آخر الأخبار

قانون ساحة البراق.. أداة تشريعية لتكريس سيطرة الاحتلال على المقدسات

شارك

القدس المحتلة- في خطوة تشريعية تتجاوز في أبعادها الخلافات الدينية الداخلية في إسرائيل، صادق الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع تعديل ما يعرف بـ"قانون الأماكن المقدسة"، والذي بات يُتداول إسرائيليا باسم "قانون ساحة البراق".

وبينما يقدم التعديل في ظاهره كمعالجة قانونية لتنظيم ترتيبات الصلاة لليهود عند حائط البراق، فإن مضمونه وتوقيته يكشفان عن مسعى أوسع لإعادة تعريف المرجعية القانونية والإدارية للأماكن المقدسة في القدس، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

ويهدف التعديل إلى منح الحاخامية الكبرى الإسرائيلية، ذات التوجه الأرثوذكسي، صلاحيات مرجعية شبه مطلقة لتحديد ما يُعد "تدنيسا" في المواقع التي تُصنّفها إسرائيل "أماكن مقدسة يهودية"، بما في ذلك ما يُعرف بساحة "عزرات يسرائيل" المخصصة للصلاة غير الأرثوذكسية.

إسقاط مباشر للقرار

وبموجب الصياغة المقترحة، يمكن اعتبار أي نشاط ديني لا ينسجم مع توجيهات الحاخامية الإسرائيلية، بما فيها الصلوات غير الأرثوذكسية، فعلا "مدنسا"، الأمر الذي يثير مخاوف من توسيع هذا التعريف ليشمل أنشطة إسلامية أو مسيحية داخل الحرم القدسي و البلدة القديمة بالقدس.

ويأتي مشروع القانون الذي قدّمه النائب آفي ماعوز، رئيس حزب نوعم، والذي حاز تأييد 56 عضوا مقابل 47 معارضا في الكنيست، في سياق تصعيد تقوده تيارات يمينية متطرفة داخل الائتلاف الحكومي، إلى جانب منظمات "الهيكل" المزعوم، بهدف تغيير الوضع التاريخي القائم في الأقصى.

ولا يقتصر هذا المسعى على البعد التشريعي فحسب، بل يتقاطع مع خطوات ميدانية وسياسية تهدف -وفق متابعين- إلى إعادة صياغة آليات إدارة الأقصى وساحاته ومرافقه، ومحاولة إخضاع دائرة الأوقاف الإسلامية لشروط الاحتلال، إلى جانب الدفع نحو تمديد ساعات الاقتحام بما يوسع نطاق التقسيم الزماني، وإحياء مساعي التقسيم المكاني، بما يشمل محاولات السيطرة على مرافق ملاصقة لمصلى باب الرحمة.

إعلان

وجاء ذلك في ظل دعوات سابقة صادرة عن أوساط استيطانية لإغلاق الأقصى خلال شهر رمضان، وهي الدعوات التي تحققت فعليا صباح السبت، مع إعلان حالة طوارئ شاملة تزامنا مع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

ومع إعلان حالة الطوارئ، سارعت سلطات الاحتلال إلى إخلاء الأقصى من المصلين وإغلاق أبوابه، وفرضت إجراءات مشددة في محيطه، مقدّمة القرار باعتباره استجابة لتعليمات أمنية استثنائية، في خطوة رآها مراقبون امتدادا لسياسة ربط إدارة الأقصى بالتطورات الأمنية الإقليمية.

مصدر الصورة مصلون عند أبواب المسجد الأقصى ينتظرون رفع شرطة الاحتلال الحواجز للدخول إلى المسجد (الجزيرة)

تفسيرات فضفاضة

وتكمن خطورة التعديل على "قانون الأماكن المقدسة"، في استناده إلى الصياغة الفضفاضة للقانون الأصلي الصادر عقب احتلال القدس عام 1967، والذي نص على حماية "الأماكن المقدسة" ومنع "تدنيسها" دون تحديد دقيق لهوية هذه الأماكن أو الجهة المخوّلة بتعريف مفهوم التدنيس.

وتتيح هذه الثغرة القانونية -حسب مراقبين- إدراج المسجد الأقصى ضمن نطاق القانون باعتباره "جبل الهيكل" بحسب المزاعم التوراتية اليهودية، وإخضاعه عمليا لمرجعية دينية إسرائيلية، دون الحاجة إلى نص صريح يذكره.

ويحظى التعديل بدعم مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، رئيس حزب " عظمة يهودية"، وكذلك من تيار "الصهيونية الدينية" برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذين يرون في القانون "فرصة تاريخية" لفرض واقع جديد في الأقصى، وتقويض ترتيبات الوضع القائم، وصولا إلى إعادة تعريف الأنشطة الإسلامية داخله استنادا إلى المرجعية الدينية اليهودية التي يسعى التعديل إلى تكريسها.

كما تقود حملة دعم التعديل تيارات دينية تقليدية ممثلة بحزبي " يهدوت هتوراه" و" شاس" الحريديَين، في مواجهة تيارات يهودية إصلاحية ونسوية تطالب منذ سنوات بتغيير ترتيبات الصلاة لليهود في ساحة البراق، والسماح بإقامة شعائر مختلطة واستخدام لفائف التوراة والصلاة بصوت مرتفع.

ومن شأن إقرار التعديل بالقراءتين الثانية والثالثة أن يمس بصورة مباشرة صلاحيات الأوقاف في إدارة شؤون المسجد، وتنظيم الدخول إليه، والإشراف على مرافقه الدينية والتعليمية، مما قد يفتح الباب أمام تغييرات في التقسيم الزماني والمكاني، أو فرض قيود جديدة على الأنشطة الإسلامية داخله.

مخاطر المشروع

ويقرأ المحامي المقدسي المختص في القانون الدولي، معين عودة، مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة" بوصفه تشريعا بالغ الخطورة، تتجاوز تداعياته نطاق ساحة البراق لتطال كامل البلدة القديمة في القدس بما تضمه من مقدسات إسلامية ومسيحية وأوقاف عربية.

وأوضح عودة للجزيرة نت أن القانون يحمل أهدافا معلنة وأخرى غير مباشرة وبعيدة المدى، مما يطرح تساؤلات جدية حول خلفياته الحقيقية، خصوصا أن دعمه لا يقتصر على الأحزاب الحريدية المنخرطة في صراع داخلي بشأن ترتيبات الصلاة عند حائط البراق، بل يشمل طيفا واسعا من الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة.

وأكد أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في النص ذاته، بل في احتمالية إقراره نهائيا بالقراءات الثلاث في الكنيست، فحتى لو لم تترتب نتائج فورية ومباشرة على الأقصى، فإن تمرير تشريع بصياغة فضفاضة ومبهمة يفتح الباب أمام إدخال تفاصيل وتفسيرات لاحقة دون ضوابط واضحة.

إعلان

ورأى أن إقرار التعديل نهائيا قد يُشكِّل قاعدة قانونية لمحاولات مستقبلية تهدف إلى تقليص صلاحيات الأوقاف الإسلامية تدريجيا، وصولا إلى نقل بعض الصلاحيات إلى الحاخامية الكبرى، بحيث تصبح إدارة الأوقاف واقعة عمليا تحت المظلة القانونية الإسرائيلية، ودون إعلان صريح بذلك.

والأخطر، بحسب عودة، هو توظيف التعديل كأداة قانونية داخل أروقة المحاكم الإسرائيلية، فبدلا من بقاء الخلاف في إطاره السياسي والديني، قد يُعاد تقديمه كمسألة قانونية تُحسم بتفسيرات قضائية.

مصدر الصورة جسر باب المغاربة حيث تتم اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى (الجزيرة)

إجراءات التقسيم قائمة

بدوره، رأى رئيس جمعية اتحاد المسعفين العرب في القدس، محمد غرابلة، أن إغلاق الأقصى من الاحتلال في حالات الطوارئ أو خلال الحروب بات سلوكا متكررا وأمرا اعتياديا. وقال إن الإخلاء تزامن اليوم مع ضرب إيران، وتخوّف من استمرار الإغلاق خلال رمضان، بما يعكس -برأيه- أن قرار الفتح والإغلاق يخضع بالكامل للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.

وأكد غرابلة أن الاحتلال يحظر على جمعية اتحاد المسعفين العرب، التي تتخذ من القدس مقرا لها، تنفيذ أي نشاط إسعافي داخل باحات الأقصى خلال رمضان للعام الثالث على التوالي. وفي رمضان 2026 مُنع وجود الطواقم الإسعافية الفلسطينية بشكل كامل، مما يعني عمليا أن مَن يفرض سيطرته الميدانية على الساحات هو الشرطة الإسرائيلية، وليس الجهة الدينية المشرفة تاريخيا.

ولفت إلى أن هذه السياسات، إضافة للمسار التشريعي الجاري، تصب في اتجاه فرض تقسيم زماني ومكاني داخل الأقصى، كما جرى في المسجد الإبراهيمي ب الخليل. وأوضح أن دخول المصلين المسلمين بات يخضع لإجراءات مشددة، تشمل التفتيش واحتجاز الهويات الشخصية، وأحيانا تفتيش الهواتف، فضلا عن احتمالات الاعتقال داخل الباحات، مما يعكس تحكُّما كاملا بمفاصل المكان، حسب تعبيره.

وفيما يتعلق بالتخوف من إقرار التعديل القانوني نهائيا، رأى غرابلة أن المسألة لا تتوقف عند حدود المسجد الأقصى أو مرافق محددة داخله، بل تمتد إلى مجمل العقارات الوقفية في البلدة القديمة. فحسب تقديراته، نسبة كبيرة من أملاك القدس القديمة مسجلة باسم الأوقاف، ويلجأ كثير من المقدسيين إلى تسجيل ممتلكاتهم كوقف حماية لها من محاولات التسريب أو الاستيلاء.

ومن هنا يتساءل غرابلة عن مصير هذه الأملاك إذا ما أُدرجت الأوقاف أو صلاحياتها تحت مظلة تشريعية إسرائيلية جديدة، معتبرا أن القانون، حال إقراره، قد يشكل أداة تمس ليس فقط بإدارة الأقصى، بل بمجمل الوجود الإسلامي والفلسطيني في محيط أسوار القدس.

التغيير وخطواته

من جانبه، رأى الباحث والكاتب المختص بالشؤون الإسرائيلية، ساهر غزاوي، أن مصادقة الكنيست، ولو بالقراءة الأولى، على مشروع تعديل "قانون الأماكن المقدسة" تمثل تحولا نوعيا في المرجعية التي تُعرِّف ما هو "انتهاك" أو "تدنيس" داخل المواقع الدينية في القدس، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

وأوضح غزاوي -للجزيرة نت- أن القانون في صيغته السابقة كان يتحدث بصورة عامة عن حماية الأماكن المقدسة من الاعتداء أو التخريب المادي، دون تحديد دقيق للجهة المخوّلة بتعريف المخالفة. أما التعديل الجديد، فينقل هذا التعريف إلى إطار ديني رسمي، بحيث تصبح تعليمات الحاخامية مرجعية معيارية لتحديد ما يُعد سلوكا مشروعا أو "تدنيسا".

وأشار إلى أن خطورة النص تكمن في طبيعته الفضفاضة، إذ لا يحدد على نحو قاطع ماهية الأماكن المقصودة ولا حدود صلاحيات الجهة المرجعية، مما يفتح المجال أمام تأويل سياسي ديني واسع.

وعن كيفية قراءة هذه التطورات، أكد غزاوي ضرورة التعامل معها بعين الحذر، لأنها لا تأتي من فراغ، بل في سياق مسار تراكمي طويل. فالتغيير في الأقصى -كما يقول- لم يحدث بقرار شامل ومباشر، بل عبر خطوات متدرجة:

إعلان

* توسيع الاقتحامات.
* تعديل قواعد السلوك داخل الساحات.
* فرض قيود على المصلين، إبعاد جماعي.
* تحويل الإجراءات المؤقتة إلى أعراف ثابتة يجري التعامل معها باعتبارها واقعا طبيعيا. مصدر الصورة باب العامود البوابة الرئيسية المؤدية للبلدة القديمة في القدس حيث تشدد سلطات الاحتلال إجراءاتها العسكرية (الجزيرة)

تحت صلاحيات الحاخامية

ورأى المختص غزاوي أن التعديل يُمثّل مرحلة متقدمة، لأنه يوفر غطاء قانونيا دينيا لأي إجراء ميداني، فبدل أن يُعرض التغيير كقرار أمني مؤقت، يُصبح تنفيذا لقانون يستند إلى مرجعية دينية رسمية.

وبتقديره، فإن الخطر لا يكمن في نص بعينه، بل في الفلسفة التي تقف خلفه، والمتمثلة في نقل التعامل مع الواقع القائم إلى مسار إعادة تعريف تدريجي لطبيعة المكان وهويته القانونية.

أما فيما يتعلق بإمكانية إخضاع الأوقاف الإسلامية أو توسيع التقسيم الزماني والمكاني، فيوضح غزاوي أن التعديل لا ينص صراحة على ذلك، لكنه قد يتحول إلى أداة ضغط فعّالة في هذا الاتجاه.

وخلص غزاوي إلى أن المسألة لا تتعلق بقرار فوري لتقسيم المسجد الأقصى أو إنهاء دور الأوقاف الإسلامية، بل بتهيئة أرضية قانونية تتيح إعادة تشكيل إدارة المكان تدريجيا، وباسم "حماية الأماكن المقدسة" قد يُعاد تعريف الجهة المخوّلة بالإدارة وحدود صلاحياتها، دون إعلان صريح بتغيير الوضع القائم، وإنما عبر مسار تراكمي طويل الأمد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا