آخر الأخبار

قانون "يادان" يربك فرنسا.. مكافحة الكراهية أم تجريم نقد إسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أجمعت الصحف الفرنسية، على اختلاف توجهاتها، على أن مقترح قانون "يادان" الذي قدمته النائبة كارولين يادان يمثل مأزقًا قانونيًا وسياسيًا غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة.

ففي مشهد نادر، تلاقت قراءات متباينة تجمع بين التحليل الفلسفي العميق الذي قدمه ميديا بارت، ورصد الحراك الشعبي في مجلة لونوفيل أوبس، والتوترات الميدانية التي أبرزتها صحيفة لوفيغارو، إضافة إلى النقد الصادر من اليمين الليبرالي عبر مجلة لوبوان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خطة طارئة لـ"ناتو أوروبي" تحسبا لانسحاب ترمب
* list 2 of 2 كيف تُجند إسرائيل خلايا نائمة في إيران دون علمها؟ end of list

وبينما يرى مؤيدو المشروع أنه يشكل درعا ضرورية لمواجهة "الأشكال الجديدة من معاداة السامية"، يحذر معارضوه من كونه "قنبلة موقوتة" تهدد حرية التعبير، في اصطفاف عابر للأيديولوجيات جمع فلاسفة يساريين ومحللين يمينيين على حد سواء.

خلفية القانون وزخم الشارع

يهدف مشروع قانون "يادن" إلى تعزيز مكافحة "الأشكال المتجددة للعنصرية ومعاداة السامية" عبر إدراج جرائم وخروقات متعلقة بالخطاب والتحريض، لا سيما ما يُعتبر تشجيعا على الكراهية ضد اليهود وربط ذلك بنقد إسرائيل وعدم الاعتراف بها كدولة.

ويقترح القانون توسيع نطاق العقوبات الجنائية للخطابات التي تُعد كراهية أو مساهمة في العنف أو التقليل من شأن، ويستند إلى تعريفات قانونية أوسع لاعتبار بعض أشكال نقد إسرائيل مدخلا لتحديد "معاداة السامية"، إذ يجرم عدم الاعتراف ببعض الدول كدولة مستقلة، مثل إسرائيل.

لكن مشروع القانون لم يمر مرورا عابرا، وفقا للونوفيل أوبس، بل فجّر حراكا مدنيا واسعا وغير مسبوق، وهو ما برز من خلال عريضة إلكترونية تجاوزت 670 ألف توقيع، لتصبح ثاني أكبر عريضة في تاريخ موقع الجمعية الوطنية الفرنسية، في مؤشر واضح على حجم القلق الشعبي.

وسلطت المجلة الضوء على المهندس الشاب ألكسندر بالاس، الذي أطلق هذه المبادرة، معتبرة أن المعارضة لا تعكس موقفا حزبيا ضيقا، بل تعبر عن قلق جيل كامل من الخلط بين نقد سياسات دولة ما وبين الكراهية العرقية.

المآخذ الفكرية والاجتماعية

في العمق الفلسفي، قدم ميديا بارت تشريحا نقديا لمخاطر القانون، مستندا إلى آراء مفكرين بارزين، في مقدمتهم الفيلسوف إتيان باليبار وعالم الاجتماع إريك فاسين.

إعلان

يرى باليبار أن القانون لا يحارب معاداة السامية بقدر ما يؤسس لـ"نظام عام" جديد قائم على الرقابة الفكرية، معتبرا إياه قانونا "قمعيا، وخطأ أخلاقيا، وخطأ سياسيا" لأنه يفرض وصاية على الهوية اليهودية ويربطها قسرا بسياسات إسرائيل.

ويذهب أبعد من ذلك، محذرا من أن هذا الربط يحول اليهود إلى "كتلة صماء" مسؤولة عن أفعال دولة أجنبية، وهو ما قد يغذي -للمفارقة- الخطاب المعادي للسامية بدلا من مكافحته.

كما ينتقد ما يعتبره "تجريما للبحث العلمي"، حيث إن استخدام مفاهيم فضفاضة مثل "الأشكال المتجددة لمعاداة السامية" قد يعرّض الباحثين للملاحقة القانونية، خاصة عند تناولهم قضايا مثل النكبة أو طبيعة النظام القانوني الإسرائيلي، مما يهدد استقلالية الجامعات.

ويحذر الفيلسوف أيضا من أن القانون يسعى إلى "تقديس" السياسات الإسرائيلية عبر إخراجها من دائرة النقد، في انحراف عن قيم التنوير التي تقوم على مساءلة جميع السلطات.

من جهته، يركز عالم الاجتماع إريك فاسين على البعد السياسي والقضائي، معتبرا أن القانون يمثل "رقابة استباقية" تهدف إلى منع استخدام توصيفات مثل " الفصل العنصري" أو " الإبادة الجماعية".

ويطرح فاسين فرضية مثيرة، مفادها أن هذا التشريع قد يكون محاولة استباقية لتجنب تداعيات أحكام دولية محتملة ضد إسرائيل، عبر جعل بعض التوصيفات غير قانونية قبل تثبيتها قضائيا.

فاسين: حذار من تكريس سوسيولوجيا الشك، حيث يصبح المتضامن مع القضية الفلسطينية موضع اشتباه دائم، في تحول من معاقبة الأفعال إلى معاقبة النيات

كما يحذر فاسين من تكريس ما سماه "سوسيولوجيا الشك"، حيث يصبح المتضامن مع القضية الفلسطينية موضع اشتباه دائم، في تحول من معاقبة الأفعال إلى معاقبة النيات.

ويشير أيضا إلى مفارقة لافتة، تتمثل في تقاطع هذا القانون مع مواقف اليمين المتطرف، مما قد يحول مكافحة العنصرية إلى أداة سياسية ظرفية بدلًا من كونها مبدأً ثابتا.

وينبه فاسين إلى مفارقة سوسيولوجية خطيرة؛ فالدولة عبر هذا القانون تتحالف مع اليمين المتطرف (الذي له تاريخ طويل من معاداة السامية الحقيقية) لمجرد أن هذا اليمين يدعم إسرائيل حالياً من منطلق كراهيته للعرب والمسلمين. يرى فاسين أن هذا "التحالف الانتهازي" يفرغ مكافحة العنصرية من معناها القيمي ويحولها إلى "أداة جيوسياسية".

التوتر الميداني والصدام الجامعي

وعلى الأرض، رصدت لوفيغارو انعكاسات هذا الجدل داخل الجامعات الفرنسية، حيث تحولت المؤسسات الأكاديمية إلى ساحات مواجهة مفتوحة.

فقد شهدت مؤسسات مثل سيانس بو والسوربون اقتحامات واعتصامات طلابية، رفعت خلالها شعارات حادة تنتقد ما وصفه المحتجون بـ"التواطؤ" مع سياسات إسرائيل.

وأبرزت الصحيفة حالة الاستقطاب الحاد، حيث اضطرت إدارات الجامعات إلى الاستعانة بقوات الأمن لفض الاعتصامات، في مشهد يعكس انتقال الصراع من المجال السياسي إلى الفضاء الأكاديمي.

مصدر الصورة يادان صاحبة مشروع القانون (الفرنسية)

نقد من داخل المعسكر المؤيد

ولم تقتصر انتقادات هذا القانون على اليسار، بل امتدت إلى اليمين الليبرالي، في موقف غير متوقع.

ففي مقال للمحلل السياسي سيمون موس، برزت تحذيرات من فخ قانوني قد ينقلب على المدافعين عن إسرائيل أنفسهم.

إعلان

إذ يرى موس، وهو ناشط في الدفاع عن إسرائيل وفرنسا والقيم الغربية، أن تجريم الدعوة إلى تدمير دولة معترف بها قد يُستخدم مستقبلًا ضد معارضي قيام دولة فلسطين، خاصة بعد اعتراف فرنسا بها، مما يفتح الباب لملاحقات قانونية معاكسة.

كما انتقد الناشط ما وصفه بازدواجية السلطة، متهما معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون بممارسة سياسة "التزامن الوقتي" عبر الجمع بين مواقف متناقضة.

مصدر الصورة باليبار: القانون يسعى إلى تقديس السياسات الإسرائيلية عبر إخراجها من دائرة النقد، في انحراف عن قيم التنوير (غيتي)

ويخلص موس إلى أن المقاربة الأمنية والقانونية وحدها غير كافية، مؤكدًا أن مواجهة الكراهية تتطلب معالجة جذورها الاجتماعية والثقافية، وليس الاكتفاء بتوسيع أدوات الرقابة.

ويمكن القول إن هذه التغطيات تكشف أن قانون يادان لم يعد مجرد مشروع تشريعي، بل تحول إلى مرآة تعكس توترا عميقا داخل المجتمع الفرنسي.

فبين هاجس مكافحة معاداة السامية، ومخاوف تقييد الحريات، يقف هذا القانون عند تقاطع حساس بين الأمن والحرية، في لحظة سياسية وفكرية قد تعيد تعريف حدود النقاش العام في فرنسا.

ويظهر هذا التقرير أن قانون يادان هو "مفترق طرق" خطير، فاليسار يخشى على حرية التعبير ويؤيد نصرة المظلومين، واليمين يخشى من ارتداد السلاح القانوني على مؤيدي إسرائيل أنفسهم، بينما تشتعل الجامعات في المنتصف، مما يجعل هذا القانون أحد أكثر النصوص إثارة للانقسام في تاريخ فرنسا الحديث.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا