في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في مستهل عامه الثاني من الولاية الثانية، أزمة سياسية متصاعدة، حيث كشفت سلسلة من استطلاعات الرأي والتحركات الميدانية عن تآكل حاد في القواعد الانتخابية التي كانت حجر الزاوية في انتصاره عام 2024.
وبينما تغص شوارع المدن الأمريكية باحتجاجات هي الأضخم منذ عقود، تشير البيانات إلى أن التحالف الانتخابي الذي ضم الشباب واللاتينيين والناخبين القلقين اقتصاديا بدأ يتفكك تحت وطأة التورط العسكري في إيران والضغوط المعيشية الخانقة، مما يضع الحزب الجمهوري أمام سيناريوهات قاتمة قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
هذه التطورات في الداخل الأمريكي حظيت باهتمام كبريات الصحف في الولايات المتحدة، من بينها نيوزويك ولوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست.
الصدمة الحقيقية تكمن في الفئة العمرية ما بين 18 و29 عاما، التي ساهمت بشكل حاسم في ترجيح كفة ترمب في الانتخابات الأخيرة، حيث أعرب 70.5% منهم عن "معارضة شديدة" لنهجه السياسي
ووفق تقرير نشرته مجلة نيوزويك للصحفي هيو كاميرون، لم تكن نتائج استطلاع الرأي الأخير الذي أجرته مؤسسة "كوانتوس إنسايتس" مجرد أرقام عابرة، بل حملت دلالات عميقة على تحول جذري في مزاج الناخبين.
فقد استقر معدل الرضا العام عن أداء الرئيس عند 42.2%، في حين قفزت نسبة عدم الرضا إلى 56.6%.
غير أن الصدمة الحقيقية -كما يفيد التقرير- تكمن في الفئة العمرية ما بين 18 و29 عاما، التي ساهمت بشكل حاسم في ترجيح كفة ترمب في الانتخابات الأخيرة، إذ أعرب 70.5% من هؤلاء الشباب عن "معارضة شديدة" لنهجه السياسي، مقابل نسبة ضئيلة لا تتجاوز 20% ممن لا يزالون يدعمونه.
ويشير كاميرون إلى أن هذا الانقلاب في المواقف يعود إلى شعور متزايد بالخذلان، خاصة أن هؤلاء الناخبين، وتحديدا من جيل زد -وهم من الشباب الذين وُلِدوا ما بين عامي 1997 و2012- الذين كانوا قد راهنوا على وعود ترمب بإنهاء النزاعات الخارجية والتركيز على الازدهار الداخلي.
ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبه الناخبون الشباب، لا سيما الرجال منهم، في فوز ترمب عام 2024، إذ أظهرت بيانات نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال ومركز بيو تحولا ملحوظا في توجهاتهم السياسية آنذاك.
غير أن مجلة نيوزويك ترى أن هذا الزخم يتآكل سريعا على ما يبدو، وسط مخاوف اقتصادية متزايدة وتنامي القلق الشعبي من انخراط الولايات المتحدة في الحرب على إيران.
%47 أشاروا إلى أنهم سيصوتون لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي إذا أُجريت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الآن
وتعكس نتائج استطلاع كوانتوس إنسايتس -الذي شمل 1472 ناخبا- حالة تشاؤم واسعة، إذ رأى 60.2% من المشاركين أن البلاد تسير في "الاتجاه الخطأ".
كما أشار 47% إلى أنهم سيصوتون لصالح مرشحي الحزب الديمقراطي إذا أُجريت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الآن، مقابل 41.3% فقط للجمهوريين، مما يعكس ميل الناخبين المبكر لصالح المعارضة، بحسب نيوزويك.
ونقلت المجلة عن تقرير لشركة كوانتوس إنسايتس القول إن "المزاج العام القاتم، وموقف الرئيس الضعيف، وميل الناخبين نحو المعارضة، ربما تكون مؤشرات لخريطة مبكرة لمعركة انتخابات التجديد النصفي المقبلة".
في سياق متصل، سلطت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الضوء على التراجع القياسي لشعبية ترمب بين الناخبين اللاتينيين، الذين شكلوا أحد أبرز مفاجآت انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2024 حيث منحوه دعما غير مسبوق بلغ نحو 48%.
وللدلالة على هذا التراجع، استشهدت الصحيفة بتحليل نشرته مجلة إيكونوميست البريطانية، أفاد بأن هذه النسبة هوت بشكل دراماتيكي إلى 22% فقط بحلول مارس/آذار الجاري.
كما أظهر استطلاع -أجرته وكالة رويترز بالتعاون مع مؤسسة إيبسوس- أن التأييد العام للرئيس ترمب بلغ 36%، وهو أدنى مستوى له خلال ولايته الثانية، مقابل 62% من المعارضين.
ويربط محللون هذا التحول أساسا بالوضع الاقتصادي، إذ وصف الخبير الإستراتيجي الجمهوري المخضرم، مايك مدريد، اللاتينيين بأنهم "الناخبون المتأرجحون الحقيقيون في أمريكا".
ونقلت عنه لوس أنجلوس تايمز القول أيضا إن "الأمر يتعلق إلى حد كبير بالاقتصاد والقدرة على تحمل التكاليف"، مشيرا إلى أن "هذه الفئة نأت بنفسها عن الرئيس السابق جو بايدن ونائبته كامالا هاريس للأسباب نفسها التي تدفعها الآن للابتعاد عن ترمب".
تشير المعطيات تشير إلى تراجع الدعم لترمب في ملفات رئيسية، بينها الاقتصاد والهجرة، إذ انخفضت نسبة التأييد لأدائه في ملف الهجرة من نحو 45% أواخر 2025 إلى 39% في فبراير/شباط الماضي
وتلفت الصحيفة إلى أن البيانات تظهر أن قضايا مثل التضخم وتكاليف المعيشة تتصدر أولويات الناخبين اللاتينيين، متقدمة بفارق كبير على ملف الهجرة. وفي هذا السياق، قال مدريد إن "الهجرة ليست حتى ضمن أول 5 قضايا لدى الناخبين اللاتينيين".
كما تشير المعطيات إلى تراجع الدعم لترمب في ملفات رئيسية، بينها الاقتصاد والهجرة، إذ انخفضت نسبة التأييد لأدائه في ملف الهجرة من نحو 45% أواخر 2025 إلى 39% في فبراير/شباط الماضي، وفق رويترز.
أما في الاقتصاد، فلم تتجاوز نسبة الرضا عن أدائه ربع المستطلعين، في ظل ارتفاع أسعار الوقود بأكثر من دولار للغالون منذ اندلاع الحرب في إيران.
هذا التحول لا يقلق البيت الأبيض فحسب، بل يمتد أثره -كما تعتقد لوس أنجلوس تايمز- إلى الدوائر الانتخابية الحرجة، حيث يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا، مات باريتو، أن هناك أكثر من 40 دائرة انتخابية قد تُحسم نتائجها بناء على هذا التراجع في دعم اللاتينيين للجمهوريين، مما قد يكلف الحزب أغلبيته البرلمانية ويفتح الباب أمام إجراءات عزل جديدة ضد الرئيس.
لا يقتصر هذا التراجع على المؤشرات الرقمية، بل يتجلى أيضا في الشارع الأمريكي.
فقد شهدت البلاد السبت الماضي، بحسب تقرير أعده 4 من مراسلي صحيفة واشنطن بوست، موجة احتجاجات واسعة ضمن حركة "لا ملوك" شملت أكثر من 3300 فعالية في جميع الولايات الأمريكية الـ50، في واحدة من أكبر الحشود الشعبية في السنوات الأخيرة.
وأوضحت الصحيفة -في تقريرها- أن هذه الحركة، التي انطلقت للتعبير عن رفض ما يصفه منظموها بـ"النزعات الاستبدادية" للإدارة الحالية، شهدت مشاركة ملايين الأمريكيين الذين نددوا بتجاوز الصلاحيات التنفيذية وتهميش القيم الديمقراطية.
وذكرت أن المحتجين أعربوا عن غضبهم من سياسات الهجرة، وتراجع حقوق الإجهاض، إضافة إلى الحرب في إيران.
عناصر رئيسية من حركة "ماغا" المؤيدة لترمب بدأت تتخلى عن تضامنها السابق معه
وتزامنت هذه الاحتجاجات مع تراجع شعبية ترمب إلى أدنى مستوياتها، حتى بين بعض قواعده التقليدية.
وأشار التقرير إلى أن عناصر رئيسية من حركة "ماغا" المؤيدة للرئيس بدأت تتخلى عن تضامنها السابق معه، مدفوعة بالاستياء من الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية.
كذلك برزت انقسامات داخل المعسكر المحافظ نفسه، حيث انتقدت شخصيات إعلامية بارزة -مثل ميغن كيلي- السياسات الخارجية للإدارة، معتبرة أنها تمثل "خيانة لوعود الحملة الانتخابية"، في حين أعرب آخرون كالإعلامي الشهير تاكر كارلسون والمذيعة كانديس أوينز عن معارضتهم للتدخل في إيران.
وتنوعت جغرافيا الاحتجاجات من المدن الليبرالية التقليدية إلى القلاع المحافظة التي صوتت لترمب في 3 دورات متتالية. ففي مقاطعة "غلينز فولز" بنيويورك، شارك المئات في هتافات غاضبة ضد السياسات الحالية.
وفي الوقت ذاته، شهدت العاصمة واشنطن مسيرات جابت المعالم التي يسعى ترمب لتحويلها عبر قرارات تنفيذية، مثل بناء "أقواس ضخمة" أو إنشاء "حديقة الأبطال الوطنيين" على حساب معالم تاريخية.
وفي مينيسوتا، تحول التجمع إلى تظاهرة فنية وسياسية كبرى شارك فيها الفنان بروس سبرينغستين، الذي غنى للتنديد بمقتل مدنيين على يد عملاء وزارة الأمن الداخلي، معتبرا أن ما يحدث هو استخدام "جيش خاص" لفرض إرادة الرئيس.
ووفقا لواشنطن بوست، انتقد بعض الجمهوريين حركة "لا ملوك" واعتبروها غير فعّالة ومنفصلة عن الواقع، إذ سبق أن وصف ترمب هذه المسيرات بأنها "مزحة" يشارك فيها "أشخاص مختلّون".
حركة "لا ملوك" لم تقف عند حدود الولايات المتحدة، بل امتدت -كما تقول واشنطن بوست- إلى العالم، حيث نُظّمت تجمعات يوم السبت في ما لا يقل عن 15 دولة أخرى
ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أنه من غير الواضح إذا ما كان هذا الحراك سينعكس على نتائج صناديق الاقتراع. فالتوسع في الاحتجاجات لا يضمن تحقيق مكاسب سياسية، كما تُظهر التجربة المعقدة لتاريخ الحركات الاحتجاجية في البلاد.
لكن الصحيفة تستدرك قائلة إن مظاهر المقاومة في المدن ذات الأغلبية الديمقراطية ومعاقل الجمهوريين -من ألاسكا مرورا بولايات الوسط وصولا إلى مجتمعات قريبة من منتجع مارالاغو الخاص بترمب في ولاية فلوريدا– تُعدّ دليلا، بالنسبة للمشاركين في الاحتجاجات، على أن الديمقراطية لا تزال حيّة وقوية حتى في ظل رئيس يهاجمونه ويرون أنه ينصّب نفسه ملكا.
على أن حركة "لا ملوك" لم تقف عند حدود الولايات المتحدة، بل امتدت -كما تقول واشنطن بوست- إلى العالم، حيث نُظّمت تجمعات يوم السبت في ما لا يقل عن 15 دولة أخرى.
وقد عبّر فيها جزء كبير من المجتمع الدولي عن مخاوف من أن حرب ترمب قد تتصاعد إلى نزاع أوسع وأكثر دموية. وتجمع متظاهرون في روما وباريس ومدريد وأمستردام وسيدني وطوكيو، إلى جانب مدن كبرى أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة