في أي مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران داخل الخليج، لا تبدو جزيرة قشم مجرد بقعة جغرافية على خريطة مضيق هرمز، بل عقدة سيطرة نارية ولوجستية تتيح لطهران تهديد واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
ولهذا، يتزايد الحديث في الأوساط العسكرية الغربية عن أن شل قدرات إيران في قشم قد يصبح شرطا لازما لأي عملية أمريكية تهدف إلى إعادة فتح الملاحة في المضيق، أو تأمين عبور السفن التجارية والعسكرية.
لكن من المهم التمييز بين المؤكد والمفترض، فالمعلن حتى الآن في التقارير الموثقة هو أن الولايات المتحدة نفذت ضربات على جزيرة خارك، مركز صادرات النفط الإيرانية، حيث تخزن إيران 90% من نفطها قبل التصدير، فيما لا يوجد تأكيد علني مماثل على استهداف جزيرة قشم.
غير أن تحريك واشنطن السفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس تريبولي" ووحدة مشاة بحرية باتجاه المنطقة، بالتوازي مع حديث أمريكي عن تأمين هرمز، عزز كل هذا تقديرات ترى أن قشم تبقى ضمن "بنك الأهداف" المحتمل إذا تقرر تحييد أدوات إيران الساحلية والبحرية في المضيق.
تنبع أهمية الجزيرة أولا من الجغرافيا، فقشم هي أكبر جزيرة في الخليج، وتمتد بمحاذاة الساحل الإيراني، وتفصلها عنه مسافة مائية ضيقة، ما يمنحها وظيفة مزدوجة، فهي قاعدة متقدمة أمام هرمز، وامتداد محمي للبر الإيراني في الوقت نفسه.
يجعلها هذا التموضع مناسبة لنشر الرادارات والصواريخ الساحلية والزوارق السريعة ومنظومات الإخفاء والتمويه، مع سهولة الإمداد من البر الرئيسي.
أما السبب الثاني، فهو أن مضيق هرمز ليس ممرا عاديا، بل أهم اختناق نفطي في العالم.
فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، عبَر المضيق في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى نسبة مهمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
لذلك، فإن أي جزيرة تسمح لإيران بمراقبة هذا الممر أو ضربه تتحول تلقائيا إلى هدف إستراتيجي في الحسابات الأمريكية.
لا تختزل القراءة العسكرية الأمريكية والغربية لمشهد هرمز التهديد في البحرية الإيرانية التقليدية، حيث أشارت تقارير حديثة إلى أن هذه البحرية تعرضت لضربات قاسية، لكن التهديد الحقيقي للملاحة لا يزال كامنا في الحرس الثوري وأدواته غير المتناظرة، مثل زوارق سريعة، وصواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وزوارق انتحارية، وألغام أو تهديدات شبيهة بالألغام.
وبهذا المعنى، تصبح قشم قيمة لأنها تمنح إيران مساحة مثالية لإدارة هذا النوع من الحرب من داخل بيئة بحرية ضيقة ومعقدة.
وقال محلل عسكري إيراني للجزيرة نت إن البحرية الإيرانية النظامية ربما باتت أقل فاعلية، لكن قوة الحرس الثوري البحرية لا تزال قادرة على إبقاء شبح الخطر قائما بما يكفي لردع شركات الشحن ورفع كلفة التأمين.
وأوضح أن هذه النقطة مركزية، فإيران لا تحتاج دائما إلى إغلاق المضيق ماديا، إذ يكفي أن تجعل المرور فيه "غير مقبول تجاريا" حتى تحقق أثرا إستراتيجيا كبيرا.
ما يضاعف حساسية قشم هو أن إيران بنت عقيدتها في الخليج على الإخفاء والتحصين والعمل من تحت الأرض.
في هذا السياق، قال المصدر ذاته حول قدرات الحرس الثوري في الخليج إن الخطر الأبرز في المنطقة يتمثل في ترسانة إيران المتنامية من الصواريخ المضادة للسفن، بما فيها الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، التي تمنح طهران سرعة إصابة وضغطا كبيرا على الدفاعات البحرية المعادية.
الهدف الأمريكي، إذا انتقلت المعركة إلى قشم، لن يكون على الأرجح "احتلال الجزيرة" بالمعنى الكلاسيكي فقط، بل نزع وظيفتها القتالية.
ويتمثل ذلك بتدمير الرادارات الساحلية، وشل بطاريات الصواريخ المضادة للسفن، وضرب مخازن المسيّرات والزوارق، ومنع الحرس الثوري من استخدام الجزيرة كمنصة منع وصول ضد القوات الأمريكية وحركة الشحن.
فكل عملية مرافَقة بحرية داخل هرمز ستظل عالية المخاطر للجانب الأمريكي ما لم تُعطّل مصادر النيران القريبة من الممر.
والواضح من التقارير الأمريكية الأخيرة أن تأمين المضيق لا يُنظر إليه كمهمة بحرية خالصة، فصحيفة وول ستريت جورنال تحدثت عن أن إعادة فتح هرمز قد تتطلب ضربات على المنظومات الصاروخية الساحلية، بل وحتى خيارا بريا محدودا ضد بعض النقاط الحاكمة إذا تعذر تحييدها من الجو والبحر.
وهذا ما يفسر لماذا يُعاد طرح قشم في النقاشات العسكرية، لأنها من أبرز النقاط التي تمنح إيران ميزة "النار من البر على البحر".
ليست قشم مجرد مشكلة عسكرية، فكل تهديد ينطلق من الجزر الإيرانية المحاذية للمضيق ينعكس فورا على أسعار النفط، وتأمين السفن، وقرارات شركات الشحن.
ونظرا إلى أن نحو خُمس النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز، فقد أظهرت تقارير حديثة أن الاضطراب العسكري في الممر رفع الأسعار ودفع الحكومات إلى السحب من الاحتياطات وفتح مسارات بديلة أقل كفاءة.
لذلك، فإن أي ضربة محتملة على قشم ستكون جزءا من معركة أوسع عنوانها من يملك القدرة على خنق السوق العالمية للطاقة أو إنقاذها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة