باستهداف مدينة رأس لفان -القلب النابض لصناعة الغاز المسال عالميا- إلى جانب منشآت نفطية وحيوية في دول الخليج، لم يعد الأمر مجرد تصعيد عسكري محدود، أو رد فعل -كما تقول إيران– بل تحولا جذريا يهدد أمن الطاقة وينذر بشل الإمدادات من منطقة باتت لاعبا رئيسيا في سوق الطاقة ومزودا موثوقا لمنتجات تدخل في كل تفاصيل الاقتصاد العالمي، يقول محللون.
فالخليج لم يعد مجرد منطقة إنتاج نفط وغاز فحسب بل مركزا اقتصاديا إستراتيجيا تتقاطع فيه تجارة الطاقة، وسلاسل الإمداد الصناعية، وأسواق الأسمدة والبتروكيماويات.
ويطرح استهداف منشآت الطاقة في قطر وباقي دول الخليج تساؤلات حول:
تعرضت عدة مرافق للغاز الطبيعي المسال بمدينة رأس لفان الصناعية لهجمات صاروخية -في وقت مبكر من صباح اليوم الخميس- تسببت في حرائق وأضرار جسيمة، كما تعرضت المدينة -أمس الأربعاء- لهجوم أصاب مصنع تحويل الغاز إلى سوائل بأضرار جسيمة، وفق ما أعلنت شركة "قطر للطاقة".
وفي أبو ظبي، سقطت شظايا نتيجة عملية اعتراض صواريخ استهدفت منشأة حبشان للغاز وحقل باب، بينما تم تعليق العمليات في المنشأة.
وفي السعودية دمرت الدفاعات الجوية صواريخ باليستية أطلقت باتجاه العاصمة الرياض، سقط أحدها قرب مصفاة جنوب الرياض، في حين تم اعتراض وتدمير مسيّرات حاولت الاقتراب من أحد معامل الطاقة في المنطقة الشرقية للبلاد.
أما في الكويت فقد تعرضت إحدى الوحدات التشغيلية في مصفاة ميناء الأحمدي التابعة لشركة البترول الوطنية الكويتية صباح -اليوم الخميس- إلى هجوم بطائرة مسيرة مما أدى إلى اندلاع حريق محدود في تلك الوحدة.
وجاءت هذه الضربات الإيرانية بعد استهداف إسرائيل منشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران، وسط تحذير من خطورة ضرب منشآت النفط والغاز في المنطقة وتكلفته العالية على الأسواق والاقتصاد العالميين.
وتسعى إيران -كما يقول محمد رمضان، المستشار السابق لوزير المالية الكويتي- من خلال هذه الاستهدافات إلى ممارسة مزيد من الضغط على الأسواق وعلى الدول لحمل أميركا على وقف الحرب تجنبا لمزيد من الإضرار بالاقتصاد العالمي.
هذه الاستهدافات -يضيف رمضان للجزيرة نت- تشكل جزء من"إستراتيجية معلنة لدى طهران منذ البداية وليست سرا للضغط على أمريكا لإيقاف الحرب"، لأن ضرب منشآت المنطقة- برأي المتحدث- يسبب ضررا كبيرا للاقتصاد العالمي و"هذا ما تسعى إليه إيران تحديدا".
ولأن طهران "لا تستطيع تدمير منشآت نفطية بعيدة عنها فقد لجأت إلى ضرب منشآت الخليج القريبة للتأثير على الأسواق وعلى العالم ككل"، حسب محمد رمضان.
وأحدثت الضربات الإيرانية على مدينة رأس لفان تحديدا ومنشآت خليجية أخرى رجحة في أسواق الطاقة العالمية، فقد ارافعت أسعار النفط أكثر من 7% -اليوم الخميس- وتجاوز سعر خام برنت 116 دولارا للبرميل، في حين واصل سعر البنزين في الولايات المتحدة الارتفاع، وسجل متوسط سعر التجزئة -اليوم- أعلى مستوى له منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2022، حسبما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
وحسب وكالة الصحافة الفرنسية أيضا، فقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 30% بعد هجوم إيران على منشآت الغاز في قطر.
أما البورصات الآسيوية فتراجعت بحدة تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط اليوم الخميس، وسجلت مؤشراتها انخفاضا بلغ في بعض الأحيان 3%.
هنا تبرز أهمية هذه المدينة للاقتصاد العالمي من الصناعة إلى الزراعة إلى قطاع النقل والكهرباء وسوق الأسمدة والبتروكيماويات، وأي استهداف لمنشأتها سيتردد صداه في الأسواق، ويهدد الأمن الطاقي العالمي، حسب ما يؤكد محللون.
ورغم ذلك تؤكد قطر التزامها بأن تبقى موردا موثوقا للطاقة، كما صرح سعد بن شريده الكعبي.
ويؤكد الرئيس التنفيذي للإستراتيجيات بشركة فورتريس للاستثمار مصطفى فهمي أن الاقتصاد العالمي -وتحديدا الصيني- يعتمد كثيرا على الغاز القطري، وأي تأثر للإمدادات سيعني بالضرورة ضربة لهذا الاقتصاد.
وتعتمد الصين -يقول مصطفى فهمي للجزيرة نت- على قطر في الحصول على 30% من احتياجاتها من الغاز، لذلك فإن أي تعطل في الإمدادات سيؤثر على ثاني أكبر اقتصاد في العالم ويخلق ارتدادات بباقي الاقتصادات الأخرى، فالصين -حسب وصفه- تعد مركزا للصناعة العالمية.
أما بلومبيرغ فتشير إلى أن آسيا النامية تعد الأكثر تعرضا لصدمة الغاز التي خلفها استهداف مدينة رأس لفان، إذ تشتري 4 أخماس صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال.
وتذكر بلومبيرغ أن استمرار توقف مجمع رأس لفان القطري -أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم- يحرم السوق يوميا من كميات ضخمة من الطاقة، في أول انقطاع للإمدادات من الموقع منذ 3 عقود.
وكل يوم يتوقف فيه مجمع رأس لفان -تحذر بلومبيرغ- يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، في وقت لا تملك فيه سوق الغاز طاقة فائضة كبيرة، ولا احتياطيات إستراتيجية كافية، ولا بدائل سهلة وسريعة لتعويض النقص.
ويؤكد محللون لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الهجوم على رأس لفان قد يتسبب في "نقص دائم في الغاز العالمي" اعتمادا على حجم الضرر، فهذه المدينة مسؤولة عن نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتنقل الصحيفة عن سول كافونيك، محلل الطاقة لدى "إم إس تي فايننشال"، قوله إن الهجوم قد يؤدي إلى "نقص عالمي مستدام في الغاز"، وإن تأثيره "قد يمتد لأشهر أو حتى سنوات" في حال استغرق إصلاح الأضرار وقتاً طويلاً.
أما توم مارزيك-مانسر من شركة "وود ماكنزي" فيحذر من أن تضرر القدرة الإنتاجية في رأس لفان يعني أن "توازن سوق الغاز سيصبح أكثر ضيقاً".
رسمت دول الخليج لنفسها مسارا تنمويا واقتصاديا راكمت خلاله نجاحات كبيرة جعل منها رقما مهما في بنية الاقتصاد العالمي، ليس فقط بصفتها موردا للنفط والغاز، بل على صعيد إمداد أسواق العالم بالأسمدة وعدد من المنتجات والمشتقات البترولية التي لا غنى للصناعة والزراعة العالمية عنها.
وقد نمت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي -يقول محمد رمضان للجزيرة نت- بشكل ملفت، إذ تطورت صناعاتها النفطية وأصبحت تتماشى مع متطلبات الاقتصاد العالمي مما عزز من أهمية هذه المنطقة في معادلة تحقيق استقرارالاقتصاد العالمي وتأمين الإمدادات وتكريس أمن الطاقة.
وحققت دول الخليج معدلات نمو قوية حتى في أصعب اللحظات التي مر بها الاقتصاد العالمي سواء مع الأزمة المالية العالمية أو أزمة كورونا وغيرهما.
واعتبر صندوق النقد الدولي في تقرير له شهر ديسمبر/كانون الثاني الماضي أن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على تعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات العالمية.
وقبل الحرب توقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد القطري في عام 2026 نموا بنسبة 6.1%، بدعم من قطاع الطاقة وتوسعة حقل غاز الشمال.
وعلى صعيد دول الخليج توقع الصندوق تحقيق اقتصاداتها نموا بـ4.3% في 2026، وهو أعلى من المعدل المتوقع للاقتصاد العالمي والمقدر بـ3.3%.
وتحولت منطقة الخليج أيضا إلى مصدر جذب للاستثمارات الخارجية لتطوير صناعاتها وتنويع اقتصاداتها، كما تحولت إلى منطلق لضخ فوائض مالية كبيرة -عبر صناديقها السيادية وشركاتها الكبرى- في شريان أسواق المال وبنية الاقتصاد العالميين.
هنا يحذر المحلل مصطفى فهمي من أن تضطر دول الخليج -تحت تأثير تداعيات الحرب- إلى سحب جزء من السيولة من أسواق المال والسندات، معتبرا ذلك بمثابة إنذار للأسواق العالمية.
يقول المحلل مصطفى فهمي جوابا على هذا السؤال؟ إن العالم يعتمد على الخليج في جزء كبير من احتياجاته من الطاقة، سواء تعلق الأمر بالنفط أو الغاز -خاصة من قطر والسعودية- أو المشتقات النفطية الأخرى، بل ويعتمد على المنطقة في تأمين إمدادات الأسمدة ومنتجات أخرى ذات أهمية بالغة للصناعة في العالم، وأي محاولة للإضرار بهذه الاقتصادات -يضيف فهمي- هو إضرار بالعالم ككل.
ويحذر من أن أي استمرار في الإضرار بإمدادات الطاقة من هذه المنطقة سيزيد من ارتفاع الأسعار ويدخل الاقتصاد العالمي في حالة "ركود تضخمي" قد تكون أقسى من تلك التي شهدها العالم خلال أزمة جائحة كورونا وإبان انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية.
المحلل مصطفى فهمي يرى أنه على العالم بقيادة أمريكا والصين وأوروبا أن يتحمل مسؤوليته في ضمان استقرار اقتصادات الخليج لتضطلع بدورها في أمن الطاقة العالمي وتزويد الأسواق بما تحتاجه من منتجات، وإلا ستكون هذه الحرب " تلك الشرارة التي ستشعل أزمة في العالم يتحمل الجميع كلفتها من المصنع الصغير في الصين إلى المزارع في الإكوادور".
المصدر:
الجزيرة