في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2026، ومع دخول النزاع في السودان عامه الرابع، لم تعد خريطة البلاد كما كانت عند اندلاع الرصاصة الأولى.
فمنذ ذلك التاريخ في عام 2023، خضع الجسد السوداني لعملية جراحية قسرية أعادت رسم تضاريسه العمرانية والديمغرافية.
ومن علو مئات الكيلومترات، تكشف صور الأقمار الصناعية اليوم قصة بلد لا يعيش حربا واحدة، بل "حروبا متعددة" تختلف نتائجها باختلاف الجغرافيا والسيطرة الميدانية.
بينما ترصد العدسات الفضائية في الخرطوم والجزيرة ملامح "عودة خجولة" للحياة واستعادة للمرافق السيادية، فإنها في دارفور وكردفان توثق نمطا مغايرا تماما، حيث تتوسع عسكرة المنشآت المدنية وتتمدد مخيمات النزوح لتشكل "مدنا بديلة" من الخيام، في أكبر مأساة تهجير بشري يشهدها القرن الحادي والعشرون.
كانت العاصمة السودانية الخرطوم هي الضحية الأولى للدمار الممنهج، لكن صور الأقمار الصناعية الملتقطة في الربع الأول من عام 2026 تشير إلى تحول دراماتيكي في "قلب الدولة".
مطار الخرطوم الدولي، الذي ظل لعامين رمزا للشلل التام و"مقبرة" لحطام الطائرات المدنية، بدأ ينفض غبار المعارك.
وتظهر الصور الفضائية العالية الدقة عمليات تنظيف واسعة للمدارج، وإزالة لهياكل الطائرات المتفحمة، وتأهيل صالات الركاب.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن سيطرة الجيش على محيط المطار كله في مارس/آذار 2025 كانت نقطة التحول، ليتوج ذلك بهبوط أول رحلة مدنية في فبراير/شباط 2026.
هذه اللحظة، التي رصدتها الأقمار الصناعية عبر زيادة حركة الآليات الخدمية حول المهبط، لم تكن مجرد حدث تقني، بل إعلان سياسي عن استعادة "بوابة السودان" إلى العالم.
ولا يقتصر التعافي على المطار، فجسور العاصمة التي قطعت أوصالها في أعوام 2023 و2024، مثل جسر الحلفايا وشمبات، بدأت تستعيد وظيفتها.
صور "بلانيت" في أبريل/نيسان 2026 تظهر بوضوح فتح المسار الأيمن لجسر الحلفايا، وتدفقا تدريجيا للمركبات المدنية، مما يشير إلى نجاح الجهد الهندسي في إعادة ربط مدن العاصمة الثلاث، وهي خطوة إستراتيجية لكسر "الحصار الجغرافي" الذي فرضته الحرب.
مطار نيالا، أكبر مطارات الإقليم، تحول في ظل سيطرة قوات الدعم السريع إلى قاعدة إمداد حربية. تكشف الصور الملتقطة في أبريل 2026 عن ظهور "دشم عسكرية" ومخيمات مستحدثة داخل حرم المطار، مما يؤكد خروجه التام عن الوظيفة المدنية وتحوله إلى "منصة إسناد لوجستي" ومركز لإدارة العمليات في الإقليم.
أما في الفاشر، فإن صور الأقمار الصناعية تقدم دليلا بصريا على "موت المدينة" اقتصاديا. فبعد سقوطها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وثقت الصور خلو "السوق الكبير" من أي ملامح للنشاط البشري أو حركة للمركبات.
هذا الشلل ليس نتاجا للدمار المادي فحسب، بل هو انعكاس لعملية تهجير قسري واسعة أفرغت المدينة من سكانها، وهو ما يفسر اختفاء "بصمة الإضاءة الليلية" في المدينة بشكل شبه كامل في بيانات الاستشعار عن بعد لعام 2026.
هذا الإفراغ للمدن في الغرب والوسط أدى إلى نشوء "جغرافيا موازية" رصدتها الأقمار الصناعية بشكل واضح. فلم تعد المخيمات مجرد تجمعات صغيرة، بل أصبحت مراكز حضرية ضخمة تتوسع في الولايات الآمنة.
مخيم العفاض في الولاية الشمالية يمثل دليلا واضحا على حجم الكارثة. فمن أرض فضاء في سبتمبر/أيلول 2025، تحول موقع المخيم إلى تجمع يغطي أكثر من 644 ألف متر مربع بحلول أبريل/نيسان 2026.
كما أن مخيم الأبيض في شمال كردفان توسع بشكل كبير حول الميناء البري، بحسب ما كشفته صور الأقمار الصناعية، لتصل مساحته الإجمالية إلى ما يزيد على 518 ألف متر مربع.
الربط بين تدمير "سوق الفاشر" ونمو "مخيم العفاض" يشير إلى أن استهداف المدن كان يتبع نمطا تكتيكيا لإفراغها، وليس مجرد نيران عشوائية. الأقمار الصناعية هنا لا توثق الدمار فقط، بل توثق أيضا "مسارات النزوح" عبر تتبع التمدد العمراني المؤقت.
بعيدا عن جبهات القتال، تحمل بيانات صور الأقمار الصناعية مؤشرات إيجابية حذرة في ولاية الجزيرة.
فبعد عامين من الانهيار الزراعي بين 2024 و2025 نتيجة نهب الآليات وتعطيل منظومات الري، أظهر مؤشر الغطاء النباتي (NDVI) في يناير/كانون الثاني 2026 عودة اللون الأخضر لمساحات واسعة من المشروع الزراعي.
هذا "التعافي البيئي" تزامن مع استعادة الجيش السيطرة على الولاية وتأمين قنوات الري وبالتالي التعافي الزراعي.
ورغم أن هذا التعافي يظل هشا ومرتبطا باستدامة الأمن، فإنه يمثل مؤشرا مهما لتفادي أزمة غذائية أوسع، خاصة مع عودة جزئية للنشاط في الأسواق، مثل سوق بحري، حيث رصدت الصور عودة شاحنات النقل إلى مواقف المواصلات والأسواق.
لم تتوقف الحرب عند حدود السودان الإدارية، بل أوجدت نقاط ارتكاز خارجية رصدتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة.
ففي جنوب شرق ليبيا، كشفت الصور الفضائية عن نشوء "قاعدة صحراوية" مستحدثة تخدم قوات الدعم السريع.
ورصدت الصور نشاطا دوريا لشاحنات ثقيلة ومركبات رباعية الدفع منذ مارس/آذار 2025 وحتى مطلع 2026، مما يؤكد وجود خط إمداد لوجستي عابر للحدود يغذي العمليات العسكرية في دارفور، بعيدا عن رقابة السلطات المركزية السودانية.
ومن خلال هذا المشهد، يتضح أن الصراع في السودان لا يعيد رسم خطوط السيطرة العسكرية فقط، بل يعيد كذلك تشكيل الجغرافيا العمرانية والاقتصادية والإنسانية للبلاد.
ومن السماء تبدو هذه التحولات أكثر وضوحا، بلد يحاول بعض أجزائه استعادة الحياة، بينما تتسع في أجزاء أخرى دوائر النزوح والانكماش، في مشهد يلخص سودانا يتأرجح بين التعافي والتفكك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة