في قطاع غزة، لم يعد الخطر مرتبطاً فقط بما يسقط من السماء، بل بما يزحف بصمت من تحت الأرض.
داخل خيام النزوح، حيث يُفترض أن يجد السكان ملاذاً مؤقتاً، تحوّلت الأرض إلى مصدر تهديد يومي، مع انتشار غير مسبوق للقوارض والحشرات في بيئة متدهورة ومكتظة.
وقد شهدت الأيام الماضية تزايداً ملحوظاً في الإصابات الناتجة عن عضّات القوارض، بالتزامن مع تراكم النفايات وانتشار المياه العادمة في مناطق النزوح المكتظة في قطاع غزة.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الظروف المعيشية في هذه المخيمات "تتسم بانتشار القوارض والطفيليات"، وذلك استناداً إلى زيارات ميدانية لطواقمه في مارس / آذار الماضي.
content نهاية
داخل خيمة في مخيم النادي الرياضي جنوب قطاع غزة، تجلس أماني أبو سلمية تتفقد ما تبقى من جهاز عرسها، الذي كان يفصلها عنه عشرة أيام فقط. فبعد أشهر من التجهيز لعرسها، استيقظت لتجد القوارض قد أتلفت "جهازها" داخل الخيمة.
تقول أماني، في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي: "كنت بفرج صحباتي الجهاز قبل يوم .. كل شيء كان جاهزاً. وفي اليوم التالي سمعت صوت فئران، ولما فتشت، لقيت أغلب الملابس ممزقة ومأكولة." لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً".
وتضيف أماني: "تعبت عشان أجهز هذا الجهاز، وكل شيء كان غالي .. ومع هيك ما سلم. كنا مخططين ننقل الأغراض على بيتي (الخيمة) عشان أهل العريس يشوفوا الجهاز، لكن اللي صار كان صدمة كبيرة".
في خيمتها، كما في غيرها، لا تنجح محاولات الحماية البسيطة: "بنحط طوب وخشب طول الليل، بس الفئران بتدخل .. قبل شوي طلع فأر علينا."
هذا الخطر لم يتوقف عند تدمير الممتلكات، بل طال الأجساد المنهكة أيضاً. باسل الدحنون، 47 عاماً، النازح من بيت لاهيا والمصاب بالفشل الكلوي واعتلال القدم السكري، لم يشعر بجرحه إلا حين أيقظته زوجته، لتجد دماءه تسيل بعد أن نهش فأر إصبع قدمه ليلاً. يقول: "القدم السكرية بدها عناية، لكن الظروف صعبة جداً. الفئران والبعوض بكل مكان، والخطر يزيد مع اقتراب الصيف."
ويقول باسل لبي بي سي نيوز عربي إن الوضع يزداد صعوبة: "الظروف في الخيام لا تُطاق، القوارض والبعوض يهاجموننا باستمرار، وأطفالي يقضون ليلهم في رعب، يراقبون حشرات أبو مقص (أم أربعة وأربعين) وهي تزحف." ويتابع باسل: "الوضع خطير، لأن هذه القوارض قد تنقل أمراضاً خطيرة، وقد تنتشر في المخيمات كلها. كما أن البعوض يهاجمنا بكثرة، وأنا أعاني من حساسية شديدة، ومناعتي ضعيفة جدًا."
وكان وزير الصحة الفلسطيني، ماجد أبو رمضان، قد حذّر منذ مطلع أبريل/ نيسان، من تفاقم المخاطر الصحية في قطاع غزة بسبب الانتشار الواسع للقوارض، نتيجة التدهور البيئي وتراكم النفايات والركام.
وأضافت الوزارة في بيان صحفي صادر عنها، أن البيئة الحالية تسهل انتشار الفئران والجرذان، ما يزيد من احتمال تفشي أمراض خطيرة، سواء بشكل مباشر عبر العض، أو بشكل غير مباشر من خلال البول والفضلات، أو عبر الطفيليات الناقلة كالبَراغيث والقراد. ومن أبرز هذه الأمراض الحمى النزفية والطاعون وحمى الفئران والسالمونيلا.
ودعا الوزير منظمة الصحة العالمية إلى تدخل عاجل، عبر إدخال مواد مكافحة القوارض، خاصة مع وجود أكثر من مليون نازح يعيشون في ظروف سكنية هشة تزيد من تعرضهم لهذه المخاطر.
من جهته، يحذر د. محمد أبو عفش، مدير جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في قطاع غزة، في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي، من تفاقم الوضع، قائلا إن: "انتشار القوارض أصبح عبئاً كبيراً وخطراً حقيقياً على الصحة العامة، خاصة مع وصولها إلى الطعام والشراب داخل الخيام."
سبل المكافحة شبه منعدمة داخل القطاع، كما يوضح أبو عفش، بسبب عدم السماح بإدخال المبيدات اللازمة، إضافة إلى ضعف إمكانيات الجهات المحلية في تشكيل فرق ميدانية فعالة، إلى جانب تراجع خدمات البلديات نتيجة تدمير بنيتها التحتية ما خلق بيئة مناسبة لتكاثر القوارض.
ويقول أبو عفش، "سُجلت بالفعل حالات إصابة وصلت إلى المستشفيات والمراكز الصحية، ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة حتى الآن، إلا أن هناك تزايدًا واضحًا في عدد الإصابات، ما ينذر بكارثة إذا لم يتم التدخل سريعاً."
ويضيف: "نلاحظ أيضاً ظهور أنواع من القوارض لم تكن مألوفة من قبل، وبأعداد كبيرة، ما يشكل تهديداً حقيقياً، وقد يصل الأمر إلى هجمات على بعض المخيمات."
ويطالب أبو عفش بضرورة تدخل الجهات الدولية، والضغط للسماح بإدخال المبيدات الحشرية والطعوم السامة، إضافة إلى الوقود اللازم لتشغيل خدمات النظافة والتعقيم.
يرصد سكان القطاع ظهور أنواع غير مألوفة من القوارض، يطلق عليها المختصون اسم "الجرذ النرويجي" أو "جرذ المجاري". ويصفه المواطنون بأنه كبير الحجم، لا يهاب الضوء أو البشر، ولديه قدرة عالية على السباحة والعيش في شبكات الصرف الصحي. ويُعد الجرذ النرويجي من أكبر أنواع الجرذان، إذ قد يصل وزنه إلى نحو 350 غرامًا، وأحيانًا أكثر، ويتميّز بذيل أقصر من جسمه وملمسه السميك.
يتجاوز حجم الركام والأنقاض في قطاع غزة 60 إلى 68 مليون طن نتيجة الحرب، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. هذا الدمار المهول يغطي معظم مناطق القطاع، ويقدر بنحو 30 طناً من الأنقاض لكل فرد، ما يعادل 13 هرماً من أهرامات الجيزة في مصر، ويشمل ما لا يقل عن 4 ملايين طن من النفايات الخطرة.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لا تزال الأوضاع الإنسانية تتدهور، إذ أدت القيود المستمرة على إدخال المساعدات، وتدمير البنية التحتية، إلى تفاقم الأزمة، وخلقت بيئة مثالية لانتشار القوارض والأوبئة.
ووفقا للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم أو نظرا إلى أنّ حوالي نصف مساحة القطاع ما زال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
هذا القلق الطبي يتجسد في حالة طفلة النازحة "أم رامز" في مخيم الشاليهات في وسط مدينة غزة، التي تعاني من عدوى يُرجح أنها ناتجة عن لدغة حشرة مجهولة منذ أكثر من 17 يومًا، وسط ارتفاع مستمر في درجة حرارتها.
تقول أم رامز "الخوف معنا 24 ساعة .. حتى داخل الخيمة ما في أمان، الدكاترة قالوا لي هذا فيروس، وممكن يظل معها حوالي 30 يوم. صار لنا 17 يوم وهي بهالحال، تحت رحمة الله. بعطيها العلاج بس عشان تخفف الألم، لكنها بتظل نايمة وحرارتها عالية".
وتوضح أم رامز أن طفلتها كانت نائمة في إحدى الليالي وفجأة بدأت في الصراخ، وتضيف: "لما صحينا، لقينا الحشرة كانت كبيرة جدًا (تشير بيدها)، حجمها مثل كيس كبير، صرنا نقضي الليل كله بخوف. ما عنا حتى كشاف عشان نشوف شو ممكن يكون حوالينا أو بينام معنا".
تقول أم رامز "الخيمة ممزقة ومقطعة… وكل ما نخيطها ما بتنفع." أما سكان الخيام، مثل أم رامز، فقد أصبح النوم بالنسبة لهم صعبًا، مع ما يحمله الليل من خوف وترقّب لما قد يظهر فجأة أو يزحف من تحت الأغطية.
وسط هذا الواقع، يحاول بعض الشباب التدخل بإمكانيات محدودة. يقول محمود العماوي، صانع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي وأحد سكان مدينة غزة: "نحاول مكافحة القوارض والحشرات بمواد بسيطة .. شيء أفضل من لا شيء."
يعتمد هؤلاء على وسائل بدائية، مثل استخدام أدوات رش ومبيدات تُستعمل عادة في الزراعة، وتوفير مصائد بسيطة للنازحين داخل الخيام، إلى جانب محاولات نقل النفايات بعيدًا عن أماكن السكن، في محاولة للحد من انتشار هذه الآفة.
لكن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم المشكلة، في ظل نقص حاد في المبيدات والإمكانات.
ومع اقتراب فصل الصيف، تتصاعد المخاوف من ظهور زواحف أكثر خطورة، كالثعابين والعقارب. وتبقى حياة نحو 2.2 مليون فلسطيني معلقة بين واقع إنساني هش، وتهديدات بيئية تتفاقم يومًا بعد يوم، في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات ومواد الإيواء.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة