في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع دخول القرار الأميركي بتصنيف تنظيم "الإخوان في السودان" منظمة إرهابية أجنبية، حيز التنفيد، الإثنين، بات القرار يمثّل نقطة تحول جيوسياسية بالغة الأثر في مسار الأزمة السودانية المتشعبة، وفي خريطة النفوذ الإقليمي الممتد من ضفاف البحر الأحمر إلى العمق الإفريقي.
تداعياته لا تتوقف عند حدود تجميد الأصول وحظر التعامل المالي وفرض العقوبات على الداعمين، بل تطرح تساؤلات جوهرية: هل يفضي هذا القرار إلى إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري في السودان؟ وهل يكسر حلقة التشابك العضوي بين التنظيم والمؤسسة العسكرية التي أرسى الإخوان دعائمها على مدى 3 عقود ونيف؟.
تأخر طال انتظاره
يرى عضو الهيئة القيادية في تحالف تأسيس محمد المختار النور خلال حديثه الى سكاي نيوز عربية أن قرار تصنيف الحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية يمثل خطوة تأخرت كثيرا، لكنه في الوقت ذاته يشكل، وفق وصفه، "قرارا شجاعا ومهما" بالنسبة للشعب السوداني.
ويقول النور إن الحركة الإسلامية منذ استيلائها على السلطة عام 1989 خاضت حروبا متعددة داخل السودان، بدءا من الحرب في جنوب البلاد التي انتهت بانفصال الجنوب، مرورا بالصراعات في جبال النوبة و كردفان و دارفور، وصولا إلى الحرب الحالية التي اندلعت في 15 أبريل.
وبحسب تقديره، فإن هذه الحروب أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين، وهو ما يجعل القرار الأميركي ــ من وجهة نظره ــ بمثابة انتصار لإرادة الشعب السوداني.
ويضيف أن الحركة الإسلامية، منذ وصولها إلى السلطة، عملت على تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها ضمن ما يعرف بنظام "التمكين"، بحيث أصبحت أجهزة الدولة، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية والمخابرات، مرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني.
وفي هذا السياق، يؤكد النور أن الحركة الإسلامية أدخلت تغييرات عميقة في بنية المؤسسة العسكرية، بحيث أصبح الانتماء التنظيمي شرطا أساسيا للوصول إلى المؤسسات العسكرية، بما في ذلك الالتحاق بالكلية الحربية.
العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية
وفق محمد المختار النور، لا يمكن الفصل بين الجيش السوداني والحركة الإسلامية، لأن المؤسسة العسكرية تحولت منذ عام 1989 إلى الذراع العسكرية للتنظيم.
ويضرب النور أمثلة على ذلك بعدد من الشخصيات الموجودة في المشهد العسكري والسياسي، مشيرا إلى أن مدير جهاز المخابرات الحالي إبراهيم المفضل ينتمي إلى الحركة الإسلامية، كما أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان كان في السابق رئيسا للمؤتمر الوطني في إحدى المحليات.
ويؤكد أن الحركة الإسلامية نجحت عبر نظام التمكين في "أخونة" مفاصل الدولة، بحيث لم تعد هناك مؤسسات مستقلة عن التنظيم، وهو ما يجعل من الصعب الفصل بين المؤسسة العسكرية والتنظيم.
كما يذهب إلى أن اختيار البرهان لقيادة المرحلة الحالية لم يكن عشوائيا، بل جاء نتيجة توافق داخل الحركة الإسلامية على شخص قادر على أداء دور محدد في هذه المرحلة.
القرار الأميركي في سياق أوسع
من جانبه، يضع الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حسين عبد الحسين القرار الأميركي ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي تستهدف جماعات الإسلام السياسي في المنطقة.
ويقول إن الجديد في القرار الحالي، بحسب عبد الحسين، هو استهداف الكيان المعنوي للحركة الإسلامية، أي التنظيم نفسه وليس فقط الأفراد.
ويرى أن هذه الخطوة تتزامن مع إجراءات أخرى اتخذتها الولايات المتحدة ضد فروع الإخوان في دول مختلفة، بما في ذلك لبنان و الأردن ومصر، ما يشير إلى وجود جهد أميركي أوسع في هذا الاتجاه.
ويشير أيضا إلى أن السودان يحتل موقعا خاصا في هذه السياسة بسبب تاريخه مع التنظيمات الجهادية، لافتا إلى أن نظام الرئيس السابق عمر البشير استضاف في الماضي أسامة بن لادن، كما انطلقت من السودان عمليات مرتبطة بالهجوم على المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في ميناء عدن.
خصوصية التصنيف الأميركي
يوضح عبد الحسين أن التصنيفات الأميركية للجماعات الإرهابية تختلف عن التصنيفات الأوروبية، إذ إن الولايات المتحدة لا تميز عادة بين الجناحين السياسي والعسكري لأي تنظيم.
وبناء على هذا المنطق، يرى عبد الحسين أن التصنيف الأميركي للحركة الإسلامية في السودان لن يفرق بين نشاطها السياسي والعسكري، خصوصاً في ظل ما تعتبره واشنطن تحولاً تدريجياً لبعض الجماعات الإسلامية في السودان من العمل السياسي إلى العمل العسكري.
كما يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى أن الحركة الإسلامية تمثل أحد العوامل التي تعيق وقف الحرب الأهلية في السودان، لأنها – وفق هذا التقدير – تستفيد من استمرار الصراع لتوسيع نفوذها العسكري.
استهداف نفوذ الإخوان وشبكاتهم المالية
بدوره يرى الباحث في شؤون مكافحة التطرف والإرهاب بمركز الإمارات للدراسات حسين عبد الراضي أن القرار الأميركي يستهدف في المقام الأول تحييد الدور الذي تلعبه جماعة الإخوان في تأجيج الصراع السوداني.
ويشير إلى أن واشنطن تسعى من خلال هذا القرار إلى قطع الروابط التي تربط الصراع السوداني بصراعات إقليمية أخرى، بما في ذلك ما يصفه بمحاولات ربطه بالنفوذ الإيراني.
كما يتحدث عن نشاط شبكات مالية عابرة للحدود مرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان، معتبراً أن القرار الأميركي يفتح الباب أمام تتبع هذه الشبكات وفرض قيود مالية على الداعمين لها.
ويرى عبد الراضي أن هذا التوجه سيؤدي إلى تشديد الرقابة على الأنشطة الاقتصادية والمالية التي قد تستخدم كواجهات لتمويل التنظيم.
تكتيكات التفاف محتملة
ويشير عبد الراضي إلى أن جماعة الإخوان في السودان بدأت بالفعل في محاولة التعامل مع القرار عبر عدة مسارات، من بينها الترويج لفكرة أن التصنيف يستهدف جماعة الإخوان فقط وليس الحركة الإسلامية السودانية.
كما يتوقع أن تلجأ الجماعة إلى استحداث واجهات سياسية ومدنية جديدة، وهي استراتيجية استخدمتها في السابق في أزمات مشابهة.
ويرى أن أخطر السيناريوهات يتمثل في احتمال توجه بعض الجماعات المرتبطة بالإخوان نحو مزيد من التصعيد الميداني لإثبات قدرتها على مواجهة الضغوط الدولية.
رسائل سياسية تتجاوز السودان
أما الاستشاري في مركز الوصل للاستشارات نور الدين السيد فيرى أن التصنيف الأميركي يحمل رسائل سياسية متعددة تتجاوز الساحة السودانية نفسها.
ويقول إن العامل الأبرز في القرار يتمثل في الربط بين الحركة الإسلامية السودانية و الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل التصنيف جزءاً من سياسة أميركية أوسع تهدف إلى تطويق النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما يشير إلى أن القرار يبعث برسائل إلى دول المنطقة المنخرطة في الصراع السوداني أو التي تتعامل مع الجيش السوداني، مفادها أن واشنطن تملك القدرة على فرض ضغوط إضافية إذا استمرت العلاقات مع الجماعات المصنفة.
سيناريوهات ما بعد التصنيف
يتوقع نور الدين السيد أن تواجه جماعة الإخوان في السودان خيارات محدودة بعد القرار الأميركي، في ظل تاريخها الطويل في تغيير الأسماء والمسميات.
ويرى أن أحد الاحتمالات يتمثل في توجه بعض عناصر الجماعة نحو مزيد من التشدد والعنف، خصوصا إذا شعرت بأن خياراتها السياسية أصبحت محدودة.
كما يشير إلى أن موقف الجيش السوداني سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مسار التطورات المقبلة، إذ إن استمرار العلاقة بين الجيش والجماعة قد يدفع إلى تصعيد إضافي في العقوبات الأميركية.
ويضيف أن هذا المسار قد يتطور تدريجياً ليشمل شخصيات داخل مؤسسات الدولة، أو قيادات عسكرية وإدارية مرتبطة بالجماعة.
البحر الأحمر والعمق الإفريقي
في تحليل أوسع لتداعيات القرار، يلفت نور الدين السيد إلى أن السودان يمثل موقعا استراتيجيا مهما بالنسبة لنفوذ الحرس الثوري الإيراني في إفريقيا.
ويقول إن هذا النفوذ يمتد باتجاهين رئيسيين: الأول نحو البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والثاني نحو العمق الإفريقي وشمال إفريقيا.
المصدر:
سكاي نيوز