صدرت إشارات متضاربة من القيادات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية عن المدى الزمني للحرب؛ فلقد صرَّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في البداية بأن العمليات العسكرية ستحقق أهدافها في يومين أو ثلاثة، ثم أشار بعد اليوم الأول للحرب إلى رغبته في التحدث للقادة الإيرانيين الجدد، ثم أعلن أن الحرب قد تطول لأربعة أسابيع لأن مساحة إيران شاسعة.
ومن جهته، ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه لن يقع في حرب استنزاف طويلة لكنه لن يوقف الحرب قبل إنهاء التهديد الوجودي الإيراني لبلاده، لكنه لم يشر إلى مدى زمني محدد.
في المقابل، ذكر وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، أن بلاده منفتحة على وقف التصعيد الجاري، وأشار إلى أن وقف الهجمات العسكرية على إيران سيقابله وقف الرد الإيراني. أعلن بعده أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أن إيران لن تتفاوض.
لا يمكن الارتكان كلية إلى تصريحات القادة السياسيين لأنها قد لا يكون هدفها تحري الدقة بل التوظيف في المعركة الجارية، فقد يكون إعلان ترمب عن تقصير مدة الحرب موجَّهًا للداخل الأمريكي الذي يخشى من الحروب الطويلة المشابهة لحرب أفغانستان والعراق، أو قد يكون تصريحه بالتخطيط لإطالة أمد الحرب رسالة للإيرانيين بأن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك القدرات الكافية لمواصلة الحرب، وأنها ليست متعجلة، وغير متاثرة بالضغوط السياسية الداخلية أو الموارد المالية والعسكرية.
ولا تختلف القيادتان، الإسرائيلية والإيرانية، في توظيف تصريحات المدى الزمني للحرب لنفس الاعتبارات، وإن كان من الملاحظ أنهما تفاديتا ذكر مدد زمنية محددة بخلاف ما فعل ترمب.
قد تكون العوامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مدة الحرب هي القياس على التجارب السابقة، والموازنة بين الأهداف المعلنة والقدرات المتوافرة لتحقيقها، وإدراج عوامل الانفلات الناتجة عن حوادث طارئة قليلة الحدوث في العادة لكن احتمال حدوثها يرتفع في هذه الحالات القصوى من فقدان اليقين، وارتفاع تأثير الحوادث العرضية على المسار العام للحرب.
وكمثال على ذلك، قد توقع ضربة إيرانية عددًا كبيرًا من الجنود الأمريكيين، فينقلب الرأي العام الأمريكي بالكامل على الحرب، فيضطر ترمب إلى وقفها للحفاظ على ما تبقى من وجوده السياسي.
وقد حدث مثل ذلك في الثمانينات من القرن الماضي عندما هاجم حزب الله قاعدة المارينز في لبنان، لإرغام الولايات المتحدة على الانسحاب الكامل، ونجح.
أما في الحرب الجارية، فلقد كان اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، في اليوم الأول للحرب عاملًا مهمًّا في تمديد الحرب، لأن القيادة الإيرانية لا يمكنها الموافقة على وقفها كما طلب ترمب -حسب الصحفي الإسرائيلي، ناحوم بارنيا، في صحيفة يديعوت أحرونوت- دون أن تتمكن من الانتقام لمقتل المرشد بإيقاع خسائر كبيرة في القوات الأمريكية، ويدفع ذلك الولايات المتحدة بدورها إلى الرد الشديد، وتظل دائرة الرد والرد المضاد تتصاعد.
لكن توجد حالات قليلة، تمكنت الأطراف المتقاتلة من التحكم في مدة الاقتتال إلى حدٍّ كبير. يبرز مثل ترمب في عدة حالات، لما اغتال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في عهدته الأولى، وحرصت إيران على الرد رمزيًّا رفعًا للحرج، وكذلك في حرب 12 يومًا لما تمكن ترمب أيضًا من منع الحرب من التمدد زمنيًّا، فأنهاها في 12 يومًا، وقبلت إيران بذلك.
في الحرب الثانية الجارية حاليًّا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، توجد عوامل تدفعها لتكون مدتها قصيرة وعوامل أخرى لتكون مدتها أطول مما قدَّرت الإدارة الأمريكية هذه المرة. وقد يكون أحد أسباب اشتداد انعدام اليقين هذه المرة في مدة الحرب أن تكون إيران حسبت أن قبولها بالنمط السابق من تلقي الضربات الإسرائيلية والأمريكية وضبط النفس في الرد عليها، قد يقضي مع الوقت على الردع الإيراني، ويتشكل نمط جديد هو تشجيع الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة حروبهما الخاطفة لأنهما باتا مقتنعتين بأن إيران ستقبل بوقف الحرب إذا أعلنوا هم عن وقفها، ثم يستعدون مجددًا لخوض جولة جديدة، وتتحول إيران إلى ساحة للضربات الأمريكية والإسرائيلية. لذلك، قد تقدر إيران أن إطالة أمد الحرب يوقع الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب تفوق تكلفتها جدواها، فيتفاديان مستقبلًا خوض جولة جديدة لأنهما باتا لا يعرفان متى تنتهي الجولة. وكما هو معلوم فإن فقدان اليقين في رد الخصم هو أحد أركان الردع.
من عوامل إطالة أمد الحرب أن أهدفها ليست واضحة وفضفاضة، وتقتضي مددًا مختلفة قد تكون قصيرة وطويلة قياسًا على مثيلاتها، علاوة على أن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متماثلة كلية، ومن جانب إيران قد يكون الهدف الرئيسي هو منع الخصوم من تحقيق أهدافهم لكنه قد يضاف إليه ترميم الردع حتى لا تتكرر الحرب مجددًا، وقد يتحقق ذلك بتمديد مدة الحرب لرفع تكاليفها واستنزاف عزيمة الخصم لإحداث تشققات داخلية تقضي على إرادته في تكرار المحاولة مستقبلًا، مثل إحداث صدع داخل أمريكا يحد من صلاحيات الرئيس أو قد يقيد قرارته في الحرب على إيران بالكامل.
يغيِّر الرئيس ترمب أهدافه، مرة يتحدث عن رغبته في تغيير القيادة الإيرانية، ومرة أخرى عن توفير الشروط الملائمة ليُسقط الإيرانيون -حسبه- النظام القائم، ومرة القضاء على المشروع الصاروخي والقوة البحرية ومنع إيران من الحصول على السلاح النووي، ثم لمَّح مجدد إلى احتمال إرسال قوات برية لتحقيق الأهداف، واستهان بارتفاع نسبة الأمريكيين الرافضين لحرب طويلة أو حرب برية.
قد يكون قصده تخويف إيران لكنه قد يكون رفع سقف التوقعات، ويحتاج بذلك إلى مدى زمني أطول لتحقيقها. هذا التضارب يجعل كل هدف يحتاج إلى مدد زمنية مختلفة، وقد يؤدي هذا الاضطراب إلى إطالة أمد الحرب.
يعقِّد التقدير أكثر أن أهداف إسرائيل ليس متطابقة تمامًا مع الأهداف الأمريكية. يختلفان مثلًا في القضاء على حلفاء إيران، وهم شبكة من الجماعات السياسية المسلحة موزعة بين لبنان والعراق واليمن، ولا يمكن القضاء عليهم في زمن قصير، بل قد يطيل أمد الحرب، خاصة إذا اتفقت هذه المجموعات على الدعم المتبادل ورفض وقف القتال في جبهة، والتخلي عن جبهة أخرى. للمثال، انخرط حزب الله في الحرب، وتوعدت إسرائيل بتوسيع المواجهة معه، ولم تستبعد عملية برية، قد تمتد لأشهر.
يبرز السؤال، هل ستقرر إيران وقف الحرب وترك حزب الله يقاتل إسرائيل بمفرده. وقد يلتحق الحوثيون، ويربطون بين إنهائهم للحرب ووقفها على إيران وحزب الله، فيطيلون أمد الحرب.
ولنفترض أن دول الخليج ردَّت على الهجمات الإيرانية على أراضيها، فهل ستوافق واشنطن على وقف الحرب دون حساب المطالبة بوقفها على حلفائها الخليجيين؟
يبرز نمط جديد في سلوك الإيرانيين وهو إعطاء الأولوية لرفع كلفة التواجد الأمريكية في منطقة الخليج حتى وإن أكسبهم غضب الدول الخليجية، وقد يكون الهدف المنشود هو إبعاد التواجد الأمريكي من منطقة الخليج القريبة من إيران، ودفعه إلى مناطق بعيدة تعقِّد العمليات اللوجستية والاستخباراتية الأمريكية.
إذا كان هذا هو الهدف غير المعلن، وتوجد شواهد كثيرة تدل عليه، فإن الحرب ستكون طويلة لجعل القواعد الأمريكية غير صالحة للاستعمال، وجعل بقاء القوات الأمريكية مكلفًا للغاية. كل ذلك، قد يجعل الأمريكيين يطالبون بإبعاد جنودهم من هذه المناطق الخطرة إلى مناطق أكثر أمنًا لكنها أبعد عن إيران.
تبرز من جانب آخر عوامل تعجِّل بنهاية الحرب سريعًا، ويأتي على رأسها القدرات العسكرية الأمريكية التي تعاني من نقص مخزونها من القذائف الاعتراضية الضرورية لتغذية الأنظمة الدفاعية عن إسرائيل أو بقية قواعدها. فلقد أوردت صحف أمريكية، مثل نيويورك تايمز، أن مخزون الذخائر متدنٍّ جدًّا، وقد استنفدته الحرب الأوكرانية والحرب الإسرائيلية في مواجهة حماس وحزب الله والحوثيين، ولم يتبق الكثير، ولا يمكن تعويضه بسرعة، بخلاف الطائرات المسيرة التي تهاجم هذه الأنظمة الدفاعية التي يمكن أن تنتجها إيران بسرعة وبكلفة قليلة.
ندلِّل بمثال، إذا هاجمت إيران بعشر مسيرات فإن عدد الصواريخ التي تطلقها المنظومات الدفاعية يكون نحو 10 إلى 20 صاروخًا. علمًا بأن تكلفة مسيَّرة انتحارية تتراوح بين 20 ألفًا إلى 50 ألف دولار، أما تكلفة الصاروخ الاعتراضي فتتراوح بين 4 إلى 5 ملايين دولار.
يُقدَّر كذلك زمن التعويض لنحو 500 مسيرة انتحارية مثل شاهد بـ3 أيام حسب معهد الحرب، أما تعويض الإنتاج السنوي من صواريخ الاعتراض المقدر بنحو 500 فيحتاج إلى سنة كاملة تقريبًا.
هذا التفاوت يضغط على القيادة الأمريكية والإسرائيلية. ذلك أن التقديرات ترجِّح انخفاض الاحتياطي الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية المخصصة لأنظمة باتريوت إلى مستويات حرجة، وقد وردت بيانات موثقة بأن الولايات المتحدة لا تمتلك إلا ربع حاجاتها من الصواريخ الاعتراضية الضرورية لمهامها الحالية والمستقبلية.
ويبرز عدم التماثل القاتل في أن سرعة ورخص تكلفة إنتاج المسيرات المهاجمة أكبر من سرعة وتكلفة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، فلا تستطيع المنظومات الدفاعية الصمود لفترات طويلة، علاوة على أنه إذا قررت الولايات المتحدة إطالة الحرب أو أُرغمت على ذلك فلقد ينخفض مخزونها إلى حدٍّ حرج يجعلها مكشوفة في مواجهة الصين وروسيا، وتكشف دفاعات حلفائها في كوريا واليابان، وتكشف أيضًا أوكرانيا. هذا ضاغط هائل، قد يكون العامل الذي جعل القيادة العسكرية الأمريكية تعارض الحرب على إيران.
العامل الثاني الذي يدفع إلى تقصير مدة الحرب هو الرفض الشعبي الأمريكي لها، فلعلها تكون الحرب الوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي لم تجعل الأمريكيين يلتفون حول العلم بخلاف المرات السابقة التي تركوا خلافاتهم جانبًا وساندوا المجهود الحربي، بل إن هذه الحرب وقعت في فترة انخفاض شعبية الرئيس ترمب إلى نحو 37%، وبلغت نسبة تأييد الأمريكيين للحرب نحو 25%، ووسط تصدع في قاعدة الرئيس بين المؤيدين لأمريكا أولًا في مواجهة داعمي إسرائيل الذي يريدون أن تتكفل الولايات المتحدة بتأمينها ولو بتعريض حياة الأمريكيين للخطر.
وقد لمس علي لاريجاني في تغريدة على تويتر هذا الصدع فكتب أن هذه الحرب تدل على أن ترمب استبدل إسرائيل أولًا بأمريكا أولًا.
ويجد هذا الخطاب صدى واسعًا في قاعدة ترمب المعارضة للحرب، وقد يزداد بعد سقوط قتلى في القوات الأمريكية، فلا تجد القيادة الأمريكية تبريرًا لذلك. وقد يكون تصريح وزير الدفاع، بيت هغسيت، بأن الولايات المتحدة لم تبدأ هذه الحرب تهربًا من المسؤولية أكثر منه تسويغًا يقنع الأمريكيين بضرورة خوض هذه الحرب لحمايتهم وليس من أجل دولة أجنبية هي إسرائيل.
يمكن الترجيح بين الاتجاهين بتطبيق تعريف الإستراتيجية وهو المناسبة بين الأهداف والقدرات، وليست القدرة الأمريكية/الإسرائيلية كافية حاليًّا لخوض حرب طويلة جدًّا تمتد لأكثر من شهر لأن صواريخ المنظومات الدفاعية بلغت العتبة الحرجة، لكنها لن تنتهي في أيام قليلة، وقد يطول مداها لأسابيع، قد تحوم حول شهر، ثم تضطر الأطراف إلى وقف العمليات لأن تكاليف استمرار القتال تفوق جدواه، لكن ستظل تداعيات الحرب مستمرة في تغيير المنطقة لأن الوضع السابق تعرض لهزة هائلة تُبدِّل حسابات التكاليف والجدوى في كل القطاعات.
وقد يكون أهم تغيير هو الموازنة بين الحفاظ على القوات الأمريكية في المنطقة قريبة من إيران مع قبول تعريضها مجددًا للخطر المميت وإبعادها لمسافات كبيرة عن إيران لكن مع خسارة الولايات المتحدة الأفضلية اللوجستية والاستطلاعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة