لا تشكل الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، مجرد مرجع تاريخي عملي لحرب استنزاف طويلة عاشها الشرق الأوسط في ثمانينات القرن الماضي، بل شكّلت نتائجها بنية تحتية لإيران التي نعرفها اليوم والتي تخوض كل من الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ضدها منذ نهاية شهر فبراير الماضي.
يخشى كثيرون ان تتحول الحرب الحالية إلى حرب استنزاف طويلة بدورها، ويجري استعادة حرب السنوات الثماني كمثال على قدرة إيران على خوض مثل هذه الحروب إذا فُرضت عليها.
هناك أوجه شبه كثيرة بين الصراع الحالي والحرب الإيرانية العراقية، كما تشرح لـ”الحرة” آني ترايسي صاموئيل، أستاذة التاريخ في جامعة تينيسي- تشاتانوغا. فعلى الرغم من أن هذه الحرب لا تصور بهذا الشكل خارج إيران، إلا أن الحرب الإيرانية العراقية كانت، بحسب صاموئيل في نواحٍ عديدة صراعا دوليا وليس إقليميا فحسب.
“ففي ذلك الوقت والآن، كانت إيران تقاتل تحالفا واسعا من الدول. وكما فعلت في الحرب الإيرانية العراقية، كان على إيران ابتكار طرق لمواصلة القتال ضد مجموعة من الخصوم الأقوى بكثير. وفي كلتا الحالتين، فعلت إيران ذلك من خلال ضرب ليس فقط خصمها (أو خصومها) الأساسيين، بل وأيضا الدول التي دعمتهم بنشاط”.
بعد مرور أربعة أسابيع على القتال الحالي، تصاعدت بالفعل تكاليف الحرب على الاقتصاد العالمي، ويتم الشعور بها (وسيستمر الشعور بها) في بلدان العالم لعدة أشهر إن لم يكن لسنوات قادمة، كما تقول صموئيل. ويبدو بحسب أستاذة التاريخ، أن الضغوط الاقتصادية التي خلفتها هذه التكاليف المتزايدة تشكل حافزا للأطراف المتحاربة لمحاولة منع الصراع من التحول إلى حرب استنزاف مطولة.
لكن ماذا عن الأسلوب الذي تعتمد عليه إيران في الحرب الحالية في المقارنة مع حربها مع عراق صدام حسين؟
من المهم الإشارة إلى أن تلك الحرب، خاضتها إيران بشكل أساسي بأسلحة أميركية كانت بحوزة الجيش الإيراني، حصل عليها في زمن الشاه. فبحسب كتاب “أميركا وإيران/ تاريخ منذ العام 1720 حتى اليوم” لجون غازفينيان، “قفزت مشتريات إيران السنوية من الأسلحة من الولايات المتحدة من 113 مليون دولار إلى ما يقرب من 400 مليون دولار في عام 1971، ثم إلى 2.2 مليار دولار في عام 1973، ثم إلى 4.4 مليار دولار في عام 1974. وفي الفترة من عام 1972 إلى عام 1977، أنفقت إيران ما مجموعه 16 مليار دولار (حوالي 70 مليار دولار بأسعار اليوم) لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة”.
هذه الأسلحة بمعظمها استولت عليها الثورة الإسلامية في إيران بعد توليها الحكم واستخدمتها في حربها مع صدام حسين. لكن اصطدمت إيران لاحقاً بعدم توفر قطع غيار للأسلحة الأميركية، بعد أن أعلن النظام الجديد منذ توليه السلطة صراحة عداءه لأميركا واحتل السفارة الأميركية واحتجز الديبلوماسيين الاميركيين رهائن، وقطع العلاقات الديبلوماسية والتجارية مع الولايات المتحدة.
أبعد من ذلك، يقول ريز إرليخ في كتابه “أجندة إيران اليوم”، إن الحكومة الدينية التي استولت على الحكم في إيران بعد الشاه، كانت في حاجة ماسّة إلى إعادة تنشيط ترسانتها. وكانت إسرائيل تملك معظم الأسلحة الأميركية ذاتها، كصواريخ TOW وHawk بالإضافة إلى قطع التبديل للطائرات الحربية”.
وينقل عن تقرير في أرشيف الأمن القومي الأميركي حول فضيحة إيران-كونترا، أن “إيران كانت تحتاج بشدة ما كان بإمكان إسرائيل تزويده… وطالما أن إسرائيل كانت تملك تلك الأسلحة في مستودعاتها، فإنها في غاية السعادة لتزويد إيران بها”. لكنه يشير إلى أن ما راهنت عليه إسرائيل تغير مع الوقت، وباتت إيران أكثر عداءً لإسرائيل من العراق.
استنزفت الحرب الجيشين الإيراني والعراقي على السواء. بعد هذه الحرب، قررت إيران تعزيز حضورها العسكري الخارجي عبر تأسيس “فيلق القدس”(التابع للحرس الثوري)، وعبر تسليح وتمويل ميليشيات تابعة لها في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطاع غزة، بالإضافة إلى نشاطات لفيلق القدس في تمويل وتدريب جماعات شيعية في الجارة أفغانستان.
تشرح صموئيل، انه في كل من الحرب الإيرانية العراقية وفي الصراع الحالي، دمج جميع المتحاربين أساليب الحرب التقليدية مع مجموعة من الأدوات والتكتيكات غير المتماثلة وغير العسكرية. ففي الحرب الحالية، استخدمت إيران، على سبيل المثال، حليفها “حزب الله” في لبنان لفتح جبهة أخرى ضد إسرائيل؛ بينما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على البنية التحتية الاقتصادية لإيران ودرسوا دعم القوات الكردية لحمل السلاح ضد الجمهورية الإسلامية.
بهذا المعنى، تقول صموئيل، فإن “كلا الجانبين يعملان خارج ما قد نعتبره أعرافا عسكرية تقليدية للدول، ولكن في هذه المرحلة من القرن الحادي والعشرين، أثبتت هذه الأعراف أن لها قابلية تطبيق محدودة فقط على الحروب الحديثة”.
كانت إيران تمتلك، بحسب محمد رمضان أبو شعيشع في كتابه “إيران.. تركيا.. إسرائيل وصراع القوى في الشرق الأوسط”، قدرات عسكرية لا يستهان بها كقوة إقليمية في المنطقة، حيث تتكون القوات المسلحة الإيرانية من بنيتين رئيسيتين هما الجيش النظامي الإيراني والحرس الثوري. وقد بلغ العدد الإجمالي للقوات المسلحة الإيرانية وفقا لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (2017) نحو 545 ألف جندي وقواته الإحتياطية حوالي 350 ألف فرد، كما جاء في الكتاب. وبحسب أبو شعيشع فإن حجم الواردات العسكرية الإيرانية ترتكز بشكل اساسي على الجانب الروسي، كما لدى إيران سبع مجموعات صناعية تنتج الأسلحة والمعدّات والذخيرة وتعمل على تطوير الأسلحة وصيانة المعدات للجيش الإيراني وللحرس الثوري على حدّ سواء.
ومع ذلك، فإن الجيش الإيراني النظامي لم يختبر في حروب مباشرة إلا مرة واحدة في حربه الطويلة مع العراق، ولن يكون متاحا اختبار هذا الجيش مجدداً، إلا في حال حصول اجتياح بري للأراضي الإيرانية من الولايات المتحدة او إسرائيل، خصوصاً أن القصف المركز الأميركي- الإسرائيلي دمّر الكثير من البنية التحتية العسكرية الإيرانية، التي ذكرها رمضان في كتابه، بما في ذلك سلاح الطيران والبحرية، وتعتمد إيران بشكل أساسي في دفاعها على استراتيجية هجومية “توريطية” بالمسيرات والصواريخ الباليستية تضرب بها إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأميركية فيها، ويبدو لافتاً غياب الجيش الإيراني بشكل فاعل عن المواجهة وتصدّر الحرس الثوري للمشهد.
وكما هي الحال اليوم، ساهمت الحرب العراقية الإيرانية في الانتقال بالعلاقة بين العراق ودول الخليج إلى وضع أكثر توتراً، عندما طالت نار الحرب دول مجلس التعاون الخليجي، كما يشرح الباحث في الجماعات الإسلامية أحمد الباز في كتابه “الثورة والحرب: تشكيل العلاقات الإيرانية الخليجية”. يقول الباز: “تعمدت ايران معاقبة دول المجلس لتقديمها يد العون للعراق، وكانت أكثر مراحل هذه الحرب سخونة هي ما عرفت بحرب الناقلات التي فتحت الباب للتدخل الأميركي في الخليج جراء استدعاء دول المجلس عموماً والكويت خصوصاً للحماية الأميركية من الإعتداءات الإيرانية فيما عُرف بسياسية رفع الأعلام”.
كانت الحرب العراقية- الإيرانية، بحسب الباز، من أهم الدلائل على عدم القبول الإقليمي للحالة الإيرانية الثورية، وذلك عندما وقفت غالبية دول المنطقة مع العراق ضد إيران خصوصاً عندما طال أمد هذه الحرب وتفاقمت نسبة الخسائر.
انهك الصراع كلا الطرفين، الأمر الذي دفع بقيادات كل منهما للبحث عن سبل التهدئة.
بدأت هذه المحاولات في منتصف الثمانينات عندما شعرت إيران بأن الدائرة تضيق من حولها جراء ضغط الحرب، بالإضافة إلى استياء دول مجلس التعاون الخليجي بعد محاولات إيران التدخل في شؤون دول الخليج الداخلية، واستخدام شيعة الخليج كأدوات لهذا التدخل. وهذا الأمر يتكرر اليوم مع الكشف عن خلايا لـ”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني تعمل داخل دول الخليج.
كانت الحرب الطويلة والمكلفة مع العراق في بداية حياة الجمهورية الإسلامية الايرانية العامل الرئيس في تعديل مقاربة إيران لمسألة الأمن القومي منذ ذلك الحين، بحسب الباحث شاهران تشوبين في كتابه “طموحات إيران النووية”.
فالإيرانيون عند إعادة النظر في تلك الحرب، “ازدادوا يقيناً من عداء العالم الخارجي تجاه الثورة الاسلامية”، كما يشرح تشوبين. ويتابع: “ترسخت الثورة خلال الحرب من خلال الشهادة والوحدة بين الإيرانيين، ولهذا السبب فهي تعتبر مرحلة ذهبية وملحمة ينبغى أن تلهم كل السياسات اللاحقة. والحرب مع العراق كانت بمثابة إنذار وعبرة في آن معاً. فالإيرانيون الذين تفاجأوا من هجوم العراق، قرروا بألا يؤخذوا على حين غرة ثانية أبداً”.
أما العبرة الأكثر أهمية، التي استخلصها الإيرانيون من تلك الحرب، بحسب تشوبين، فهي أن “الاعتماد على القوات العسكرية التقليدية من أجل الردع أقل فاعلية من الاعتماد على الأسلحة النووية”.
من هنا يرى تشوبين أن إيران أعادت النظر في عقيدتها العسكرية التقليدية، وركّزت من جهة على أذرعها الخارجية، ومن جهة ثانية على تطوير منظونتها الصاروخية ومشروعها النووي.
المصدر:
الحرة