في قراءة تحليلية للحرب الدائرة ضد إيران، حذر أليستر هيث رئيس تحرير صحيفة صنداي تلغراف البريطانية من أن اللحظة الراهنة قد تمثل "رهانا مضاعفا أو خسارة نهائية للحضارة الغربية".
ويرى هيث أن نتيجة المواجهة مع إيران لن تحدد فقط موازين القوى الإقليمية، بل قد تكون لها انعكاسات أوسع على صورة الغرب وقدرته على الردع.
وكتب في مقال نشرته صحيفة تلغراف أن ما يسميه "العالم المتحضر" يقف الآن أمام أحد خيارين: إما أن يحافظ (الرئيس الأمريكي) دونالد ترمب على رباطة جأشه، ويسحق النظام الإيراني، ويتجاوز صدمة أسعار النفط، ويعيد فتح مضيق هرمز، أو ينتهي أمره وأمر الولايات المتحدة، ليظهرا أمام العالم كقوة مستهترة، متقلبة، وعاجزة عن التخطيط للمستقبل، قوة عظمى فاشلة أسقطها برابرة مسلحون بطائرات مسيّرة.
وفي اعتقاد الكاتب أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بالقدرات العسكرية الاستثنائية للولايات المتحدة أو إسرائيل، بل بطبيعة شخصية ترمب، وباستعداده لتحمل كلفة اقتصادية وسياسية قصيرة المدى.
وقال إن كثيرا من تعليقات المراقبين حول هذه الحرب "اتسمت بروح انهزامية سخيفة". صحيح -يضيف هيث- أن أزمة أسعار النفط تحتاج إلى معالجة عاجلة، لكن العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية حققت "نجاحا مذهلا".
وأوضح أن إيران لجأت إلى ما وصفه بـــ"المقامرة الأخيرة"، عبر مهاجمة السفن وتهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية النفطية، في محاولة لإحداث صدمة اقتصادية عالمية تدفع الدول الغربية إلى الضغط على واشنطن.
مع ذلك، يؤكد رئيس تحرير صنداي تلغراف في مقاله أن معظم التحديات العسكرية يمكن احتواؤها، باستثناء التأثير الكبير لإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
وتابع قائلا إن الملالي في إيران "يهاجمون السفن العابرة، ويهددون بزرع الألغام، ويقصفون البنية التحتية النفطية، ويطلقون ما يمكن وصفه بالإرهاب الاقتصادي في محاولة يائسة للبقاء".
واعتبر هيث ذلك "دليلا على مدى التدهور الذي وصل إليه النظام الإيراني" بعد أن تكبد خسائر فادحة في الأفراد، وتعرضت آلاف المواقع الحيوية ودفاعاته الجوية للدمار، وتلقى برنامجه النووي لضربات قاسية، بينما يتم القضاء على أسطوله البحري.
وأشار إلى أن الغرب قرر الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطي النفطي لتخفيف الصدمة، لكنه شدد على أن إعادة فتح طرق الشحن البحري يجب أن تكون أولوية قصوى.
كما دعا الولايات المتحدة إلى تكثيف عملياتها العسكرية في الخليج لتأمين الملاحة وإزالة الألغام، حتى لو كان ذلك ينطوي على مخاطر إضافية للقوات الأمريكية.
لكن هيث عاد ليحذر من خطورة إعلان نصر مبكر دون تحقيق أهداف الحرب، قائلا إن "الخطر الأكبر هو أن ينتزع ترمب الهزيمة من فم النصر"، على حد تعبيره، موضحا أن انسحابا مبكرا قد يسمح لإيران بإغلاق المضيق لفترة طويلة ويترك النظام الإيراني "مجروحا لكنه غير مهزوم".
وفي رأيه أن مثل هذه النتيجة ستكون بمثابة "كارثة لن يتعافى منها ترمب ولا الغرب"، لأنها ستعزز اعتقاد خصوم الغرب في الصين وكوريا الشمالية بأن المجتمعات الغربية "غير قادرة على تحمل حتى قدر محدود من التضحيات الاقتصادية".
من جانبها، أفادت صحيفة واشنطن بوست بأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران أثار جدلا واسعا داخل روسيا حول مدى إمكانية الثقة بالولايات المتحدة في المفاوضات الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا.
وأشارت في تقرير تحليلي إلى أنه منذ اللحظة التي بدأت فيها الصواريخ الأولى تنهال على إيران، انشغلت وسائل الإعلام الرسمية الروسية والمعلقون السياسيون المقربون من الكرملين بسؤال واحد هو: هل تنتهي المفاوضات مع الولايات المتحدة دائمًا بصواريخ تضرب العاصمة؟
ونقلت واشنطن بوست في تقريرها عن المحلل السياسي فيودور لوكيانوف قوله إن الحملة الحالية تمثل انتقالا إلى نوع مختلف من العلاقات الدولية، حيث يمكن للمرء أن يتحول في أي لحظة من "شخص يجلس على الطاولة إلى ضحية".
وتساءل لوكيانوف: "كيف يمكن إجراء مفاوضات في مثل هذا الوضع إذا كنت تعلم أن الطرف الآخر قد ينتقل في أي لحظة إلى هجوم مباشر ضدك؟".
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن موسكو ترى في التطورات الأخيرة دليلا إضافيا على أن الصراع الأوسع مع الغرب حول أوكرانيا قد يُحسم في ساحة المعركة، وهو ما يعزز موقف المتشددين الذين يدعون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التركيز على العمليات العسكرية بدل الرهان على المسار التفاوضي.
هذا المناخ المتوتر أدى بالفعل إلى تأجيل جولة مفاوضات كانت مقررة في تركيا بشأن الأزمة الأوكرانية، بناءً على طلب من الجانب الأمريكي الذي يركز حاليا على الجبهة الإيرانية.
ولفتت واشنطن بوست الانتباه إلى حالة "التآكل" في نفوذ حلفاء روسيا؛ فخلال 15 شهرا فقط، شهدت الساحة الدولية سقوط 3 قادة مقربين من بوتين في سوريا وفنزويلا وأخيرا إيران، في إشارة إلى زعماء تلك الدول بشار الأسد ونيكولاس مادورو وآية الله علي خامنئي على التوالي.
ووفقا للصحيفة الأمريكية، يرى الأكاديمي والبروفيسور فلاديمير باستوخوف أن ما يحدث في طهران سيجعل من الصعب إقناع بوتين بأنه كان مخطئاً في غزو أوكرانيا، بل سيستخدم المثال الإيراني ليقول لحلفائه: "كنا سنكون مكانهم لولا تحركنا".
ورغم هذه التعقيدات، لا يزال الكرملين يسير على حبل مشدود؛ فهو من جهة يندد بـ "العدوان الإسرائيلي الأمريكي"، ومن جهة أخرى يحرص على عدم إفساد علاقته الشخصية بترمب، أملا في الحصول على صفقة تخفف العقوبات على النفط الروسي أو تقلل الدعم العسكري لكييف، وفقا لمنشور على منصة إكس كتبه سام غرين، مدير معهد روسيا التابع لكلية كينغز كوليدج لندن.
ونقلت واشنطن بوست عن غرين قوله في منشوره إن الرئيس الأمريكي يمثل بالنسبة لموسكو "أكبر مصدر نفوذ على أوروبا".
كما أوضحت الصحيفة أن الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط قد تمنح موسكو بعض المكاسب غير المباشرة، مثل ارتفاع أسعار النفط أو احتمال تحويل بعض الأسلحة الغربية من أوكرانيا إلى المنطقة.
من ناحية أخرى، تفيد الصحيفة بأن أوكرانيا تخشى من تحول الاهتمام الأمريكي والموارد العسكرية نحو الشرق الأوسط. ونقلت تقرير عن ميكولا بيليسكوف، الباحث في المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية في كييف، أن هناك مخاوف حقيقية بشأن قدرة الولايات المتحدة على أن تكون وسيطا محايدا، خاصة أن خطاب إدارة ترمب بدا أحيانا متناغما مع القراءة الروسية للموقف.
ومع ذلك، يصر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن "المفاوضات الجدية لن تبدأ إلا عندما يتقلص جيش بوتين ويصبح ثمن الحرب باهظا على الكرملين"، في إشارة إلى أن كييف تراهن على استمرار الضغط العسكري لتحسين موقعها في أي تسوية محتملة.
خلاصة القول أن المشهد الحالي، كما يصوره أليستر هيث في مقاله بصحيفة تلغراف، هو "صراع حضاري بين الخير والشر"، حيث يتوجب على الغرب الانتصار لضمان استمرار قيمه، على حد تعبيره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة