من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل بعد مرور شهر على العدوان الذي قامتا به ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وقد اندفعتا إليه بقوة مفرطة، تعيشان اليوم نوعا من خيبة الأمل بشأن قوتهما، وفي الوقت نفسه لا تخفيان دهشتهما من أداء إيران وفي قدرتها على الصمود، ومواصلة الحرب، بل وحتى في مرحلة ما السيطرة على مجرياتها.
ترمب: "لم نكن نتوقع هذا القدر"
في تركيا نقول في مثل هذه الحالات: "خذ الخبر من الطفل"، لأن الطفل يتكلم بلا حساب ولا تخطيط فيكشف الحقائق.
وفي مثل هذا الوضع يمكننا الآن أن نقول: "خذ الخبر من ترمب". ليس لأنه يمتلك براءة الطفل، بل لأنه يُفرط في الكلام ويسترسل فيه دون حساب. فهو أحيانا يكشف أسرار الدولة، ومعارفها، ولا وعيها ووعيها، وهو يتباهى أو يفاخر أو حتى يشكو، وهذا أسلوبه المعروف.
وقد سمعنا بالفعل، وسط كثير من الكلام، اعترافات في هذا الاتجاه: لم نكن نتوقع هذا القدر، لا من إيران ولا من أنفسنا.
يبدو أن هناك الكثير مما لم يتوقعوه بعد، ولكن لا ينبغي أن نبالغ في القول؛ فربما يكون هناك أيضا ما لم نتوقعه نحن.
لم نتمكن حتى الآن من فهم منطق هذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي. ففي كل خطوة تظهر معلومات، وحصيلة، وحسابات مختلفة.
فهل كان إغلاق مضيق هرمز بعد فنزويلا أمرا غير متوقع مثلا، أم إنه خطوة كانت محسوبة أصلا؛ لمنع الصين من تأمين إمدادات النفط؟ وبالتالي، هل كان الهدف الحقيقي من الهجوم على فنزويلا وإيران هو الصين؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تفعله إسرائيل في هذه الحرب؟ وهل طموحاتها الصهيونية اللاهوتية السياسية ليست سوى أداة في صراع الولايات المتحدة مع الصين؟
هذه أسئلة جدية بطبيعة الحال. وهي ليست من الأسئلة التي يمكن حلها بالاعتماد على نظرية واحدة والتمسك بها حتى النهاية. ففي كل مرحلة قد تظهر تطورات تضع كل نظرية على المحك. إنها قصة حجر ألقاه مغامر، ولا يستطيع ألف عاقل إخراجه.
الحسابات العسكرية ومقاومة الواقع
إن دخول واشنطن هذه الحرب باتباع خط نتنياهو قُدم في البداية كضربة استباقية منطقية عسكريا، لكن ما وصلنا إليه اليوم يعزز احتمال كونه خطأ إستراتيجيا كبيرا.
لأن الفرضية الأساسية في بداية الحرب كانت أن الضربات التي تستهدف القيادة العليا ستؤدي بسرعة إلى شل قدرة إيران على اتخاذ القرار العسكري، وإحداث حالة من الذعر والانهيار داخل النظام، وأن الضربات الجوية المكثفة ستعطل قدرات الصواريخ والطائرات المسيرة خلال أسابيع قليلة.
غير أن ما يظهر اليوم هو أن هذه الأهداف تحققت بشكل محدود فقط. فبحسب تقديرات استخباراتية مختلفة، لم يتم تدمير سوى نحو ثلث مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة بشكل كامل، بينما بقي جزء مهم منها متضررا، أو مخفيا، أو منقولا إلى منشآت تحت الأرض.
وهذا يدل على أن التخطيط العسكري الأولي قد قلل من شأن الطبيعة الموزعة والمرنة لقدرات إيران العسكرية المدفونة تحت الأرض.
أما فيما يتعلق بردود الفعل الإيرانية، فمن الصعب القول إن واشنطن وتل أبيب قد توقعتا جميع النتائج. إذ لم تُشل قدرة إيران على الرد بشكل كامل، بل على العكس، كلما طال أمد الحرب زادت قدرتها على استخدام أدوات "التمدد غير المتكافئ" بشكل أكثر فاعلية. وكان الضغط على البنية التحتية في الخليج، وعلى القواعد العسكرية، وعلى طرق التجارة البحرية مثالا واضحا على ذلك.
كما أن دخول الحوثيين في اليمن إلى ساحة الحرب فعليا أظهر أن الصراع لن يبقى محصورا في مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة، بل قد يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب. ويمكن اعتبار هذا التوسع أحد أهم التطورات غير المتوقعة التي ضاعفت كلفة الحرب.
فإذا كانت حرب ما قد بدأت بهدف شل القدرة المركزية للخصم، لكنها أدت إلى فتح جبهات جديدة ومجالات ضغط إضافية، فإن ادعاء النجاح العسكري يصبح بالضرورة موضع شك.
فإلى أي مدى أضعفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بما في ذلك اغتيال القيادة العليا، القدرات العسكرية الإيرانية؟
الجواب الصادق ينبغي أن يكون: إلى حد مهم، لكن غير حاسم.
فالضربات التي استهدفت القيادة العليا ومراكز القرار الإستراتيجي أحدثت هزة كبيرة، خصوصا في الأسابيع الأولى.
وتشير بيانات المراقبة الميدانية والتقارير القادمة من الداخل الإيراني إلى خسائر بشرية كبيرة، ودمار واسع في البنية التحتية، وضغوط على آليات الحكم. لكن هذه البيانات نفسها تظهر أن النظام لم يتفكك، بل تمكن من تنظيم مظاهرات مؤيدة واسعة، وأن جهاز الدولة لم يتآكل رغم فقدان بعض القيادات، ولم يحدث انهيار داخلي كبير.
ولذلك فإن توقع "الوصول إلى عتبة تغيير النظام" يبدو أنه قد تبخر إلى حد كبير. أي إن إسرائيل والولايات المتحدة قد أصابتا إيران، لكنهما لم تتمكنا من شلها.
والنتيجة السياسية لهذا الأمر أكثر أهمية. إذ إن ردود الفعل الإيرانية تجاه الخليج ومحيطها الإقليمي قد تعمق أزمة ثقة جديدة على المدى الطويل.
فمن جهة، تتحسب دول الخليج من أن تصبح إيران أكثر عدوانية تحت ضغط الحرب، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول أراضيها وبنيتها التحتية للطاقة إلى أهداف مباشرة في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية. وهذه المخاطر المزدوجة تدفع العواصم الخليجية إلى اتخاذ مواقف متوازنة من الصراع حتى لا تتسع دائرته أو تنزلق إليه.
وفي هذا السياق، فإن الحراك الدبلوماسي الجديد الذي يضم السعودية، وتركيا، ومصر، وباكستان ينبع من هذا الشعور المشترك بالانكشاف. فالبحث عن إطار لا يقوم على محاصرة إيران بالكامل، بل على إدارة الحرب ضمن حدود يمكن التحكم بها، أصبح أكثر وضوحا.
ولذلك تكتسب منصة الحوار الرباعي التي ستستضيفها باكستان أهمية خاصة، إذ يمكن النظر إليها كمحاولة لبناء آلية إقليمية لإدارة الأزمات، في مقابل النظام الأمني التقليدي ذي الطابع الغربي.
صدمة الطاقة وحدود تحمل واشنطن
أما على الصعيد الاقتصادي، فالسؤال واضح: إلى متى يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل هذه "الصدمة الكبرى في الطاقة" الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط؟
الجواب المختصر: يمكنه الصمود لفترة، لكن الكلفة تتراكم بسرعة.
فمضيق هرمز يمثل نقطة عبور لما يقارب خُمس تدفقات النفط العالمية، وأي تعطل طويل فيه يرفع ليس فقط أسعار النفط، بل أيضا تكاليف الغاز المسال والأسمدة والنقل البحري والتأمين.
وفي الولايات المتحدة، فإن اقتراب أسعار البنزين من عتبة نفسية تبلغ 4 دولارات للغالون، إلى جانب الضغط الكبير على قطاع النقل بسبب ارتفاع أسعار الديزل، يشير إلى أن آثار الصدمة قد وصلت إلى المستهلك مباشرة.
كما يحذر مسؤولو الاحتياطي الفدرالي من أن الحرب قد تضر بتوقعات التضخم وسوق العمل، وهو ما يعني أن هذه الحرب لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل أصبحت عاملا يعزز مخاطر الركود العالمي.
وهنا يبدأ حد التحمل السياسي الداخلي في واشنطن. فالحكومات الأمريكية قد تبرر الحروب الخارجية بخطاب الأمن العالمي والردع، لكن الناخب يقيس الأمر من خلال السعر الذي يدفعه في محطة الوقود.
فارتفاع أسعار الطاقة بشكل مستمر، وتسارع التضخم، وزيادة تكاليف النقل بشكل متسلسل، كلها عوامل تزيد الضغط على البيت الأبيض. خصوصا أن حساسية الطبقات المتوسطة والدنيا تجاه أسعار الطاقة مرتفعة جدا.
ولذلك فإن حد التحمل الاقتصادي الداخلي لا يقل أهمية عن حد التحمل العسكري. وإذا استمر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وواصلت الأسعار ارتفاعها لعدة أشهر، فإن شرعية الحرب داخليا ستبدأ بالتآكل، مهما كانت نتائجها العسكرية الجزئية.
إستراتيجية تركيا: منع الحرب المذهبية واحتواء التوسع
في ظل هذا المشهد، تتخذ تركيا مسارا مختلفا. فهدف أنقرة الأساسي هو منع تحول الحرب إلى صراع مذهبي، والعمل على خفض التصعيد، وبناء أمن إقليمي قائم على التشاور بين الدول الإسلامية.
تركيا ترفض إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية، وتعارض توسيع الحرب بشكل غير منضبط من قبل إيران. وكما أكد وزير الخارجية هاكان فيدان، فإن هناك حاجة إلى تنسيق إقليمي لمواجهة إستراتيجية إسرائيل التي تسعى إلى جر الدول الإسلامية إلى صراع طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، فإن الخط الدبلوماسي الجديد الذي يجمع تركيا، ومصر، والسعودية، وباكستان، والذي تستضيفه إسلام آباد، يعكس هذه الحاجة.
وهو لا يقوم على تحالف عسكري، بل على إدارة الأزمات، والوساطة، وأمن الطاقة، وفتح قنوات للحوار الإقليمي. أي إن الهدف ليس إنشاء محور حرب جديد، بل بناء "آلية توازن رباعية" تمنع اتساع الحرب.
واليوم، وبعد مرور شهر على هذه الحرب، يمكن القول إن واشنطن، باتباعها إستراتيجية نتنياهو، قد بنت حساباتها على توقعات عسكرية مبالغ فيها، وعلى تقدير سياسي ناقص للتكاليف.
فقد تلقت إيران ضربات قاسية لكنها لم تنهر، ولم تبقَ الحرب ضمن نطاق ضيق، وتحولت صدمة الطاقة إلى ضغط اقتصادي عالمي، بينما بدأت القوى الإقليمية تبحث عن مسارات دبلوماسية جديدة.
ولهذا، إذا كانت الحرب قد بدأت بمنطق "قصير وحاسم"، فإن الواقع الذي نعيشه اليوم هو صراع طويل، متشعب، ومتزايد الكلفة.
ومن الآن فصاعدا، لم يعد السؤال هو: من ضرب أكثر؟
بل: من يستطيع إيقاف هذا الحريق قبل أن يتحول إلى انهيار إقليمي شامل؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة