرارات مؤجلة، وأناس يعيشون بين مكانين. في هذا الواقع، لا يبدو النزوح مجرد انتقال، ولا العودة نهاية مؤكدة، بل كلاهما يعكسان قلقا واحدا عنوانه انتظار ما سيأتي.
وفي مدينة صيدا، التي تحولت خلال الحرب إلى ملاذ لعشرات الآلاف من النازحين، تتغير الأرقام بسرعة، في انعكاس واضح لهشاشة الواقع وتقلب مساراته.
نائب رئيس بلدية صيدا أحمد عكرة يوضح أن المدينة كانت، قبل إعلان وقف إطلاق النار، تستضيف نحو 13 ألفا و500 نازح موزعين على 27 مركزا للإيواء. ومع سريان الهدنة، عادت أعداد كبيرة إلى قراها، لينخفض العدد إلى نحو 1500 شخص، معظمهم ممن حالت خسائرهم أو مخاوفهم دون العودة.
لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، فبعد يومين فقط، بدأت موجة نزوح جديدة، مع عودة آلاف العائلات إلى صيدا بعد اكتشاف أن القرى لم تعد صالحة للحياة. وارتفع عدد النازحين مجددا إلى نحو 9400 داخل مراكز الإيواء، في مشهد يعكس تعثر العودة واستمرار القلق.
وعلى صعيد المراكز، يشير عكرة إلى أن 3 مراكز تديرها وكالة الأونروا ستُغلق مع إعادة فتح المدارس، ما يستدعي نقل مئات النازحين إلى مراكز أخرى، وهو ما يضيف تحديات تنظيمية جديدة.
في المقابل، تواصل البلدية تأمين الحد الأدنى من الخدمات داخل المراكز، من غذاء ورعاية طبية، لكن هذه الجهود تبقى مرهونة بالدعم، في ظل حاجة متزايدة إلى تمويل يضمن استمرار الاستجابة الإنسانية.
دخلت هدنة وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بعد أسابيع من التصعيد العسكري، بوساطة دولية تقودها الولايات المتحدة، على أن تبقى مؤقتة وقابلة للتمديد. ورغم تمديدها وبدء مسار تفاوضي، لم تنجح في تبديد القلق.
وسرعان ما وُصفت بالهشّة، في ظل خروقات متكررة واستمرار التوتر. وبين هدوء حذر وانفجارات متقطعة، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى اختبار ميداني منها إلى اتفاق مستقر، بانتظار تسوية أوسع قد تعيد شيئا من الاستقرار إلى الجنوب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة