كابل- مع تصاعد التوترات الدولية وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، عادت قاعدة بغرام الجوية في أفغانستان إلى قلب النقاش في واشنطن.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أثار جدلا واسعا، قبل أسابيع من الحرب على إيران، عندما تحدث عن إمكانية استعادة السيطرة على القاعدة التي كانت تمثل أكبر مركز عسكري أمريكي في أفغانستان قبل الانسحاب عام 2021، مؤكداً أن التخلي عنها كان "خطأ إستراتيجيا".
كما أعاد مسؤولون أمريكيون، من بينهم سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك ولتز، تسليط الضوء على أهميتها العسكرية في سياق الصراع الإقليمي المتصاعد مع إيران.
وكتب ولتز تعليقا على تقارير تحدثت عن انتقال مسؤولين إيرانيين كبار إلى مدينة مشهد هربا من الضربات الجوية، قائلاً عبر منصة إكس "أتمنى لو كانت قاعدة بغرام الجوية لا تزال تحت سيطرتنا"، في إشارة إلى أهميتها العسكرية في حال تصاعد الصراع الإقليمي.
لكن السؤال الذي يطرحه خبراء الإستراتيجية اليوم: هل كانت قاعدة بغرام بالفعل قادرة على تغيير ميزان القوة في المنطقة لو بقيت تحت السيطرة الأمريكية؟ وهل كانت ستمنح واشنطن أفضلية في مواجهة إيران ومنافسها الإستراتيجي الأكبر الصين؟.
أصبحت قاعدة بغرام الجوية في أفغانستان، التي كانت ذات يوم حجر الزاوية في العمليات العسكرية الأمريكية، رمزًا للأهمية الإستراتيجية والتوتر الجيوسياسي، وأدى الانسحاب الأمريكي منها في عام 2021 إلى فقدان هذه الميزة العسكرية الحيوية.
لكن أهمية القاعدة تتجاوز أفغانستان بكثير، فهي تقع في موقع إستراتيجي قرب بؤر التوتر العالمية الرئيسية، وشكَّلت على مدى عقدين رمزا متعدد الأطراف للقوة الأمريكية في أفغانستان، وقد اجتاحت كل من الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي السابق الأراضي الأفغانية عبر هذه القاعدة.
وأخلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، القاعدة سرًّا، في يوليو/تموز عام 2021، قبيل أسابيع قليلة من انسحابها من أفغانستان.
ترجع علاقة الولايات المتحدة بقاعدة بغرام إلى عام 1959 بعد عام من زيارة رئيس الوزراء الأفغاني الأسبق، محمد داود خان، إلى الولايات المتحدة؛ حيث هبطت طائرة الرئيس الأمريكي، دوايت أيزنهاور، في مطار بغرام واستقبله الملك الراحل، محمد ظاهر شاه، ورئيس وزرائه، محمد داود خان، وكان أول رئيس أمريكي يزور القاعدة.
تتجلى الأهمية الإستراتيجية للقاعدة من خلال الزيارات المتواصلة للرؤساء الأميركيين لها منذ دخول الولايات المتحدة أفغانستان وحتى إخراجها منها، فقد:
وفي عام 1976، اتجهت النية لجعلها مطارا حديثا للملكية الدستورية، إلا أن مصيرها حُسِم في خضم الصراع، لتتحول خلال الغزو السوفياتي (1979-1989) إلى مركز رئيسي لعمليات القوات السوفياتية في جميع أفغانستان.
في خضم الجدل المتجدد في الولايات المتحدة حول الأهمية الإستراتيجية لقاعدة بغرام الجوية، يرى مسؤولون وخبراء عسكريون أنها كان يمكن أن تلعب دورا مختلفا في أية مواجهة محتملة بين واشنطن وإيران لو بقيت تحت سيطرة القوات الأمريكية.
ويقول وزير الدفاع الأفغاني السابق شاه محمود مياخيل، للجزيرة نت إن "وجود القوات الأمريكية في أفغانستان وسيطرتها على قاعدة بغرام كان سيمنح واشنطن خيارات عسكرية إضافية في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بالعمليات العسكرية أو الضربات المحددة ضد إيران".
ويستدرك مياخيل "لكن استخدام قاعدة بغرام في الظروف الحالية ليس أمرا عمليا من الناحية العسكرية، حتى لو احتفظت الولايات المتحدة بوجود محدود فيها"، لأن تشغيل قاعدة عسكرية جوية يتطلب منظومة لوجستية متكاملة تشمل إمدادات الوقود والدعم الفني والحماية الجوية، إضافة إلى أنظمة الدفاع والرادارات.
و"وجود عدد محدود من الطائرات في قاعدة بعيدة دون هذا الدعم اللوجستي والعسكري الواسع يجعل استخدامها في عمليات كبيرة أمراً صعباً" على حد تقديره.
ويرى الوزير الأفغاني السابق أن المقارنة بين قاعدة بغرام والقواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج تبرز أيضاً أبعاداً سياسية وأمنية حساسة؛ فبرأيه، قد يكون انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان قد جنّب البلاد مخاطر إضافية، إذ إن بقاء قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة مثل بغرام كان يمكن أن يجعل الأراضي الأفغانية عرضة لهجمات انتقامية من إيران في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.
وأشار إلى أن الحكومات الأفغانية السابقة كانت تؤكد دائماً أن القواعد العسكرية الموجودة في البلاد لن تُستخدم ضد الدول المجاورة. ولذلك، فإن أي استخدام محتمل لهذه القواعد في عمليات عسكرية ضد إيران كان من شأنه أن يخلق توتراً سياسيا وأمنيا بين كابل وواشنطن، وربما يؤدي إلى خلافات بين القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية نفسها.
يرى ترمب أن التخلي عن القاعدة أفقد الولايات المتحدة موقعا إستراتيجيا مهما، ففي تصريحات إعلامية قال إن أحد أسباب رغبته في استعادة القاعدة هو قربها من الصين، مشيراً إلى أنها "تبعد نحو ساعة عن المكان الذي تصنع فيه الصين أسلحتها النووية".
ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس إدراكاً متزايداً في واشنطن لأهمية أفغانستان في المنافسة الجيوسياسية مع الصين. فقاعدة بغرام تقع على مسافة أقل من ألف كيلومتر من الحدود الصينية، مما يمنحها قيمة استخباراتية كبيرة في أي صراع إستراتيجي بين القوتين.
وتقول العضو السابقة في لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأفغاني شكرية جلالي، في حديثها للجزيرة نت، إن "القاعدة كانت توفر للولايات المتحدة قدرة على "إسقاط القوة العسكرية في المنطقة"، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن عودة القوات الأمريكية إليها تتعارض مع سياسة واشنطن المعلنة بإنهاء الحرب في أفغانستان".
بالنسبة لإيران، تمثل بغرام موقعاً حساساً في الحسابات العسكرية الأمريكية، فوجود قاعدة جوية أمريكية كبيرة في أفغانستان كان سيمنح واشنطن منصة إضافية لمراقبة الأنشطة العسكرية الإيرانية، خاصة في المناطق الشرقية القريبة من الحدود الأفغانية.
فمن الناحية العسكرية، تبعد القاعدة مئات الكيلومترات فقط عن الحدود الإيرانية، مما يجعلها منصة متقدمة لعمليات المراقبة الجوية والطائرات المسيّرة.
كما أن مدارجها الكبيرة تسمح بنشر طائرات قاذفة بعيدة المدى أو طائرات استطلاع قادرة على تغطية مناطق واسعة داخل إيران.
ويشير خبراء إلى أن هذا العامل قد يفسر أيضاً حساسية طهران تجاه أي حديث عن عودة القوات الأمريكية إلى أفغانستان.
ومع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، يشير بعض المحللين العسكريين إلى أن وجود القوات الأمريكية في بغرام كان سيمنح الولايات المتحدة خيارات عملياتية إضافية.
ويقول الباحث في الشؤون الإستراتيجية مشتاق كريمي في حديثه للجزيرة نت إن "بغرام كانت ستوفر للولايات المتحدة عمقاً عملياتياً إضافياً في حال أرادت تنفيذ ضربات أو مراقبة تحركات عسكرية داخل إيران".
لكن وجود قاعدة أمريكية في أفغانستان كان سيحمل أيضاً مخاطر سياسية وأمنية. فقد صرح علي رضا بيكدلي، سفير إيران في كابل في مقابلة تلفزيونية محلية أفغانية، بأن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في بغرام "كان قد يدفع إيران إلى مواجهة مباشرة مع أفغانستان".
رغم الحديث المتكرر عن إيران، يرى كثير من المحللين أن العامل الصيني هو الأكثر أهمية في التفكير الإستراتيجي الأمريكي.
فبغرام تقع قرب إقليم "شينجيانغ" الصيني، مما يمنح الولايات المتحدة موقعاً متقدماً لمراقبة التحركات العسكرية الصينية وبرامجها الصاروخية. ويرى بعض الخبراء أن القاعدة كانت ستصبح جزءاً من شبكة الاحتواء الأمريكية للصين في آسيا.
كما يشير محللون إلى أن وجود قاعدة أمريكية في أفغانستان كان سيعقد أيضاً خطط الصين الاقتصادية في المنطقة، خاصة تلك المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".
بالنسبة للعديد من الخبراء، لا تمثل قاعدة بغرام مجرد قاعدة عسكرية، بل رمزا للتنافس الجيوسياسي في آسيا، فأفغانستان تقع عند تقاطع طرق بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، مما يجعلها موقعاً مثالياً لمراقبة التوازنات الإقليمية، ولهذا السبب ظلت القاعدة محور اهتمام القوى الكبرى منذ الحرب الباردة وحتى اليوم.
لكن في المقابل، يحذر بعض الباحثين من المبالغة في تقدير أهميتها؛ إذ يرى منتقدون أن استعادة القاعدة قد تتطلب انتشارا عسكريا كبيرا، وقد تؤدي إلى تصعيد التوتر مع القوى الإقليمية مثل إيران وروسيا والصين.
ويقول رئيس المخابرات الأفغانية السابق رحمة الله نبيل في حديثه للجزيرة نت إن "الموقع الجغرافي لقاعدة بغرام يضعها في نقطة حساسة تسمح بمتابعة التحركات الأمنية في آسيا الوسطى والمناطق الغربية من الصين، إضافة إلى الحدود الشرقية لإيران. والمسافة بين بغرام و4 دول نووية في المنطقة تتراوح بين نحو 500 و2000 كيلومتر، وهو ما يدفع بعض الإستراتيجيين الأمريكيين إلى النظر إليها كمنصة مهمة للحضور الاستخباراتي الإقليمي".
ويرى نبيل أن تكرار الحديث عن قاعدة بغرام في الخطاب السياسي يحمل عدة رسائل سياسية وإستراتيجية:
منذ انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 وسيطرة حركة طالبان على أفغانستان، أصبحت قاعدة بغرام رمزاً لنهاية أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها.
لكن الجدل الذي أعاد إحياء الحديث عنها في واشنطن يكشف أنها لم تفقد أهميتها الإستراتيجية؛ فبالنسبة للبعض في المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية، لم تكن بغرام مجرد قاعدة عسكرية في أفغانستان، بل نقطة ارتكاز في صراع أكبر يدور في قلب آسيا بين الولايات المتحدة وخصومها الإقليميين والدوليين، والتخلي عنها كان خيارا إستراتيجيا مرتبطاً بإنهاء الحرب، وليس دليلا على تراجع قيمتها العسكرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة