في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يواجه الموقف الأوروبي من الحرب الدائرة على إيران تناقضات عميقة بين الرفض العلني للانخراط العسكري المباشر والمصالح الحيوية المهدَدة في منطقة الخليج، فبينما تؤكد القيادات الأوروبية أن "الحرب ليست شأنا أوروبيا"، وأن فرصة انضمام حلف شمال الأطلسي ( الناتو) إليها "تتراوح بين ضئيلة وغير موجودة"، تذهب آراء أخرى إلى وجود مشاركة "خلف الكواليس" من دول أوروبية عدة.
وفي الوقت نفسه، تجد دول نفسها منجرفة تدريجيا إلى الصراع رغم ترددها الأولي، بسبب مصالحها العميقة ووجود مئات الآلاف من مواطنيها في دول الخليج، ويزيد من تعقيد المشهد افتقار الإستراتيجية الأمريكية للوضوح والتماسك، مما يثير قلقا عميقا لدى الحلفاء الأوروبيين التقليديين، حسب ما ذهب إليه محللون في تصريحات متفرقة للجزيرة.
وقال المحللون إن الدول الأوروبية تعتقد أن الحرب خاطئة وتُدار لأسباب غير صحيحة وغير ضرورية، خاصة أن واشنطن بدأتها بحليف، ومن المتأخر الآن طلب إذن من دول أخرى للانضمام إليها. وأشاروا إلى أن هناك دولا أوروبية عديدة تساعد بالفعل خلف الكواليس رغم ترددها العلني، كما يظهر في تعزيز فرنسا والناتو لأنظمة الدفاع في تركيا.
وخلال الأيام الماضية، رفض عدد من القادة الأوروبيين الانخراط المباشر في الحرب على إيران منذ بدايتها، لكن الانزعاج الأمريكي من موقف الحلفاء الأوروبيين برز بوضوح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شن هجوما لاذعا على قادة أوروبيين في بداية الحرب، متهما إياهم بالتقصير في دعم الولايات المتحدة
وبدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وأودت حتى الآن بحياة مئات الأشخاص بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون رفيعو المستوى، وردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل واستهداف ما تصفها بمصالح أمريكية في دول المنطقة، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بمنشآت مدنية في دول الخليج العربي.
تتلاشى الآمال الأمريكية بحشد تحالف واسع من دول الناتو للمشاركة في الحرب على إيران أمام الواقع السياسي الأوروبي المعقد، فالضابط الأمريكي السابق هارلان أولمان يؤكد بوضوح أن "احتمالية انضمام حلف الناتو إلى أي نوع من العمليات المرافقة تتراوح بين ضئيلة وغير موجودة"، مشيرا إلى أن المادة الخامسة من ميثاق الحلف تنص على الدفاع المشترك في حالة تعرض أحد الأعضاء لهجوم، وفي حالة الحرب على إيران "لم يتعرض الناتو لهجوم في هذا الوضع المحدد".
ويذهب أولمان -في تصريحه للجزيرة- إلى أبعد من ذلك، موضحا أن بعض الدول الأوروبية تعتقد أن "الحرب خاطئة، وتُدار لأسباب غير صحيحة، وهي غير ضرورية"، لافتا إلى أن واشنطن بدأت الحرب بحليف واحد هو إسرائيل، "ومن المتأخر قليلا طلب إذن من دول أخرى للانضمام إليها".
وحذر العسكري الأمريكي من أن "استخدام القوة العسكرية لن يحظى بدعم العديد من الحلفاء إلى جانب الولايات المتحدة". ويشدد على أن فتح مضيق هرمز عسكريا يعد "عملية صعبة للغاية".
ويفسر مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني والخبير في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الدولية كريس دويل التردد البريطاني الأولي ثم الدخول تدريجيا إلى الصراع، بأنه نتيجة "المصالح البريطانية العميقة في الخليج".
ويشير دويل -للجزيرة- إلى أن بريطانيا لديها "240 ألف مواطن بريطاني يعيشون في الإمارات وحدها قبل الحرب، بالإضافة إلى قواعد عسكرية وحلفاء مقربين"، مما جعل من "الصعب جدا في البداية أن تقول لا للولايات المتحدة".
لكن دويل يعود ويشدد على أن "بريطانيا ليست متحمسة للحرب كما كانت عام 2003″، مؤكدا أن رئيس الوزراء كير ستارمر "يتصرف بحذر شديد ولا يريد التورط بشكل أعمق، ويفضل المفاوضات ورؤية مضيق هرمز مفتوحا".
ويكشف مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني عن قلق بريطاني عميق من "الافتقار الكامل إلى الإستراتيجية" الأمريكية في هذه الحرب، حيث "نسمع وجهات نظر متباينة من الرئيس ترمب (تصعيد، وتهدئة، وحديث، ولا حديث) مما يثير قلق الحلفاء التقليديين".
في المقابل الصورة السابقة، ترسم الأكاديمية والباحثة في العلوم السياسية بجامعة طهران زهرة خرازمي صورة مغايرة لطبيعة الموقف الأوروبي، مؤكدة أن "العديد من الدول الأوروبية تساعد بالفعل خلف الكواليس"، رغم إظهارها "التردد في الانضمام إلى المشهد في الخطاب العلني". وتشير إلى أن "فرنسا والناتو يعززان أنظمة الدفاع في تركيا".
وتضيف خرازمي -في تصريحاتها للجزيرة- أن "إيران تواجه الحرب عندما تُقصف مدن مختلفة بشكل كثيف بواسطة الطائرات الإسرائيلية والأمريكية التي تطير وتُعيد التزود بالوقود فوق مدن خليجية"، مستشهدة بمقالات وصحف غربية.
وبنبرة حادة، تؤكد خرازمي أن "إيران لا تستطيع الجلوس ومشاهدة نفسها تُقصف وفي الوقت نفسه تنخدع بالدبلوماسية"، لافتة إلى أن المفاوضات كانت جارية عندما "هاجم الإسرائيليون والأمريكيون إيران"، حيث كان رئيس الوزراء الإيراني قبل 24 ساعة فقط من الهجوم "يتحدث عن الكثير من الأمل والتعاون".
ويقدم أستاذ الدراسات الإستراتيجية في جامعة سانت أندروز البريطانية وخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدولية فيليبس أوبراين قراءة للإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، معتبرا أنها "لا تبدو منطقية وليست متماسكة". ويقارن بداية الحرب بـ"الطريقة التي بدأ بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا في 2022″، حيث "كانوا يعتقدون أن الأمر سيكون سريعا وسهلا"، وهو أحد "الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الناس عند بدء الحرب".
ويؤكد أوبراين أن "الحرب استمرت بالفعل فترة أطول مما كانت تنوي الولايات المتحدة"، مشيرا إلى أن ترمب "ربما توقع بضعة أيام من القصف، ثم قيادة إيرانية جديدة، ثم إعلان النصر". لكن الواقع مختلف تماما، حيث "الولايات المتحدة هي التي تناقش مسألة التصعيد، والولايات المتحدة تتراجع فعليا عن بعض العقوبات على إيران بشكل مذهل، والولايات المتحدة تحاول إجبار حلفائها على القيام بأعمالها في الخليج"، حسب قول خبير الشؤون العسكرية والإستراتيجية.
ويخلص أوبراين إلى أن واشنطن "تواجه حقيقة أنها لم تكن تعرف ما كانت تفعله"، لافتا إلى أنه "عند بدء حرب تفقد السيطرة، ويكون للطرف الآخر دور يلعبه".
ويناقش أستاذ الدراسات الإستراتيجية -في تصريحاته للجزيرة- مفهوم "النصر" عند الرئيس الأمريكي، ويرى أنه "مصطلح ذاتي جدا"، إذ إن ترمب "سيعلن النصر في النهاية بغض النظر عما يحدث"، لكن النصر الحقيقي "يتطلب تغييرا في النظام الإيراني بحيث يكون النظام الجديد أكثر ودية تجاه الولايات المتحدة".
ويحذر أوبراين من أن ترمب "ربما يرغب في الخروج من هذه الحرب الآن إذا استطاع"، لكن "المشكلة هي أنه لا يستطيع الخروج لأنه غير متأكد من أن إيران ستسمح له بالخروج". فإذا أعلن ترامب النصر وعاد إلى أمريكا، "وسحب القوات الأمريكية، فقد تقول إيران لا، لن نسمح بمرور الشحن من الخليج"، وهو ما يعتبره "إهانة لترمب لأنه قد ألقى كل هذه القوات في المعركة ولم يتمكن حتى من إبقاء المضيق مفتوحا".
أما دويل فيؤكد أن "الإستراتيجية بأكملها لا تبدو منطقية"، معتبرا أنها "كانت مبنية على فكرة أن النظام الإيراني سينهار، ويتفكك، ويختفي"، لكن "القصف الجوي لا ينتج التغييرات التي ترغب فيها". ويحذر من أنه "حتى لو كان النظام على وشك التفتت، فإنه لن يتحول إلى حكومة رائعة وآمنة في إيران"، بل "من المرجح أكثر أن تكون هناك فوضى عارمة وخطر كبير".
ويكشف الموقف الأوروبي من الحرب على إيران عن أزمة حقيقية في العلاقات داخل حلف الناتو، حيث تجد أوروبا نفسها محاصرة بين رفض الانخراط العسكري في حرب تعتبرها "خاطئة وغير ضرورية"، وبين الضغوط الأمريكية والمصالح الحيوية المهددة في الخليج.
وفي ظل غياب إستراتيجية واضحة وتصريحات أمريكية متناقضة، تتزايد المخاوف الأوروبية من انجرار القارة إلى مستنقع حرب طويلة الأمد، تهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية وتفاقم أزمة التضخم، في وقت لا تزال فيه طهران تظهر قدرة على الصمود والرد رغم الضربات المكثفة، حسب ما ذهب إليه المحللون.
المصدر:
الجزيرة